عمر أبو ريشة... شاعر الجمال والنضال والغربة- * في ذكرى غيابه: ليل الأحد 15 تموز 1990.
... وضُرب لي الموعد مع الشّاعر عمر أبو ريشة(1910 – 1990)؛ وقد حُدّد يوم 5 تشرين الثاني من العام 1981.
وأَزفت السَّاعة، فدلفت نحو منزله، في بيروت (منطقة أوتيل البريستول). وصلتُ. قرعت الباب، فَفُتح. فإذا أنا أمام رجل ثابت كالطَّود. رجل أهيب أهيف. شامخ القامة. منتصب البنية فارعها ...
- سلام. صافحته – فكنتُ كَمَن يستلم مئذنة من مآذن الجامع الأُمويّ، أو يقف إزاء شجرة حَوْر من أشجار "العاصي" أو صفصافة من حدائق حلب الشّهباء.
وخلتُني، يومَذاك، أقبض على رمح عربيّ سَمْهَريّ، رمح مركوز ثابت الرّكن، حادّ السِّنان، ناعم كخدِّ العذراء، أملس كنصل سيف، صلب كصخر لبنان، أنوف كجبل صنّين. فعمر أبو ريشة عربيّ سوريّ لبنانيّ عالميّ إنسانيّ، وهو شاعر جمال ونضال وغربة.
مَدَدْتُ يدي مُصافحًا، فَرحّب.
قلتُ: أنا منيف موسى، من بلدة الميَّة وميّة (جنوبيّ لبنان).
قال: أعرفك مّما قرأتُ لكَ. ومّما سَمِعْتُ عنك. تفضّل.
دخلتُ. انتحينا رُكنًا هادئًا في غرفة مكتبه. تجاذبنا الحديث، في الأدب والشِّعر والفلسفة والوطنيّات والإنسانيّات والسّياسة، والقوميّة والتّصوّف، وفي معركة القديم والحديث في الشِّعْر والفكر العربيّين .. والنّضال العربيّ والمقاومة .. قرأنا شِعْرًا، ثم أخرج من دُرْج مكتبه "كدسة" أوراق، وراح يقرأُ عليّ، فإذا هي قصائد ومقطعات شِعْريّة سياسيّة نقديّة وانتقاديّة. شعر سياسيّ ناقد حادّ.
قلتُ: والله، إذا نَشَرْتَ هذه القصائد سَتُقَطَّع إرْبًا إرْبًا. أو سيتدحرج رأسُكَ عن جسدك.
قال: ليست هي للنّشر الآن، ربما غدًا بعد مماتي، ترى طريقها إلى التاريخ.
وقُبَيْل مغادرتي، قدّم لي كتابه الشّعْريّ "أمرك يا ربّ"، وكتب في الإهداء: "إلى الأديب النابه السيّد الشّاعر منيف موسى مع أطيب التمنيّات. 5/11/1981، التوقيع: عمر أبو ريشة."
عشيرة الموالي
وغادرتُ، ونحن على أمل موعد آخر ... ومضى الزّمن!
ثلاثون سنة، ومنها بعد إحدى وعشرين سنة على رحيله (توفي الشّاعر ليل الأحد 15 تموز 1990).ألتقي أبو ريشة على هذه الصفحات، فأراه كما رأيتُه يوم 5 تشرين الثّاني 1981، فأقول فيه ما قاله بالأخطل الصغير (بشارة عبد الله الخوري):
"نَديُّكَ السّمح لم يُخنق له وترُ/ولم يَغِبْ عن حواشي ليلهِ قَمَرُ"
توفّي أبو ريشة في المملكة العربيّة السّعوديّة، ودُفن في حلب حسب وصيّته. أمّا مولده، فتاريخه مُختلف فيه، قيل: وُلِد العام 1908، أو 1909، أو 1910، أو 1912. لكنّ التّاريخ الذي يكاد يُتَّفق عليه هو يوم 10 نيسان، ويقال السابع عشر منه السنة 1910.
ومُختلف أيضًا في مكان ولادته، يجعل بعضهم مكان ولادته "القرعون" من أعمال البقاع في لبنان وبعضهم يقول: "حلب"، وآخرون: "مَنْبج". ويؤثر عنه قوله إنّه ولد في "عكا" في فلسطين. أمّا والده، بحسب رواية الشّاعر فمولده في "القرعون".
