أشعلنا له الشمعة السابعة والتسعين: سعيد عقل... تراث لبناني نيّر قدير

د. منيف موسى قرأها 6
 

يوم الجمعة 4 تموز 2008 أشعلنا له الشمعة السابعة والتسعين
سعيد عقل... تراث لبناني نيّر قدير

د. منيف موسى

يوم الجمعة 4 تموز 2008 أتمَّ سعيد عقل عامه السادس والتسعين، مدّ الله بعمره، ومتّعه بالصحة والعافية.

ويوم الجمعة 4 تموز 2008، دفعتُ الى الطَبْع كتابي الجديد ذا العنوان: (سعيد عقل، أو ستّ وتسعون)، وهو قراءة في شعر هذا الرجل ونظريته الشعرية والنقدية، وقد ألحقت به نصوصاً شعرية ونثرية نقدية من كتابات سعيد عقل غير المنشورة في مؤلفاته. وقد جمعتها من الصحف والمجلات الصادرة منذ ما يزيد على الخمسين السنة.

وذات يوم منذ ثلاث وأربعين سنة، وقفتُ أمام سعيد عقل وقد تلاقينا في شارع المعرض، في بيروت، فقدمتُ اليه ديواني الأول: (لُنَى) (وهو من شعر الصِبا)، فكان ان طالعني بعد عدة أيام، (وكان ذلك في العام 1965) في جريدة (لسان الحال) التي كان يكتب فيها زاويته (كلمات) بقوله: "قرأنا مجموعة (لُنَى) لمنيف موسى. ولا كلمة نابية، هذا ألا يكفي في هذا العصر، ليكون صاحب النتاج على طريق الشاعرية? وأحياناً إطلالات بناء، ونغم حلو، وطرافة. ما أجمل ان ترى فرخ النسر يتدرّب على تحريك الجناح"...

ثم كان أن أرسلتُ له، في العام 1977، قصيدتي الطويلة: (مواسم الحُبِّ والموت) (نشرتها جمعية الثقافة في المية ومية) فأرسل إليّ ورقة فيها قوله: (حقاً انها لمواسم، وسنبلها الحُبّ. أما الموت فمقحم فيها إقحاماً قصد أنْ يقول الحياة. كيف لا تُحَبُّ? انها لبنان، داس الاحتضار، رفع الوجع الى قوّة الجمال، غنّى، وضفر على جبينه بدلاً من إكليل مجد، خضرة من جبله العالي، منذ اليوم الأرز في الدنيا مكان الغار، سَلِمَتْ ريشة تكتب بالسيف).

وتواصلتْ بعد هذا، وقبله، لقاءاتنا، عنده في منزله، في بيروت، وزحلة. وعندي في بلدتي المية ومية. ويوم استضفناه في 26 آب من العام 1967 في محاضرته (ما أُضمره للبنان) وبحضور محافظ الجنوب - آنذاك - هنري لحود، الذي قدّمه وعرّف به، قلتُ فيه: (كالسيف في عنجر، ما لان له نصل، وما نبا له شفار... ما يني يُلقّننا حُبَّ لبنان والولاء له، رسالة وَعْي وحضارة الى الأمم نزرعها على كل شبر من الدنيا... وبصفته دولة لبنان الروحية، ما زال يعمل منذ عهد بعيد من أجل لبنان، وكيان لبنان، وشعب لبنان... رجل ايمان هو، القضية عنده فعل وجود ومصير... سعيد عقل أنت الزرقة الباقية في سماء لبنان...

واليوم، أيضاً، وبعد مضيّ ما ينيف على الخمسين سنة من صحبتي الأدبية والشخصية مع سعيد عقل، وكنتُ قد قرأتُه مُذْ ذاك، وكتبتُ فيه غير بحث وغير عمل أكاديمي، وفي عزّ البحث مجدّداً في (التحديث والحداثة) أسجّل عن سعيد عقل وفيه (على الرغم ما ينماز به من دور جليل باهر ساطع، في تحديث الشعر العربي وأخذه في دروب المعاصرة، عبر شعره ونثره وتبادعيته)، المعالم الآتية:

1. محاضرته: (كيف أفهم الشعر?)، (1937) التي أصبحت في ما بعد مقدمة لقصيدته الطويلة (المجدلية)، وهي عندي البيان الشعري الرمزي للشعر العربي الحديث.

