امبراطورية المجانين

خطيب بدلة قرأها 212
 

أمضيت السنوات العشرين الأخيرة من عمري وأنا (داعس) وراء مفهوم غائب، أو (مغيب) عنا نحن العرب، عبر العصور، ألا وهو وجود ألوان أخرى لأية قضية مطروحة، غير اللونين اللذين صَبَغَـنا (أو طَرَشَنا) بهما أُوْلو الأمر والفكر منا، أعني الأبيض والأسود.

ولكنني، كلما وصلت إلى قناعة بأنني قد شفيتُ من حمى اللونين الأزليين، وجدت نفسي منتكساً، أفكر على هدي هاتيك الثنائية العجيبة، ولا يخطر ببالي وجود الألوان الأخرى الكثيرة إلا بعد أن يفوت الأوان وألاقي من أضرار التفكير الثنائي ما ألاقي.

مثلاً: حينما كنت مراسلاً ميدانياً لإحدى المجلات في العصفورية العربية المتحدة، كتبتُ عشرين نصاً قصصياً من واقع العصفورية، جمعتها في كتاب عنونته (إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا)، وصفتُ فيه أحوال الزملاء المجانين وطرائق حياتهم وتفكيرهم بكثير من الحياد والموضوعية. ومن هذه الأجواء اشتق الفنان المبدع رائد خليل لوحة الغلاف، وهي تشير إلى سيارة ملأى بالمجانين كانت تسير بسرعة جنونية، وفجأة اصطدمت بجدار العصفورية المرتفع، فتحولت هي وركابها إلى حطام متناثر، ولأن حادث سير مؤلماً كهذا مسألة جدية لا تحتمل أي مزاح أو تنكيت، فقد سارع فريق الإسعاف الخاص بالعصفورية إلى إسعاف الزمور (فقط)!

قال لي أحد أصدقائي وهو يقرأ عنوان الكتاب حينما أهديت إليه نسخة منه:

-                   عنوان حلو كتير، لكن لماذا وصفت إمبراطورية المجانين بأنها (ديمقراطية)؟


قلت: لأنني أجزم بأن الديمقراطية الغائبة من حياة العقلاء موجودة على نحو واضح وزاهٍ لدى زملائي المجانين.

قال: حسناً، وما تفسيرك لذلك؟

قلت: إن المجانين، ببساطة، لا يوجد لديهم شيء يخسرونه، أقصد: ليس لديهم مال أو نساء أو سلطات أو زعامات تتطلب منهم أن يكونوا مستبدين وديكتاتوريين!

هز رأسه وقال لي: ربما كان كلامك صحيحاً من الناحيتين النظرية والمنطقية، وأما في الواقع فالأمر مختلف جداً.

وضرب لي مثلاً بمجنون يدعى (أبو ابْجير)، كان يعيش في الخمسينيات في بلدة معرتمصرين، شمالي إدلب، وكان شرساً وعدوانياً ومستبداً إلى حد أنه كان يربط وزنة حديدية من فئة (كيلوغرامين) برأس حبل ليفي طويل، وينزل إلى السوق وهو يجعر بالمقلوب، ويشرع بتدوير الحبل والوزنة في الهواء ثم يفلت الوزنة ويبقي الحبل في يده على طريقة طرفة بن العبد في بيته الشعري القائل:

لعمركَ إنَّ الموتَ ما أخطأ الفتى         لكالطِّوَلِ المُرخى وثنيـاهُ باليَــدِ


لتنزل الوزنة التي يصبح وزنها كبيراً (بسبب قانون العزم الفيزيائي وقانون القوة النابذة) على واجهة دكان فتحولها إلى حطام، أو على رأس كديش فتهشمه فيقع هو وصاحبه والعربانة التي يجرها على الأرض، أو على زجاج بيت يفتح فيه طارة أكبر من طارة (القنويشا)، ويحدث رعباً بين الناس يؤدي في كثير من الأحيان إلى إغلاق السوق.

وتابع الصديق قائلاً: و(أبو ابْجير)، لعلمك، لم يكن مجنوناً منذ ولادته، ولكنه نزل ذات مرة مع صديقه (قَيَّاس المَي) إلى سَبيل ماء يُنزل إليه بدَرَج مكسَّر، ليتناولا سيجارتين من الحشيش من دون أن تقع عليهما أنظار الشرطة أو أنظار أهل البلد الذين يكرهون الحشيش والحشاشين كرهاً يجعلهم يتَّحدون، رغم تفرقهم التاريخي، ويضربونه بالعصي والرفوش والكرابيج والقظامي ومَسَّاس الفلاحة وعصا المسدية حتى يقع على الأرض، فينتقلون إلى المرحلة الثانية من تأديبه وهي التعجيق بالأرجل!

أحس (أبو ابْجير) وهو ينزل الدرجة الرابعة بأن أحداً ما نفخ بفمه على ذبالة الشمعة وأطفأها، فالتفت إلى صاحبه وقال له:

-                   تضرب في شكلك يا قَيَّاس المَي، هلق وقت مزحك؟ ليش طفيت الشمعة؟


رد عليه القياس مذعوراً: أنا؟ عليّ الطلاق بالتلاتة أنا ما طفيتا!

وفجأة امتدت إصبع وسطى إلى دبر أبي ابْجير، .. فاغتاظ وسدَّد، رغم العتمة الدامسة، لكمة قوية إلى وجه القَيَاس. وإذ حلف له هذا بأنه لم يكن صاحب الإصبع أيقن (أبو ابْجير) أن الجان قد دخلوا على الخط فطقَّ عقله، يا حسرات قلب أمه عليه.