قاسم حداد: " الغزالة يوم الأحد" السوبر افتراضية: صراع النصوص الأدبية

حسن عجمي قرأها 1,085

تتصارع النصوص الأدبية وينتصر النص الأقوى فيبقى. ويعتمد كل نص على فلسفة معينة على ضوئها يولد وينمو. نشهد في هذه المقالة نشوء السوبر افتراضية كفلسفة أدبية تنافس كلاً من الواقعية والافتراضية المجردة، ونستعين بكتاب "الغزالة يوم الأحد" للشاعر قاسم حداد كنموذج على الطرح السوبر افتراضي في الأدب المعاصر. جدل الممكن والواقع ثمة فرق حقيقي بين الافتراضية والسوبر افتراضية. النص الافتراضي هوالنص الذي يصف هذه الأكوان الممكنة أوتلك بدلاً من أن يصف عالمنا الواقعي. من هنا، النص الافتراضي يعتمد كلياً على الخيال وبذلك لا يهدف إلى وصف وتفسير عالمنا الواقعي الذي نحيا فيه. لكن النص السوبر افتراضي يصف الأكوان الممكنة من أجل أن يصف ويفسّر عالمنا الواقعي بالذات. هكذا تختلف السوبر افتراضية عن الافتراضية. فبينما النصوص الافتراضية تقدّم معارف عن الأكوان الممكنة العديدة والمختلفة، تعبّر النصوص السوبر افتراضية عن واقعنا من خلال وصفها للأكوان الممكنة وبذلك تقدّم النصوص السوبر افتراضية معارف حقيقية عن عالمنا الواقعي. فوظيفة الخطاب السوبر افتراضي كامنة في التعبير عن حقائق عالمنا من خلال التعبير عن حقائق العوالم الممكنة التي تبدومختلفة عن عالمنا. بالنسبة إلى الخطاب السوبر افتراضي، عالمنا الواقعي ليس سوى مجموع الأكوان الممكنة كافة، ولذا وصف الأكوان الممكنة لا يغدو سوى وصف لعالمنا نفسه. وتختار السوبر افتراضية الحديث عن الأكوان الممكنة كمنهج في اكتشاف عالمنا الواقعي بدلاً من أن تصف الواقع بشكل مباشر لأن رحلتها إلى الأكوان الممكنة تضمن لها حرية أكبر في التعبير لكونها في هذه الرحلة تصف أكواناً مختلفة بدلاً من أن تبقى سجينة رؤيتنا المحدَّدة للواقع. كما أن اعتماد السوبر افتراضية على منهج وصف الأكوان الممكنة يؤدي بها إلى اكتشاف حقائق جديدة في عالمنا الواقعي بالذات، وبذلك سفر النص السوبر افتراضي إلى عوالم الممكنات يضمن اكتشاف حقائق عالمنا الواقعي التي لم نكتشفها بعد. هذا لأن الكشف عن الحقائق الممكنة القائمة في الأكوان الممكنة يدلنا على ما قد يكون عليه عالمنا الواقعي وعلى ما قد يحتوي من ظواهر وحقائق، وبذلك نضمن إمكانية إكتشاف حقائق جديدة عن واقعنا المجهول. الافتراضية تهرب من الواقع إلى الممكنات المتحققة في الأكوان الممكنة، بينما السوبر افتراضية تحتضن الواقع من خلال احتضان الممكنات وأكوانها الممكنة. على هذا الأساس، تسجننا الافتراضية في سجون اللاواقع، لكن السوبر افتراضية تحررنا من اللاواقعية بفضل إعادة اكتشافها للواقع من خلال اللاواقع. هكذا تزاوج السوبر افتراضية بين الواقع واللاواقع أي بين عالمنا الواقعي والأكوان الممكنة بينما تكتفي الافتراضية بالأكوان الممكنة فتخسر عالمنا الواقعي من جراء ذلك. على ضوء هذه الاعتبارات، تتضح أفضلية السوبر افتراضية وانتصارها وتقهقر الافتراضية وانعزالها. فالسوبر افتراضية تعبير عن أن عالمنا الواقعي ليس سوى مجموع كل