2. محاضراته التي كان يُلقيها في (معهد الحكمة) في بيروت، العام 1937 على غرار ما عمله (الكوليج دي فرانس) مع بول فاليري في رعاية، منبر الشعر، العام 1937، وكانت محاضرات سعيد عقل - عندنا - تتناول البحث في الشعر العربي في ضوء (الشعر الصافي).

3. مقدمة مسرحيته التحفة (قدموس) (وُضعت في ضهور الشوير، آب 1937، وأُعيد النظر فيها في زحلة آذار 1944، ونيسان 1960)، وتاريخ تدوين المقدمة هو 1944، وقد عَنْوَنها صاحبها: (خلاصة لبنانية) وجاء في مطلعها: (لبنان وطن للحقيقة. هكذا شاء ان يكون، هكذا فليعلن، عهد تضجّ خريطة العالم بانهماكين من أجَلِّ أحداث التاريخ: اكتناه العقل، والتوغل في ماهيّة المادة..).

ومما جاء فيها: (...لا يتنازل لبنان عن رعاية العقل، وعلّة وجوده الوحيدة انه عقل، ولا يستجيز لنفسه ان يبغض، وأجمل ما في تراثه أنه حُبٌّ. ولا يقبل لبنان بأن ينكفئ على ذاته، واتجاه فعله هو انفتاح على العالم وما فوق العالم..).

4. مقدمته لديوان (أول الربيع) لرشدي المعلوف (8 نوار 1944)، وقد تحدّث فيها عن دور لبنان في تطويع البيت الشعري العربي، فقال: (بيت عربي - أيْ بيت الشعر – هُوَ لنا... تسلّمناه على حال، رفيع وارتقينا به الى أوج أرفع، ولكنّه أوج من صلبه، فهو هو نفسه ولكنه تعالى هذه المرة، بيت عربي أخيراً نظمناه في سلك فراح، لأول مرة في تاريخه، يكون نغمة في سمفونيا... وهكذا جاءت قصائدنا عمارات لا خيمات..).

5. مقدمته لديوان (شعر الأخطل الصغير)، ذات العنوان: (أغنية الجراح والرماح) (تاريخ تدوينها: زحلة 20 نوار 1961)، ومما جاء فيها: (... شخصياً أحببته (أي للأخطل الصغير)، ما كففتُ. رغم ما تَقَوَّلوه حول خطبة لفظتها ذات ليلة ونحن على المنبر الواحد، خضضتُ بها الشعر: قديمه والمعاصر، فزعموني تعمدتُها أذيَّة له، وفهمها هو هكذا بضغط من الجمهور، حتى إذا ردّوه الى الكلام كَرَّةً أخرى وهاجمني ببيتين له قديمين، رحتُ أصفّق لهما كما ولا أحد، وفي بالي الخليّ أننا: هو والبيتين وانا، أعداء حقاً ولكن أعداء من يجهلون، وانقضى عمر، وهذا نحن نكذّب الليلة المباعِدَة: أنا أدعو الى تكريمه وهو يكلّفني التقديم لديوانه).

6. مقالته (القصيدة الحديثة) (نشرتها مجلة (الحكمة) - العهد الأول العام 1963) وهي عندي المقالة/البيان، أو (تجربة سعيد عقل الشعرية). وقد سكب فيها بعضاً من عبقريته المتطلعة دوماً الى اجتراح القصيدة/المعجزة، وهو إذ ذاك، في ميعة الصبا، وقد راح يكابد الشعر الصعب، إذ لم يرضه - عهد صباه - شعر ككل أشعار أقرانه أو أترابه، أو مَنْ قَبْلهم، حتى قال: (... عزمتُ على بناء نفسي، وكان عملي من الصراحة والكدح وهدم ما لا يعجبك مما تبني، ثمّ استئناف الرصف من جديد... حتى خِلتني وُرَشَ معماريين تقلق بطقطقات الأزاميل وكب أحمال الحجارة وصخب تبادل النداوات وهكذا، في تلك السنّ، سنّ الشباب واللهو، رحتُ أنا أقوم بعمل مترصّن متشدّد وبدل أن أعيش ما أعطاه عفواً أخذتُ أحيا ما يمتنع عليّ..).

