الغجر .. عشاق الفن والحرية وضحايا الظلم والديكتاتورية
الغجر قوم يلف الغموض حياتهم، جوَّالون يتفردون عن غيرهم في كل مكان وجدوا فيه، من خلال نمط حياة مغاير ونسق مهني خاص بهم. كما يتحادثون فيما بينهم بلغة خاصة عُرفوا بها. وقد صار لهم حضورهم في ذاكرة الشعوب، وفي المأثورات والأمثال وبعض الحكايات والأساطير. بل صار لهم حضورهم في عدد من مرافق الحياة العامة في أي وسط عاشوا فيه. وعلى الرغم من تعرضهم المستمر إلى كم هائل من التأثيرات والضغوط، فقد نجحوا في أن يحافظوا على هوية متميزة، وأن يُظهروا قدرة فائقة على التكيف والبقاء.
ولعلّ لفظة غجري Gypsy في الموسوعات والمعاجم، وما طرأ عليها من دلالة فضفاضة فيما بعد، انتقلت من مجرد الدلالة على فرد مترحّل في جماعة، إلى دلالة تحمل طابعاً منحطاً. وإذا كان للفظة مضمون عرقي في الأساس، إلا أن المشكلات التي استتبعت ذلك، كمنع الغجر من دخول المطاعم والحانات في إنكلترا، حدَتْ بالقضاء الإنكليزي إلى تفريغ المفردة من مضمونها العرقي لينصَّ القانون على أن الغجر (أشخاص اعتادوا حياة الترحال، أياً كان عرقهم أو أصلهم). وهكذا فالشخص يعد غجرياً أو لا يُعَدُّ وفقاً لنمط حياته، وليس وفقاً لأصول ثقافية أو عرقية.
وتفيد بعض الدراسات المقارنة حول أصول الغجر، من خلال الشكل الجسماني وفصيلة الدم وملابسات الاختلاط بغيرهم، من السلالات البشرية في الوسط الهندي. وهجراتهم المبكرة من فارس وأرمينية، ووجودهم في الإمبراطورية البيزنطية وبلاد البلقان واصطدامهم بالعثمانيين فيما بعد، لتبدأ هجراتهم المتلاحقة إلى أوربا الغربية فيما يشبه الزحف المتصاعد. وقد عُرفوا بالمصريين، وذلك في أوائل القرن الخامس عشر، إذ توافدت مجموعاتهم، تحملهم قليل من العربات، ويعسكرون في العراء، أو في مهاجع مؤقتة، عندما يخفقون في إقناع الأهلين بالإقامة في مدنهم. وكان تنقُّلهم يتم من خلال جماعات تخضع لزعيم واحد أو عدد قليل من الزعماء. وقد امتهنوا أعمال السرقة والاختلاس والتلصُّص والاحتيال وقراءة الطالع والألعاب البهلوانية. وقوبلوا في كل المجتمعات التي حلُّوا بها بالنفور وجوبهوا بالطرد والترحيل والمحاكمة التي وصلت إلى حد إعدام أعداد منهم في فترات متعددة. وكانت المبرِّرات المعلنة عن أسباب هجرتهم إلى أوربا أنهم في الأصل متنصِّرون ارتدُّوا إلى الديانة الوثنية فطردوا ولوحقوا في بلادهم.. وقد بدؤوا منذ ثلاثينيات القرن الخامس عشر وما بعد ينتشرون تدريجياً في مقاطعات شرقي أوربا. وتصاعدت هجراتهم طيلة القرن الخامس عشر حتى أوائل القرن السادس عشر. وشكلوا أعباء أمنية على السكان والحكومات، فسُنَّت ضدهم قوانين صارمة وتشريعات عنيفة. وغير مرة شُنق أحدهم لمجرد أنه غجري رحال. غير أن هذه القوانين لم تكن تطبَّق في معظم الأحيان، إذ لقوا بعض مشاعر التعاطف بين السكان هنا وهناك، وظلوا يجدون من المسؤولين المحليين من يتسامح معهم، بل ربما يجدون من يحسن إليهم ويتغاضى عن جرائرهم.
