مؤتمر المخطوطات المطوية في الإسكندرية.. ومشاركة سورية واسعة

د. محمد جمال الطحَّان قرأها 5
  

مؤتمر المخطوطات المطوية في الإسكندرية.. ومشاركة سورية واسعة

د. محمد جمال الطحّان *

المخطوطات المجهولة التي اندثرت أو غُيبت أسماء مؤلفيها لأسباب سياسية أو تاريخية هي موضوع المؤتمر الدولي السنوي الخامس الذي نظمته مكتبة الإسكندرية هذا العام. افتتح مؤتمر (المخطوطات المطوية) الذي امتد على مدى ثلاثة أيام في قاعة المؤتمرات بمكتبة الإسكندرية، وشارك فيه باحثون من مصرَ وسورية والعراق والمغرب ولبنان والكويت وعُمان وفرنسا وألمانيا وهولندا وأمريكا وكندا.

في كلمات الافتتاح أكد أ.د. إسماعيل سراج الدين (مدير المكتبة) أن مركزَ المخطوطات في مكتبة الإسكندرية يخطو خُطاً ثابتة نحو الغايةِ التي حددت له من قبل الافتتاح الرسمي للمكتبة. وها هي ذي الأعمالُ الأخيرةُ للمركز، تقوم شواهدَ مؤكِّدة لهذا السعي الرصين الحثيث. وقال د. يوسف زيدان (مدير مركز ومتحف المخطوطات في المكتبة) في كلمته: إن التراث العربي/الإسلامي لا يزال مجهولاً ولم يُكشَف إلا عن القليل منه، إذ تتراوح نسبة المنشور من هذا التراث بين خمسة وسبعة في المئة.

بعد ذلك بدأت أعمال المؤتمر متناولة محاور: الأعمال المفقودة من التراث العربي والمؤلفين المجهولين والعوامل المؤدية إلى إزاحة مؤلفات بعينها وطيها وخصائص النصوص المطوية وتأثير الدعاية السلطوية على بقاء المؤلفات وانتشارها أو اختفائها، وكتابة النصوص بحروف لغة غير لغتها الأصلية، وأهمية المخطوطات المطوية، ودور الفهرسة في الكشف عنها، والمطوي من تراث المتصوفة والمعتزلة والعلوم الطبيعية. والمفقود من كتب المعرفة العربية.

والمؤتمر الذي نظمه مركز المخطوطات بالمكتبة شارك فيه خمسون باحثاً، منهم الفرنسيون هيلين بيلوستا وريجيس موريلون ورشدي راشد وبسكال كروزيه، والهولندي بيتر شورد فإن كونينجسفيلد، والألمانيان مايكل ماركس وجوزيف فان، ومن أمريكا الاهيه كيرانديش، ومن كندا لين بيرجرين. ومن المشاركين العرب الكويتي عبد الله يوسف الغنيم، والمغاربة حسن الصادقي وأحمد شحلان وعبد اللطيف الجيلاني، والعماني عبد الرحمن السالمي، والسوريون محمود مصري وعادل صلاحي ومحمد جمال طحان والمطران يوحنا إبراهيم، والإماراتي عبد الحكيم الأنيس، ومن المصريين مجدي ناجي وبديع جمعة وفائزة عز الدين ومحمد السعيد جمال الدين والقمص بيجول السرياني.

 ونبّه د. زيدان إلى أنه جرت العادة في المؤتمرات السابقة أن يقام معرض في بهو مكتبة الإسكندرية يتضمن أبرز النماذج المخطوطة الممثلة لموضوع المؤتمر.لكن عدم اقامة معرض لمؤتمر (المخطوطات المطوية) هذا العام يتسق مع موضوعه (فالمخطوطات التي نعنى بها هذا العام هي بطبعها مطوية مخفية.

