التراث الثقافي اللا مادي لمدينة حلب في العصور الإسلامية
أقامت الأمانة العامة للاحتفالية بحلب عاصمة للثقافة الإسلامية، بالتعاون مع وزارة الثقافة، الندوة العلمية حول التراث الثقافي اللا مادي لمدينة حلب في العصور الإسلامية. بمشاركة خمسة وثلاثين باحثاً من لبنان وتركيا والمغرب وسورية. وقد تمحورت أبحاثهم حول التراث اللا مادي لمدينة حلب الذي يشكل جزءاً هاماً وحيوياً من تاريخ هذه المدينة وحضارتها.
بدأت الندوة أعمالها البحثية بمحاضرة للدكتور علاء الدين لولح، عرَّف فيها التراث بأنه المخزون الفكري والمعرفي والإبداعي للأمم والشعوب، وهو تراث حي يرتبط بأشكال النشاط الإنساني على مر العصور، هو الإطار الذي تندرج تحته جملة من الإبداعات الشفهية، ويتصف بالخصوصية والمحلية والتفرّد.
ثم استعرض الدكتور لولح المسار التاريخي الذي مرت به مراحل التحضير والإعداد للاتفاقية الدولية للحفاظ على التراث، ومسؤولية الدول الأطراف لمتابعتها وتنفيذ أحكامها. كما بحث في آليات الحفاظ على التراث في الإطار الوطني والدولي. وختم محاضرته بالإشارة إلى الجهود المبذولة لجمع عناصر التراث الثقافي اللا مادي، وماتمّ التوصل إليه في هذا المجال.
مجالات التراث
بحث المشاركون في هذا المحور مجالات التراث الثقافي اللا مادي في مدينة حلب، فرأوا أن مدينة حلب تمتلك تراثاً شعبياً أسهم في صوغ تراث لا مادي متميز، يلتقي في بعض جوانبه مع مدينة فاس في المغرب العربي، وأصفهان في إيران. ولكنها تتمتع بخصوصية تعكس الملامح الحلبية، فهي غنية بالأشكال الثقافية الشفوية، وغير الشفوية من عادات وتقاليد وحرف ومهن، لا تزال متواصلة حتى اليوم. فهي لم تستسلم لقدر الموت نتيجة الحروب والكوارث الطبيعية. ودعا المشاركون إلى جمع وحفظ التراث الشعبي لمواجهة الانقلاب الحاصل في أمور الحياة الاجتماعية، ومواجهة العولمة التي باتت تهدد الثقافة المحلية وتراث الشعوب.
واستعرض المشاركون اتفاقية اليونسكو التي شجعت على توثيق تراث حلب اللامادي، ودعت إلى اعتباره تراثاً عالمياً. كذلك بحثوا في موسوعة خير الدين الأسدي في تاريخ التراث الشعبي اللامادي في مدينة حلب: كتاب القوشاقجي في التراث الشعبي الحلبي، وفي كتاب (أخبار حلب) كما كتبها المعلم نعوم بخاش. وخلصوا إلى أن الأدب الشعبي هو أدب مجهول المؤلف، عامي اللغة، متوارث من جيل إلى جيل، يتصف بقدرته على تصوير الإنسان تصويراً حسياً لقربه من عامة الناس وموروثهم الاجتماعي والحضاري. لذلك لابد من تدقيقه، وإجراء تحديات أكثر عمقاً حول جذور الكثير منه، والحفاظ عليه ونشره ورقياً وإلكترونياً.
المأثورات الشعبية
تحدث المشاركون المختصون في هذا العنوان عن الأبعاد التربوية للمعتقدات الشعبية في حلب، لأنها تشارك في رسم ملامح الثقافة العامة في المجتمع. وأشاروا إلى أن الموروثات الدينية والفكرية أمدت التفكير العربي الإسلامي بالرؤية الواضحة في أمور الكون والإنسان، وحددت مفهوم الموت والحياة، وفسرت الكثير من ظواهر الوجود تفسيراً يقطع الطريق على ألوان التفكير الخرافي والأسطوري. وصنّف المشاركون المعتقدات الشعبية في المجتمع الحلبي في ثلاث شعب:
1. معتقدات استوردها الحلبيون، أو تسرَّبت إليهم، أو من الأمم الأخرى التي خالطتهم.
2. معتقدات كان الدافع إليها التندر والطرافة، أو الخوف.
3. معتقدات تربوية كان الكبار يخترعونها ليزرعوا في نفوس الناشئة الفضائل والقيم النبيلة، إلى جانب الأهداف السلوكية والاجتماعية. ودعم المشاركون أبحاثهم بمجموعة من الأمثلة والشواهد التي تدعم أبحاثهم النظرية من الأمثال الشعبية، والأغاني التراثية، والأناشيد الدينية.