ينتمي أبو ريشة أصلاً وحسبًا إلى عشيرة بدوية هي عشيرة الموالي، ونشأ في بيئة عربيّة خالصة، وجوّ صوفيّ. ورث الروح العربيّة المتمرّدة من عشيرته. لم يهادن الحكّام ولا الأجانب المحتلّين. فكانت قصائده السياسيّة والوطنيّة حمم بركان وغضب وتمرّد وثورة. لاذعًا كان وأحيانًا جارحًا!
تخصّص شاعرنا بالعلوم، ولا سيما الكيمياء. وقد أثّرت العلوم في مسيرته الشّعريّة وتجربته الفكريّة. يقول: "الناحية العلميّة هي التي أثّرت عليّ في التوجّه الشّعْريّ."
كتب شعره الأوّل باللغة الإنكليزيّة. وهو يجيد غير لغة. وفي الشِّعْر عنده أنْ لا قديم ولا حديث ولا جديد. بل هناك شعْر أو لا شعْر. ولم يكن يؤمن بالوحي الشّعْريّ. بالعقل كان يؤمن، وبالعلم. الشّعْر عنده عمليّة عقليّة رياضيّة بحت. هو يقصد الشّعْر، يصنعه، كلّ كلمة في قصائده قَصَدَها هو. والشّعْر عنده قصيدة لا بيت أو أبيات. هو شاعر الفكرة. والشّعْر يقول، مراحل. في مرحلة النّضح يصل الشّاعر إلى الأعماق. الأعماق هي الرّوعة والإبداع.
العِلْم أفاده في الشّعْر لا الثّقافة، قولة لأبو ريشة. ولكنّه كان متعدّد المنابع الثّقافيّة: عربيّة، وأجنبيّة، وشرقيّة، وقد ساعدته حياته الدبلوماسيّة أنْ يطوّف في بلاد النّاس ... فتثاقف.
سئم الشّعر العربيّ المدرسيّ التقليديّ القديم الذي كان يطرب له أساتذته ... فعارض غير شاعر أمثال: أبي تمّام والبحتريّ .. وشغف بشعراء عرب غير الذين تردّدت أسماؤهم على كلّ شفة ولسان. وأحبّ شعراء إنكليز وفرنسيّين، أمثال: شكسبير، وكيتس، وأقربهم إلى نفسه ومزاجه كان: بودلير، وإدغار آلان ﭙو. وأراد أنْ يلحق بركب الشِّعْر العالميّ.
جماع المدارس الشِّعْريّة
وإذا كان بعض النّقّاد قد ألحقوا أبو ريشة بالمذهب الرُّومنسيّ، فإنّنا نجده جماع المدارس الشِّعْريّة. فهو لا ينتمي إلى مدرسة معيّنة انتماء تامًّا. وإذا أردنا أنْ نحصر صورته جعلناها في الإطار الكلاسيكي – الرّومنسي – الرّمزيّ. وهذا تجوّزًا، لا نهائية فيه، وهو شاعر التمرّد والثورة والحنين والطبيعة والمرأة، وفي هذه الموضوعات كان من المجدّدين! مثلما هو من شعراء المطولات والملاحم والقصص والمسرح. لكنّ الغالب على شعره، صورة المرأة.
ولم ينس أبو ريشة وطنه وبلاده وفلسطين في شعره، ولم ينس الحريّة والنضال. فلا تزال بعض قصائده تتصدى في أذهاننا. أمثال: "بعد النّكبة" و"عرس المجد" و"بلادي". وفي شعره عن فلسطين يقول:
"قفْ على تربة المسيح وشاهد/مصرع المجد فوق طهر الرّمالِ/عاش فيه المشرّدون رضيعو/لبن الـذّل في عهود الضـلالِ."