 في الجلسة الأولى تحت عنوان (بين المتواري والمفقود: أنماط من مخطوطات الرياضيات والعلوم (تحدث د. رشدراشد عما عانته مخطوطات العلوم الرياضية من الاحتجاب والطيِّ أكثر مما عانته مخطوطات المعارف الأخرى. وتحت عنوان (تلخيص أخلاق نيقوماخيا لابن رشد بين الخفاء والظهور (تحدث د. أحمد شحلان عن كتاب أخلاق نيقوماخيا. وتحت عنوان المخطوطات المطوية في الفلسفة والأخلاق عند البلخي تحدث د. محمد جمال الطحان ورأى أن البلخي واحد من الفلاسفة المسلمين الذين يحيط بمؤلفاتهم الغموض. ألَّف أبو زيد البلخي نحو سبعين كتاباً في النحو والتفسير ومقارنة الأديان والتاريخ والجغرافيا والفلسفة والأدب، لم يصل منها إلا كتابان هما: صور الأقاليم، ومصالح الأبدان والأنفس. من الكتب الهامة التي لم يصل منها شيء (رسالة في حدود الفلسفة). عن مخطوطات علم الكيمياء المطوية وعوامل طيِِّها تحدث د. محمد كامل جاد الذي تمحورت مشاركته حول: مخالفة الكيمياء للأنموذج السائد (الأنموذج الأرسطي).

وبعنوان مخطوطات عربية بحروف لاتينية جاءت مشاركة د. حسن الصادقي الذي رأى أن موضوع نصوص المخطوطات العربية والدارجة المغربية المكتوبة بحروف لاتينية من المواضيع الجديرة بالبحث فيها ودراستها. وعن المخطوطات المطوية و جدل الإبقاء والإقصاء تحدث د. حسن حنفي عن ظاهرة عامة في التراث الإسلامي، هي اختفاء النصوص الجذرية والمختلفة نوعياً عن التراث الشائع.

 وتتالت أبحاث المشاركين وجاءت إحدى المشاركات لافتة منذ عنوانها: ظاهرة إغراق النصوص ومحوها بالماء، قدّمها:د. عبد اللطيف الجيلاني. وعن أسفار التوراة المفقودة تحدث د. أحمد هويدي إذ تتعدد أنواع الكتابات الدينية عند اليهود. وعن مخطوطات المسانيد والشروح المطوية في الحديث تحدث د. محمود مصري إذ اهتم علماء الأمة المتقدمون بحديث رسول الله اهتمامًا بالغًا، فحفظوا متنه، واعتنوا بشرحه عناية عظيمة. وعلى الرغم من ضياع مخطوطات عدد من المؤلفات الحديثية التي كتبت في زمن متقدم، من متون وشروح، فإن مضمونها نُقل إلينا من خلال مخطوطات وصلتنا لمؤلفات حديثية أخرى.ورأى أن المنهج العلمي الدقيق الذي اعتمد عليه رواة الحديث في نقل الروايات وتوثيقها بالسند، كان له الفضل في حفظ كثير من مؤلفات الحديث التي فقدت مخطوطاتها ضمن مؤلفات حديثية أخرى وصلتنا مخطوطاتها، ووقف عند نموذج فريد، وهو المسانيد المطوية في كتب الزوائد.

وعن المصادر المطـويَّة في رواية السيرة النبـوية -كُتُب السيَر والمَغَازي الأولى نموذجاً تحدث د. محمد يسرى سلامة. وعن خزانة الكتب المصرية- المخطوطات الفارسي أنموذجاً مشاركة قدّمها د. بديع جمعة.أبحاث كثيرة قُدّمت وأبحاث تنتظر المناقشة لواحد من أهم الموضوعات التي تتناول الحضارة الإنسانية وسبل تقدّمها.

اختتمت في اليوم الثالث أعمال المؤتمر بكلمة موجزة للدكتور يوسف زيـدان قائلاً: ها هي ذي سفينةُ المؤتمر ترسو عند محطتها الأخيرة، بعد أيام ثلاثةٍ حافلة بالبحوث والمناقشات التي كشفت عن جوانبَ تراثيةٍ مهمة، كانت متواريةً في المناطق المطوية من تراثنا العلمي والفكري الممتدِّ في الزمان قروناً طوالاً. وقد تأكَّدتْ من خلال الأوراق البحثية المقدَّمة في المؤتمر، الحقيقةُ القائلة: إن المطوي من تراثنا العربي، أكثرُ من المنشور.. وإن المخفي أكبرُ من المشهور. وأشار د. زيدان في كلمته إلى أن بحوثَ هذا المؤتمر وأوراقه العلمية سوف تصدر في مجلد يليق بها وبأهميتها البالغة.

 عن النور

السيرة الذاتية للباحث الأديب

الدكتور محمد جمال الطحّان