على أن التطورات المتسارعة في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر أفضت إلى تغيرات في نظرة الآخرين إلى الغجر. ففي مجال الأدب استرعى الغجر انتباهاً من نوع جديد، فلدى تحول الذوق العام إلى الرومانتيكية والميلودرامية، تحول الاهتمام عن مفاهيم مثل النظام والهدوء والعقلانية إلى مفاهيم الفرد والخيال والتلقائية، وقد أدى الإحياء الرومانسي إلى اهتمام متزايد بالثقافة الشعبية البدائية، والنزوع إلى الغريب والغامض. وقد لازم الرومانسية في مراحلها الأخيرة اهتمام بجمع الفولكلور وتقليده، وبالأغنيات الشعبية والرقص والموسيقا، ولم يعد الغجر بعيدين عن هذا التيار من الأدب والدراسات الإنسانية، فأصبحوا منجماً للحكايات الشعبية والموسيقا والأعراف والخرافات. أما في مجال التاريخ فقد ظهرت سلسلة حاسمة عن تاريخ الغجر الباكر في أوربا، وكذلك أمكن أن تنظر الكنيسة إليهم نظرة معتدلة ضمن هدفها الساعي إلى عالم متحرر من الوثنية، فلم يتوان المبشرون أيضاً في سعيهم لتهيئة حياة جديدة للغجر، تختلف عن الحياة الجاهلية التي يعيشونها، واستعانوا على ذلك بالنصيحة بديلاً من القسر القانوني المعتاد طيلة العهود السابقة.
وقد عرف عن الغجر ارتباطهم بالموسيقا عزفاً وغناءً ورقصاً، وكانت مواهبهم الموسيقية سبباً هاماً في ظفرهم بقدر من التسامح. ولكن حتى الآن ليس للغجر لغة موسيقية مشتركة، وما من سبيل لخلق موسيقا خاصة بهم، فقد كانوا حفظة للموسيقى المحلية يرددونها بآلات الإقليم أيضاً. كما يحيون الفولولكلور الخاص بكل إقليم ويضفون عليه نكهة غجرية خاصة، واستطاعوا في ذلك أن ينالوا قدراً كبيراً من الاعتراف، بل أصبح بعضهم محترفاً، وجزءاً من الهوية القومية لهذه الأقطار التي حلوا بها. بل لقد أصبحت لهم هيمنتهم الواضحة في الموسيقا في منتصف القرن الثامن عشر، ولم يعد بالإمكان الاستغناء عن خدماتهم، ليس بالنسبة للأرياف فحسب، ولكن حتى بالنسبة للطبقات النبيلة. حتى غدت الموسيقا أرقى المهن التي يمارسها الغجر. وكانت أشهر فرقهم الموسيقية وأشهر عازفيهم من شمال غرب أوربا (سلوفاكيا الغربية الآن). وكانت أقرب أقاليم المجر إلى فيينا قلب الحياة الموسيقية في أوربا. وفي منتصف القرن التاسع عشر صارت موسيقا الغجر من طراز عال، واشتهرت في روسيا من خلال الرومانسيات ذات الطابع الغجري، وفي إسبانيا من خلال ما عرف بالفلامنكو. على أن معظم العازفين من الغجر كانوا يمارسون العزف في حانات وخانات على الطرقات وفي الأسواق والمهرجانات الشعبية وحفلات الزفاف.
وفي مواجهة التمدّن والتصنيع وما إليه من ضغوط العالم المعاصر أظهر الغجر قدرتهم في الحفاظ على ذاتيتهم، فأفادوا من الفرص التي أتاحها لهم النظام السائد، وقاوموا المغريات التي دفعت غيرهم إلى العمل المأجور. وعاندت غالبيتهم بفكرة الجماعة والاستقلال والعمل الحر. ولم يتعارض التحضر مع حفاظهم على قدر من الترحل، وأصبحوا يبدون طواعية في مزاولة مهن جديدة وترك أخرى قديمة، لكن دون أن يخاطروا بفقد حريتهم أو هويتهم السلالية، أو ما درجوا عليه في ممارستهم لأعمالهم أو سكناهم من مرونة تتلاءم مع بنائهم الاجتماعي ورغبتهم في الاستقلال بترتيب أمور حياتهم، وبالتالي الانسجام مع ذواتهم.