وأبو ريشة شاعر غربة وخيبة، وشاعر حزن وحُبّ. وقد كان يتعبّد للجمال .. وإذا كان قد أصيب بالخيبة من المرأة غير مرّة، إلاّ أنّه كان شاعر الفحولة حينًا وحينًا آخر شاعر البراءة والعفاف. وقد قال فيه الدكتور سامي الدّهان: "قلبه ما كان ينبض إلاَّ للجمال والجلال: لجمال الطبيعة والمرأة وجلال التاريخ والبطولة ... و[كان] يقسو على المرأة أحيانًا أخرى، وهو خبير بنفسيّتها، يعاملها كَدُمية. ولكنَّ كبرياءه وعنجهيّته تأبيان عليه أنْ يضعف ويتذلّل للمراة، فيقف منها كما يقف من الحياة في كبرياء وإباء وشموخ!" وقد صَوّر المرأة في نزعاتها المختلفة وممارساتها المتعدّدة. وكانت له تجارب شتّى مع النّساء – ينقل فؤاده كما يحلو له .. ففي شعره بعض قصص عن صبواته، نذكر مثلاً: "مصباح وسرير" و"سكون".
غير أنّ شعره السّياسيّ والوطنيّ كان ذا نهج واقعي عقلاني. كان عمل العقل أبعد من عمل الحسّ والوجدان. وهذا نتيجة الإحساس بالمسؤولية القوميّة، والمواقف الفروسيّة. فكان شاعر نضال وثورة، وكانت غاية الشّاعر في هذه المواقف الحقّ والحقيقة. فتمرّده كان في سبيل المطلق، سبيل الحريّة على يأس وعتب. وقد صرّح لإحدى المجلات العربيّة: "شجاني أكثر ما شجاني منذ ولجت دروب الأدب، في عهد الدراسة، أنْ يقال عن شاعر أنّه تقاضى لقاء شِعْره مالاً من أمير أو وزير أو كبير ... فالشّعْر كان ويبقى ... عندي أعفَّ من أنْ يدّنسه مال ..." لذا كَرِهَ المتنبيّ الذي وقف على أبواب كافور الإخشيدي ...
شاعر كبرياء وعنجهيّة
شعر عمر أبو ريشة قيمة عالية في ديوان الشَِّعر العربيّ الحديث. وأبو ريشة شاعر كبرياء وعنجهيّة واعتدادٍ وتعالٍ. لا يهادن ولا يساوم ولا يساير، على عفّة لسان .. وهذه من سمات شخصه وشعره.
وعندي أنّ قصائده تُعدّ من النماذج العليا لخصائص الشّعْر العربيّ .. ومن هذه القصائد أسجّل هنا خمسًا منها، وهي: "النّسر" و"لبنان"، و"معبد كاجوراو"، و"جان دارك" و"عودي". فقصيدة "النّسر" التي حفظتُ بعضًا منها، إلى جنب قصيدة "لبنان" و"جان دارك" زمن عهد الطَلَب ما هي إلاّ صورة الشّاعر نفسه التي تعبّر عن كبريائه وأنفته، وألمه وقد شاخ ووهن. فأضحى فريسة بغاث الطير، أي صغار النفوس، وهي تذكّرنا بقصيدة "البطروس" لبودلير، التي يمثل فيها الشّاعر وقد صار هُزءًا من الصّيّادين البحّارة .. و"نسر" أبو ريشة غدا مهيض الجناح، أسير المجتمع. ومنها أقتطف:
"أصبح السّفح ملعبًا للنسـورِ /فاغضبي يا ذُرى الجبالِ وثوري/إنّ للجـرح صيحةً فابعثيهـا/في سماع الدّنى فحيـح سعيـرِ/واطرحي الكبرياء شلوًا مدمّى/تحت أقـدام دهركِ السكّيـر ../(...)جلجلة منه زعقة نشّت الآفاق/حرّى من وهجهـا المستطيـرِ/وهوى جثَّة على الذروة الشّماء/في حضـن وكـره المهجـورِ/أيُّها النّسر هل أعود كما عُدْتَ ../ أم السَّفح قد أمـات شعـوري"
أمّا قصيدة "لبنان" فتتغنّى بلبنان العظمة والتاريخ والحضارة، ودور لبنان في العالم، ومنها:
"أنتَ ما أنتَ! فتونٌ سرمـدي/نجتدي من وحيه ما نجتدي/(...)وعلى جنبَيْـكَ فتيـان مشـى/خلفهم ركب الزّمان الأمردِ/حملوا الحرف الذي انشقّت على/لحنـه البِكْـر شفاهُ الأبـد/فتلفَّـتَ فلـم تلمـح سـوى/أمّـةٍ تهدي، ودنيا تهتـدي"
الطبيعة البشريّة
وتمثل قصيدة "معبد كاجوراو" الطبيعة البشريّة لناحية تنازع النّفس بين الشهوة والأخلاق، الخجل وحب الجنس، فيقول الشاعر في سبب كتابتها: "معبد كاجوراو" في الهند، أروع ما شاهده الشاعر.
