كلامٌ عن الغجر

عبد الكريم النَّاعم قرأها 6
 

في عدد جريدة النور رقم 278 تاريخ 24/1/2007 قرأت مقال السيد محمد شويحنة الذي حمل عنوان "الغجر عشاق الفن والحريةfffffffghjuuuuuuuuuuytrefdfff.JPG ضحايا الظلم والديكتاتورية"، ولقد أثار المقال في نفسي عدداً من النقاط, كواحد اهتم بقدر ماتيسر له بهؤلاء الجماعة, وقد خبِرتُهم, وعاشرتهم فترة من الفترات وعرفت الكثير (عنهم) أقول (عنهم ) لا (منهم) فهم غير قادرين على شرح ماهم فيه أو تفسيره أو تعليله فكل مايعرفونه أنهم موجودون لاغير, كجزء من أهل البلد لايعرفون شيئاً عن أصولهم, وهذا ماثل بقوة بالنسبة للغجر في بلاد الشام والعراق ويسمون في سورية (نور) وفي العراق (كاولية )وقد كتبت عنهم قبل قرابة عشرين عاما بحثا بصيغة القصّ والرصد بعنوان (الغجر والأقواس) تتبعت فيه العديد من عاداتهم وتقاليدهم.‏

لعله من المفيد الاشارة الى أن شاعراً أردنياً مهماً هو (عرار).. مصطفى وهبي التل قد كان صديقاً لهم في الاردن بدرجة عالية, وقد دافع عنهم, وهجا محافظ عمان في ذلك الزمن لانه لم يستقبل زعيم الغجر في الاردن ويسمونه (الهبر).‏

النقاط التي أردت التوقف عندها هي:

1.      معظم ماكتب، فيما وصلني عن الغجر هو عن غجر أوروبا وبأقلام باحثين أو مهتمين غربيين وماجاء عنهم في تلك الكتابات لاينشىء كله على الغجر في بلاد الشام والعراق, لأنهم حيث يستقرون يأخذون الكثير من ملامح الأرض التي تحتضنهم, نعني الناس الذين يعيشون فوق تلك الأرض, نقول بلاد الشام والعراق للتطابق الكامل فيما يتعلق بحياة الغجر, والأمر لايخلو من اختلافات لايمكن تجاوزها في بقية بلدان الوطن العربي.‏

أنا أعتقد أن همة الباحثين في هذا المجال على مستوى الوطن العربي هي همة شبه مفقودة هذا إن لم نقل أنها مفقودة لأسباب منها غياب الدافع, ومنها النظرة التي يتعامل بها المجتمع مع الغجر!!‏

2.      المعروف عن الغجر أنهم يهتمون بالعزف على الآلات الموسيقية وهنا ثمة سؤال: ترى كيف ترسخ هذا الملْمَح في حياتهمssssssssssssdfghjktttttttttttttreeeeee.JPG والمتعارف عليه أنهم, من حيث الأصول قد هاجروا من الهند وانساحوا، ومَن يدقق في ملامحهم يجد فيها ملمحاً هندياً رغم كل ماتعرضوا له من اختلاط وربما ظلت تلك الملامح بسبب أن الغجري لايتزوج إلا غجرية بسبب النظرة الاجتماعية أما لغجرية فقد حدث ولمرات قليلة, أن تزوجت من غير غجري زواجاً كبقية عباد الله.‏

ترى من أين أخذوا هذا الإرث الموسيقي الذي شملهم جميعاً من روسيا الى بلدان أوروبا الى الوطن العربي ?!! لعل هذه القبيلة أو القبائل التي هاجرت من الهند كانت تعتمد في تأمين مستلزمات حياتها على العزف والرقص فحملوا معهم هذا الإرث وهو إرث يساعد على حياة الارتحال ولايلزم صاحبه بالارتباط بأرض تشده بانتاجها, فأرضه التي يزرعها هي النغم وضرب الإيقاع, وهو حيث يستقر يأخذ ألوان البلد الفنية ويُدخل عليها شيئاً من روحه كما ذكر السيد الكاتب.‏