من أشكال التراث الشعبي
- الحكاية الشعبية: تحدث الأستاذ عبدو محمد عن الحكاية الشعبية في مدينة حلب، التي ولدت لتعبر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم ومواقفهم تجاه ما مرَّ بهم، وما عاشوه وعاينوه وخبروه، ولتنقل خبراتهم وتجاربهم لمن بعدهم. فهي مخزون هائل نستكشف منه الأحداث التي مرت والمواقف التي يجب تجنبها. والحكاية الشعبية، إضافة إلى أنها وسيلة للتسلية، وسيلة تربية وإرشاد وتعليم. واستعرض عدداً من الحكايات الشعبية المرتبطة بالوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي العام.
- الأمثال الشعبية: تصدى الدكتور عبد الرحمن بيطار إلى محاسن الأمثال الشعبية وسلبياتها ودراستها في إطار اللغة العربية والتراث الثقافي. فقد أفرز الزمن والتطور الحضاري والأوضاع السياسية، الخرافات في لفظ اللغة الواحدة سميت لهجات، أو لغات عامية، وكذلك أفرز أمثالاً بلهجة عامية، إضافة إلى الأمثال العربية المتوارثة، وصدرت في الآونة الأخيرة كتب كثيرة أغرق بعضها في تسجيل اللفظ العامي ومنحه مكانة لا تقبل التصحيح، أو أن قائله يطلب ذلك، مع أن الكلمة نفسها يمكن أن تختلف من فم إلى فم في مخرجها.
- تربية الطفل في التراث الحلبي: تحدث الدكتور محمد سعد الشايب عن ألعاب الأطفال وتربية الطفولة المبكرة في التقاليد الحلبية من وجهة نظر طبية. فأشار إلى أن التقاليد الحلبية التربوية تبدو لأول وهلة وكأنها عفوية، لكن عند دراستها وتحليلها نجد أنها تساهم في تنمية الجهاز العصبي وتهيئته حساً وحركة وانفعالاً، عدا مسألة دمج الطفل في الحياة الاجتماعية.
ومتابعة لمداخلة الدكتور الشايب استعرض الدكتور عبد الناصر كعدان بعضاً من الوصايا والحكم الصحية في مدينة حلب، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالصحة العامة وفق المعلومات الطبية الحديثة.
الموسيقا والمواويل الدينية
لم تعرف مدينة في التاريخ العربي والإسلامي على مر العصور الغناء والطرب كما عرفته مدينة حلب التي أنجبت العديد من سلاطين الطرب والغناء، الذين رفدوا الحياة الفنية بأعذب الألحان وأجمل الأنغام. فأشار المشاركون إلى أهم علمين من أعلام الفن والطرب في مدينة حلب هما الشيخ عمر البطش، وصبري مدلل اللذان ارتبط باسمهما فن الموشح الحلبي، والتنوع اللحني للطقطوقة. ورأى المشاركون أن الطرق الصوفية والإنشاد الديني في قمة هرم الموسيقا الحلبية لما لهما من صفات روحية وسمو ديني. وتمتاز بغناها بموضوعات التوحيد والتوسل والدعاء وفضل الرسول(ص). وأشار المشاركون إلى أن أجمل ما تميزت به هو التسامح الديني. فقد كان المسلمون في حلب يمدحون عيسى عليه السلام ويقابلهم المسيحيون بمدح الرسول. ونظراً لموقع حلب الجغرافي، إذ إنها تتوسط العالم الإسلامي، فقد ساعدها على التأثر بالطرق الصوفية في الدول المجاورة، ومنها المولوية التي أنشئ لها جامع خاص وتكية تعرف باسم التكية المولوية، وتتميز بموسيقا خاصة ولباس مختلف وكانت تقوم بدور معهد الموسيقا والفن.
الطرب والموشحات والقدود
استعرض المشاركون في هذا المحور فنون الغناء والموسيقا في حلب، ولعلها كانت أكثر خصوصية من غيرها. ورأى المشاركون أن مدينة حلب تكاد تكون المدينة الوحيدة التي تميزت بألوان خاصة من الغناء، لا تشابهها في ذلك أية مدينة عربية أخرى. وأهم الفنون التي امتازت بها مدينة حلب هي القدود الحلبية، وفن الموشح وما ارتبط به من رقص السماح. وأخيراً، فاصل اسقِ العطاش. وأُلحق بهذا المحور دراسة من زغاريد الأعراس في بلاد الشام على اعتبار أنها جزء من التراث الشعبي غير المادي، وهو صورة حية من حياة جداتنا.