"لقد مثّل الإنسان في شتّى مجاليه، بين تساميه وتدانيه، وذلك من مئات من التماثيل التي تعبّر بكلّ جرأة ووضوح عن الأهواء الجنسيّة، الطبيعيّة، والشاذّة، والخياليّة. مرّ الشّاعر بامرأة عجوز فسمعها تقول لنفسها: ما أقذر هذه المناظر وما أقذر صانعيها. غير أنّ دهشته كانت بالغة حدّها لمّا رأى تلك المرأة في اليوم التالي تتملّى من تلك المناظر، وبيدها منظار مُكبّر .."
ونعطف عليها قصيدة: "عودي: الّتي تحدّث عن مرحلة قاسية أو حالة مرّة من حالات الشّاعر الرّجل العاشق الذي أصيب بخيبة حُبّ .. فسام نفسه وامرأته سياط العشق والمرارة .. وننقل منها:
"قالتْ مَللتُكَ. إذهب. لست نادمـةً/على فراقِـكَ .. إنّ الحُـبَّ ليـس لنـا/سقيتُكَ المُرَّ من كأسي. شفيت بهـا/حقدي عليك .. وما لي عن شقاكَ غِنى!/(...)وسرتُ في وحشتي والليل ملتحفٌ/بالزمهريرِ. وما في الأُفْق وَمْـضُ سنـا/حتّى سَمِعْتُ .. ورائي رجع زَفْرته/حتّـى لَمَسْـتُ حيالـي قَدَّهـا اللّدنــا/نسيتُ ما بي ... هَزَّتْني فُجَاءتُها/وفجَّرتْ مـن حنانـي كـلَّ مـا كَمنـا/وصُحْتُ .. يا فتنتي! ما تفعلين هنا؟/البردُ يؤذيكِ عُوْدي .. لـَنْ أعـودَ أنـا!"
قصيدة "جان دارك"
وتبقى قصيدة "جان دارك" قصيدة سموّ القداسة والهيبة وعظمة البطولة وكبر التّضحية، من أجل العقيدة والوطن وكرامة الإنسان. وقد قال الشّاعر في مناسبة كتابتها: "رأى في معرض "اللوﭭر" بباريس صورة فتاة رائعة الجمال على صهوة جواد أدهم؛ فاستغرب عندما علم أنّها "جان دارك" البطلة، فكتب قصيدته فيها، ومنها:
"وَقَفَـتْ تصلّـي هيبـةً /والنّفس خاشعة كئيبـة!/ وصليبها القدسيّ يرمقها/بنظْــراتِ رهيبــه/(...)حتّى إذا الوطن الأسير/بدا مـن الأغلالِ حُـرّا/هوتِ البتولُ المستميتة/في يد الأعـداء غـدرا./ ومشوا مجوسًا يحملون/بتولهـم للنـار نُكــرا/ورمَوا بها وتجمّعـوا/ من حولها تيهًا وكبرا ..."
***
هذا الشّاعر "النّسر" الذي غيّر تغيّيرًا مهمًّا في حساسيّة الشّعر العربيّ نحو حداثة رصينة ولائقة بالتجديد، شاعرًا عالميًّا كان ولا يزال. هكذا لقّبوه وكرّموه .. رحل عنّا. وصدى صوته يرنّ في آذاننا. وإنْ كان شاعر منفى وغربة واغتراب .. فهو شاعر منبر وهمس، وعقل وقلب. وفيه قال شيخ الأدباء والنّقّاد الحديثين مارون عبود: "عمر أبو ريشة أشعر شعراء جيله، فقد جمع بين طريف الأدب وتليده."
وها إنّني أصافح "العُمَر" السَّاعة، من خلال شِعْره. وهو الذي أطلع دولةً في دولة الأدب "من مجد أقلام وعزِّ منابر"!
كلام الصور
1- عمر أبو ريشة
2- في السابعة من عمره
3- أبو ريشة سفيرا لسوريا عام 1962 مع الرئيس الأميركي جون كينيدي في البيت الأبيض