ويضيف في نهاية المقالة وقد سمع القصيدة/المرأة تهتف به: (... حبيبي، يا أصابع إله صغير، إنّ في مطاوي عقلك لمثلاً مصغّراً عن قوّة الذي بَرَاك على صورته ومثاله. حسبك ان توقظ ذاك، بأن تكون أنت أكثر ما يمكن أنت، بأن تغني غناك البشري، بأن تفتّق من نفسك زهور نفسك، ليتأتّى لك العجب ويحكي صنيعُكَ صنيعَ الخالق العظيم..).

وكان ان غدا سعيد عقل شاعراً عجباً!

وهو الذي كان قد صاح ذات يوم من العام 1933، بتوفيق يوسف عوّاد، أديبنا الآخر، (بتحب تسمع قصيدي قَدْ الله؟).

ويكبر تراث سعيد عقل وتتألق عماراته وتلألأ، ويصبح هذا الرجل كما لا شاعر، شاعراً أسطورياً...

وعلى الرغم من تجارب جمهرة من شعراء العرب في عصر النهضة والعصر الحديث ولكلّ منهم باع واعتبار.. تجربة، يمكنني القول ان قصيدة سعيد عقل (شيراز) - كتبها يوم 9/5/1938، ونشرتها جريدة (المكشوف) يوم 6
آذار 1939-، تسجّل بداية عهد حداثة (القصيدة العربية) التي سُمِّيتْ في ما بعد قصيدة: (الشعر الحرّ) التي تنازع البدءَ بها: بدر شاكر السياب، وبلند الحيدري، ونازك الملائكة. وبعض أترابهم... وقد ائتسى صلاح الأسير بقصيدة سعيد عقل، فكتب قصيدته (نهوند) (راجع ديوانه (الواحة) ص
82 - 85، منشورات (الاديب) 1943) التي تماثل قصيدة (شيراز) روحاً وبناءً، وللمهتمين أمر العودة الى تلك المدوّنات لتبيان الأمور...) ولكي نعطي ما لقيصر لقيصر... أنشر هنا قصيدة (شيراز) وقد استللتها من محفوظاتي (الارشيف)).

7. يبقى أن أسجل ان تطلعات سعيد عقل الوطنية والثقافية واللغوية واللبنانية تتلخّص في مقالته التي أدرجها - في يوم من أيام ذكرى استقلال لبنان، في يوم من ستينات القرن الماضي - في جريدة (لسان الحال) زاويته (كلمات)، وقد جاء في نهايتها:

(... ويا لبنانه الحبيب العظيم،

لا أجمل من غارك،

في استقلالك المعاصر،

إلاّ الغار الآخر الذي يضمره لك.

وفي هذا اليوم بالذات يعاهدك بأنه لن تغيب الشمس إلا ومُنْزِلُ على أرضك بواكير ثورة فكرية هي هي الأساس في رد الشرق شعلة من نور. لبنان، لبنانه الحبيب الظليل، سواك يحتلّ المكان، استمر أنتَ، استمر تحتل الزمان).

يوم الجمعة 4 تموز 2008 أطفأ سعيد عقل الشمعة السادسة والتسعين، فأشعلنا له - طوّل الله عمره - الشمعة السابعة والتسعين، وقد قبسنا شعلتها من شخصه وأدبه وشعره وفكره، من مجموع مؤلفاته وكتاباته. .

وها انني اليوم، أقدّم، له كتابي: (سعيد عقل، او ست وتسعون)، وهو باقة ورد وأرز وغار من أرض لبنان، الى دولة لبنان الروحية متّعها الله بالسيادة والحرية والاستقلال، وهي دائمة العطاء والرفعة والشموخ والسعادة.

ويا سعيد عقل: (ستبقى وهج الشعر العربي المعاصر).

الجمعة 4 تموز 2008

Al%20Anwar%20Logo.JPG