وللغجر طقوسهم المتنوعة في مآتمهم وأفراحهم ومفهوم النجاسة والطهارة عندهم، وعن عاداتهم الاجتماعية، القديمة منها والجديدة، والمتأثرة بالطابع المحلي للمنطقة، وبأشكال من الفلكلور الأوربي. ولعلّ هجراتهم اللاحقة في الشطر الأخير من القرن التاسع عشر، سعت في كل الاتجاهات حتى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تحدثوا في هذه الفترة باللغة الأفلاقية، وتميزت منهم جماعات ارتبطت بمهن مثل الكالديراشا (النحاسون) واللوفارا (تجار الخيول) والتشورارا (صناع المناخل) وغاسلو الذهب والمعدّنون وما إلى ذلك.
على أن أخطر ما هدَّد وجود الغجر في أوربا نظريات القرن التاسع عشر العنصرية القائلة بالحتمية البيولوجية الداعية إلى ضرورة النقاء العرقي. وقد أصبح ذلك تبريراً فكرياً لتشدد السلطات في موقفها منهم، بل لاستمرار سياسة القمع ضدهم. وقد أشير إليهم في المؤلفات الخاصة بعلم الجريمة كنموذج حي على الاستعداد الوراثي الكامن في عرقهم للجريمة، كما يرى لومبروزو في كتابه (الإنسان الجانح). وهذا ما عززته النظرية الداروينية في أواخر القرن التاسع عشر، من أن العامل البيولوجي هو العامل المطلق في كل مناحي الحياة، وأن من واجب الدولة أن تتخلى عن حمايتها للضعفاء، وتتحول باهتمامها إلى تشجيع العناصر القوية بيولوجياً، وأن فائدة الفرد الاجتماعية وقدرته بيولوجياً هي المعيار لقيمته الاجتماعية. وقد استتبع ذلك في القرن العشرين استهدافهم نازياً، بقتل أعداد كبيرة منهم في مجال سعيهم نحو الصحة العرقية، وبحسب مرسوم هيملر، إذ أخذت غرف الغاز والمحارق تفتك بهم بطاقة يومية تقدر بعدة آلاف لعدة شهور، وقد زُجَّ بقسم منهم في معسكرات تعذيب وأعمال شاقة، أو شحنوا واستُخدموا عبيداً في العمل، أو ذُبحوا في معسكرات الموت في معظم الدول التي خضعت لألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية. ويُقدر عدد من هلكوا أثناء هذه الحرب بما يتراوح بين ربع مليون ونصف مليون غجري، ومعظم من عاشوا بعدئذ حملوا عاهات عضوية وعقلية.
وقد أسفرت الحرب العالمية الثانية عن تشتيت واضح للغجر، وقد كانت إيطاليا أكثر الأماكن التي عادت وشهدت تجمعاتهم، وأصبح عددهم اليوم في النواحي المختلفة من أماكن وجودهم في أوربا يقدر بنحو أربعة ملايين غجري. ويتفاوت نمط إقامتهم وأعدادهم من مكان إلى آخر، وقد حلت الكرفانات التي تجرها مركبات، والأكواخ المتواضعة محل التخييم حول محيط المدينة، كما عملت بعض الدول على تأمين اندماج غجرها الرحل بتوفير السكن والعمل والتعليم لهم. وأخذَ الغجر من أنفسهم يمتزجون شيئاً فشيئاً في حركة الحياة المدنية الحديثة، بحيث أصبح المستقرون من الغجر اليوم هم الغالبية في الشرق والغرب معاً.