"الروائي العراقي الراحل مهدي عيسى الصقر"

د. مفيد مسُّوح قرأها 10
 

في أمسية نقدية أقامها "نادي القصة" في "اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في الشارقة" مساء الخميس 6 تموز/ يوليو44444.jpg حضرها الناقد عبد الفتاح صبري، المشرف على النادي وعدد من الكتّاب والنقاد والقراء، قرئت خلالها قصته "العودة" ونوقشت موضوعاً وفكراً وبنية فنية، وهي قصة عميقة رغم بساطة لغتها وفكرتها القائمة على الإيمان بالتناسخ وعودة الميت في صورة من الصور عبر الدخول في كائن من الكائنات. فالقصة، التي تميزت بقدرتها التشويقية العالية وبآلية السرد الجذاب، تعالج فكرة الموت والعودة عبر حكاية رجل فقد زوجته، وخلال مراسم العزاء التقليدي الذي سرعان ما تحول، بسبب نوعية المعزين وأحاديثهم وحركاتهم، إلى عملٍ ميكانيكي يبادل معه المعزين هزة من الرأس ورفعاً لليد ثم وضعها على الصدر، أخذت أفكار الرجل بالتداعي صوراً استحضرت حبيبته الراحلة وأياماً من تاريخ علاقتهما العاطفية، تكررت فيها صورته وهو يؤكد لها أنها إن ماتت فسوف تعود على شكل طائر أو شجرة وصورتها وهي القطة بديلاً عند العودة، رغبة منها في البقاء إلى جانبه تفعل ما تفعله القطط قرب أصحاب البيت. وإذ الرجل على حالة شرود الذهن تظهر قربه بشكل مفاجىء قطة جميلة فينحني حاملاً إياها بين ذراعيه وتاركاً المعزِّين معتبراً القطة زوجته العائدة.
 

مهدي عيسى الصقر في سطور

يعدُّ الروائي العراقي الكبير مهدي عيسى الصقر، الذي رحل بسكتة دماغية في الرابع عشر من شهر آذار / مارس الماضي بعد معاناة مع المرض الذي أقعده في منزله مشلولاً فاقد السمع واللسان، يعد من روائيي جيل خمسينيات  القرن الماضي في العراق ممن استخدموا الواقعية لمعالجة الشؤون الاجتماعية والفكرية باعتماد قدرة الإنسان الكبيرة على السفر بخياله بعيداً وفي كافة الاتجاهات، وهذا ما وضع الصقر في مصاف أدباء الحركة الواقعية وفي صفوف اليسار العراقي الماركسي.

استمرت الحياة الإبداعية للروائي التقدمي مهدي الصقر، والذي كان موظفاً في شركة نفط البصرة قرابة الثلاثة عقود، استمرت على مدى خمسين عاماً وإن شهدت مراحل من التوقف. وقد عرفت للصقر، الذي كان شغوفاً بالقراءة، قصة قصيرة بعنوان "الرجل المجنون" منذ عام 1948،55555.jpg ولكنه لم يعرف كروائي أو كقاص إلا في عام 1954 عندما صدرت مجموعته الأولى تحمل العنوان "مجرمون طيبون" وكان متأثراً عن دراية وحرية اختيار بواقعية وإنسانية الأدب السوفييتي آنذاك، ولم ينشر تاليها إلا في العام 1960 لأسباب سياسية وكانت "غضب المدينة". وأهم أعماله مجموعات قصصية: "حيرة سيدة عجوز" صدرت في عام 1986 و"أجراس" عام 1988 و"شواطىء الشوق" عام 1999 و"شتاء بلا مطر" عام 2000، وروايات:  "الشاهدة والزنجي" كتبهاعام 1988  وفي عام 1998 ظهرت له رواية "رياح شرقية - رياح غربية"، وفي عام 2004 رواية "إمرأة الغائب" ورواية "الشاطىء الثاني". كما صدرت "المقامة البصرية العصرية" و"حكاية مدينة" عام 2005 وفي هذا العام، 2006، وقبل رحيله ظهرت روايته عن حروب العراق "بيتٌ على دجلة" وقد صدرت مؤخراً. ولم يكن الصقر يقتصر على إصدارات مجموعاته القصصية ورواياته بل كان ينشر أعماله في الصحف والمجلات الدورية في العراق ولبنان صانعاً بادئاً تجربة اسمها "الأدب العراقي الواقعي".

 66666.jpg

وفي كتابه "وجع الكتابة"، وهو عبارة عن مذكرات صدر عام 2001، تحدث مهدي عيسى الصقر عن حصار العراق وعن أثره على الشعب العراقي المقموع، وقد جاء بصيغة السجين الذي يكتب سراً في محاولة للشعور ببعض الحرية عبر الكتابة ومعبراً عن صدقية الصقر الذي قال: " إن الصدق مع النفس هو سبيل الكاتب إلى الصدق في التعبير".

كان للحب والبحث عنه نصيباً كبيراً في أعماله، وإن كانت تختلف في معظمها عن روايات الحب التقليدية المليئة بسعادة المحظوظين أو بتعاسة الفاشلين أو بالمآسي الناجمة عن شروط موضوعية. وكان النصيب الأكبر في رواياته القصيرة وقصصه للمضطهدين وللكادحين والمقموعين وهمومهم وأحلامهم المتكسرة، علماً بأنه كتب بهدوء مثلما رحل بصمت، ولكن تواضعه لم يلغ صلابته التي عبَّر عنها بالصمت وبالمغالاة بالصمت وبالترفُّع عن الإغراءات أيضاً. وكان إيمانه بمسؤولية الأدب والفن في المجتمع والوطن كبيرة ولا تقبل المساومة، على الرغم مما قاساه وجميع من حوله إبَّان حقب الديكتاتوريات المتتابعة ومسلسلات الحروب والحصار والاحتلال.

في روايات الصقر جانب توثيقي بعيد عن المباشرة الصحفية خاصة ما تطرق منها إلى السلطات والسلوكية الديكتاتورية والاحتلال، وفيها جانب تسجيلي لعادات77777.jpg الناس وما وصلهم عبر التراث ولمظاهر اجتماعية مختلفة. كما أنها تتضمن الكثير مما يحمل قيماً تربوية وأخلاقية ووطنية والكثير عن طبائع البشر ونقاط ضعفهم التي آمن بأنه لا بد لتطوير المجتمع ولتحقيق العدالة من تخليصهم منها ومن خلق إنسان من نمط مغاير لما أوصلتنا إليه الثقافات الرديئة وعهود الاحتلال والاستعمار والمجتمع الاستهلاكي.

كان الصقر صديقاً مقرباً لبدر شاكر السيَّاب منذ أيام شبابهما ولكنهما كانا على طرفي نقيض في السلوك اليومي وفي التعامل الشخصي مع المحيط. وقد خصَّه في عام 1995 برواية (أشواق طائر الليل)، التي عنى بها حياة السياب المأساوية التي كان سلوكه (المشين) سبباً في هدرها وتراجع صحته ونحوله ومرضه ونهايته المفجعة.