3.      ليس كل الغجر من العازفين أو الراقصين أو ممن هو على صلة بأدوات الموسيقى إذ ثمة عدد قليل منهم امتهنوا مهناً أخرى لاتتعارض مع طبيعة الترحال الذي (كان)عنوان حياتهم, نقول (كان) لأن الرحَّل منهم صاروا ندرة فقد استقروا في بيوت في المدن وصار الناس يذهبون إليهم أو لدعوتهم بعد أن كانوا يطوفون القرى والأرياف لتأمين معيشتهم في المواسم.‏

المهن التي عملوا بها في بلاد الشام هي صناعة السكاكين, والغرابيل, ودخلوا منذ أربعين سنة تقريباً على صناعة الأسنان وكان مجال نشاطهم الرحب فيها البلدان الافريقية والأحياء الشعبية في المدن السورية .‏

4.      قد يتسلَّل الى ذهن البعض أن ثمة علاقة بين رقص الفلامنكو الاسباني والغجر, وذلك بحكم أن معظم عازفي الفلامنكو هم من الغجر كما ذكر السيد شويحنة.. هنا عند هذه النقطة أحب الاشارة الى أن ثمة ملامح عربية واضحة في رقص الفلامنكو الذي يعتمد على الحركات البطيئة بداية وينتهي باستعراض الحركات السريعة الرشيقة وهو الترتيب المتَّبع في رقص )الشيخاني) الحمصي, والذي يتقاطع ترتيباً وايقاعاً بدرجة ملحوظة مع رقصة (الساس) العراقية, ومن يستمع الى طريقة الغناء في الفلامنكو ويقارنها مع بعض أنواع الغناء الريفي في بلاد المغرب العربي يدرك أن الفلامنكو في عموده الفقري هو بعض غناء العرب في تلك الديار بقي فيها فلم يتمكن المتعصبون الأوروبيون من محوه فظل الى جانب القصور يحمل ترجيعات التفاعل الحضاري والعطاء الانساني.‏

5.      يلاحظ أن ثمة من لايجيد العزف ولا الغناء وليس في أهله (حجية) ينهال عليها (الشوباش) هؤلاء يعملون في أي عمل يتيسّر لهم, وهوما يسمى في الأوساط الفقيرة (فاعل) والصغار اليافعين يذهبون الى العمل في مسح الأحذية وتلميعها في أوروبا وخاصة في اسبانيا دخل أحد الغجر آفاق التدريس الجامعي, أما في بلاد الشام والعراق فهم في حدود ماأعرف أن (بعضهم) قد حمل الشهادة الثانوية, ولعل ماورثوه من ثقافة خاصة بهم (إرث مادي ومعنوي- عادات - تقاليد) وماينشؤون عليه من حب للطرب والسمر والسهر, هذا كله يجعلهم أبعد مايكونون عن انضباط الدرس وتحديد هدف, فأهدافهم موروثة محددة وهي العمل في ميدان العزف والغناء والرقص, ولعل هذا هو أحد أسباب أن معظم شبابهم يعاقرون الخمر, ربما تشبثاً بلذائذ حسية , وهروباً ولو الى زمن لايهتمون بمقداره , من واقع يرفضه البعض ,فهم , غالباً , يرتجلون حياتهم كا يرتجلون (التقاسيم) على آلة العود أو البزق, وهم في دمهم التمرد على القيود الصارمة بحكم ماحملته جيناتهم وعقلهم الجمعي من ارتحال ومرافقة للبراري وزرقة السماء ومهما كان الغجري متجاوباً في قضايا الواجبات الاجتماعية, وليِّناً ووَدوداً فإنه في لحظة ماتجده وقد عاد الى طبعه في التفلّت من ربعه تلك القيود, واحتجاجه الصمت, وتحمل غجريته الكثير من اعتذارات لايقدّمها.‏

لقد عاش الغجر حتى مابعد منتصف القرن العشرين دون تسجيل رسمي في قيود الدولة في سورية, أما الآن فهم منذ ذلك التاريخ مثلهم في هذا الشأن مثل أي مواطن عربي سوري.

الغجر .. عشَّاق الفن والحريَّة‏

محمد شويحنة

العروبة