ورُفدت هذه المداخلة بدراسة اجتماعية تظهر أهمية الزواج في تركيبة المجتمع الشرقي، ودور الزغاريد في تحديد المكانة الاجتماعية لأصحاب المناسبة، مع مقاطع من الزغاريد التي تُقال للعروس في مدينة حلب، وأيضاً، التي تُقال للعريس، ومقتطفات من الزغاريد التي تقولها أم العريس.
الأزياء والحرف التقليدية
وفي مجال الأزياء ركَّز المشاركون على الأشكال العامة للأزياء الشعبية، وطرق تفصيلها، وارتباطها بقصائد شعبية. وكذلك الحال بالنسبة إلى الزخارف التي تطرز عليها، من حيث تفاعلها مع البيئة الطبيعية والوسط الاجتماعي والفكري. ودعا المشاركون إلى الاهتمام بالأزياء الشعبية إذ إنها تتعرض للإهمال المحلي من جهة، وللعولمة واندثار الخصوصية من جهة ثانية، والسعي إلى توظيف هذا التراث والاستفادة منه وتقديمه بصورة معاصرة ينسجم وطبيعة تطور الحياة والمجتمعات.
وفي مجال الحرف التقليدية تطرق المشاركون إلى مهنة العطارة الحلبية وصناعة الصابون، إذ تنتشر حوانيت العطارة في أرجاء مدينة حلب، وتحتوي على أكثر من مئتي نوع من الأعشاب الطبية المجففة، وفي مجال صناعة الصابون تعدُّ حلب درة الشرق في صناعة صابون الغار وذلك لتوفر زيت الزيتون، وتوفرنبات الأشنان (البلان)، إضافة إلى توفر زيت الغار الذي يضاف إلى الصابون لإضفاء رائحة مميزة فيه.
المطبخ الحلبي
ولأننا نتحدث عن التراث الشعبي في حلب لابد أن يكون للمطبخ الحلبي دوره، لأنه يشكل جزءاً أساسياً من هذا التراث. وقد دوّن (ابن العديم الحلبي) في كتابه الصناعة الغذائية في العصر الذي عاش فيه، ورأى المشاركون أن الطعام الحلبي يتوافق مع ماكان يتناوله الرسول (ص) أو حضَّ على أكله وأثنى عليه. ويمتاز المطبخ الحلبي بخصوصية التعامل مع التوابل، وتكامل جميع أنواع الطعام في المأكولات الحلبية، مشيرين إلى الولائم الحلبية التي تعد مظهراً من مظاهر الكرم وترسيخ المودَّة وإعلان الفرح والقدرة على الإنفاق.
وقد اختتمت الندوة أعمالها بمجموعة من التوصيات أشار فيها المشاركون إلى الجهود الطيبة التي بذلتها الأمانة العامة في الإعداد لهذه الندوة. وحيّوا فيها جهود وزارة الثقافة واتحاد الكتاب في الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، والسعي إلى وضع منهجية فاعلة للتعريف بالتراث الثقافي غير المادي، وتحديد آلية مناسبة لجمع هذا التراث وتوثيقه وتصنيفه. كذلك دعا المشاركون إلى إعداد قائمة وطنية، أو أكثر، لعناصر التراث الثقافي غير المادي، واتخاذ التدابير اللازمة لصون هذا التراث، والبحث في اتخاذ الإجراءات اللازمة للحصول على المساعدة الدولية، وخاصة في مجال الاستفادة من الخبرات، والعمل على إدخال التراث الثقافي غير المادي في برامج التعليم النظامي في المراحل المختلفة، وتفعيل دور الإعلام للتعريف بهذا التراث، وتوثيقه توثيقاً مرئياً ومسموعاً ومكتوباً.
وأخيراً، أوصى الباحثون بضرورة تسجيل القدود الحلبية بوصفها تراثاً ثقافياً غير مادي على الصعيد الإنساني، ومخاطبة منظمة اليونسكو لإدراجها في قائمة التراث الدولي. وتمنى المشاركون على الهيئات المعنية ترميم وإعادة تأهيل جامع وتكية المولوية في حلب، بما أن العام (2007) هو عام الاحتفاء بالمفكر والمتصوف الإسلامي العالمي جلال الدين الرومي.
وعلى هامش الندوة أقيم حفل فني للإنشاد الديني لفرقة مسعود خياطة، شدا فيه المنشدون بعض الموشحات الدينية، والقصائد التراثية. وقد اعتمدت الفرقة اللباس الشعبي الذي يتمثل نموذج الفنان عمر البطش تخليداً لذكراه وإحياءً لألحانه التي رفدت المكتبة العربية بالكثير من الألحان والأغاني التراثية.
النور