الأكوان الممكنة فتحافظ بذلك على الواقعية ولا تقصي الواقع بينما الافتراضية قاتلة الواقع. السوبر افتراضية تصف الواقع والأكوان الممكنة في آن وبذلك تضاعف معارفنا من خلال التوحيد بين الواقعية التي تعبّر عن عالمنا الواقعي واللاواقعية التي تعبّر عن الممكنات فقط. وهنا يكمن سر تفوقها؛ فهي لا تعادي أحداً فتضمن الانتصار دوماً. أما الواقعية فتتحزب للواقع فتعادي الافتراضية ووصفها للممكنات اللاواقعية، بينما الافتراضية تتحزب للممكنات اللاواقعية فتعادي الواقع. لكن السوبر افتراضية تصادق الممكنات اللاواقعية والحقائق الواقعية في آن لأنها تستخدم الأكوان الممكنة كأدوات لوصف وفهم وتفسير عالمنا الواقعي. هكذا تضمن السوبر افتراضية نجاحها الدائم؛ فلا يوجد من يقاتلها. كما أن للسوبر افتراضية أساساً علمياً صلباً. فبالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكم العلمية، الجسيم يعبر كل الممرات الممكنة في الوقت نفسه، والألكترون الذي يسبح حول نواة الذرة يوجد في كل الأمكنة الممكنة حول نواة ذرته. هكذا عالمنا الواقعي هومجموع الأكوان الممكنة. من هنا، تصدق السوبر افتراضية في وصف عالمنا الواقعي من خلال وصف الأكوان الممكنة. تتنافس النصوص وتتصارع تماماً كما تفعل الكائنات الحية؛ فالنص حي في كاتبه ومتلقيه. وفقط النصوص الأفضل والأنجح في التكيف مع محيطها المتغير تبقى وتستمر في الحياة. وبما أن المحيط الاجتماعي والثقافي متغير بشكل دائم بحيث يصعب التنبؤ بكيفية تغيراته، إذن النص الذي سوف ينتصر ويبقى هوالنص اللامحدَّد في صفاته. فبفضل لا محددية صفاته لا يُسجَن في صفات محدَّدة وبذلك يتمكن من التكيف مع المتغيرات كافة ما يضمن له النجاح والاستمرار. على هذا الأساس، تكفل السوبر افتراضية نجاحها واستمرارها لأنها تصوغ نصوصاً غير محدَّدة. فبما أن النص السوبر افتراضي يعبّر عن الأكوان الممكنة وعن عالمنا الواقعي في آن، إذن من غير المحدَّد ما إذا كان النص السوبر افتراضي يعبّر عن الواقع فقط أم يعبّر عن الممكنات فقط، وبذلك يملك النص السوبر افتراضي صفة اللامحددية ما يضمن تكيفه مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية فنجاحه المستمر. فمثلاً، إذا كانت جودة النص كامنة في اكتشاف الواقع ووصفه، فهذا لا يضر النصوص السوبر افتراضية بل يزيد من جودتها لأنها تصف الواقع وتعيد إكتشافه من خلال وصفها للأكوان الممكنة. أما إذا كانت جودة النص كامنة في اكتشاف الممكنات ووصف أكوانها الممكنة، فهذا أيضاً لا يضر النصوص السوبر افتراضية بل يزيدها قوة لأنها نصوص تصف وتكتشف الأكوان الممكنة لكي تُعيد صياغة الواقع وفهمه بطُرُق جديدة. هكذا يتمكن الخطاب السوبر افتراضي من تحقيق نجاحاته المستقبلية. أما الخطاب الواقعي والافتراضي فكل منهما يعاني من محدديته ما يجعل معظم نصوص الواقعية والافتراضية عرضة للفشل والاندثار. فالخطاب الواقعي يسجن نفسه في صفة محدَّدة ألا وهي صفة وصف الواقع كما نختبره، بينما الخطاب الافتراضي يسجن نفسه في صفة محدَّدة أخرى ألا وهي صفة وصف الممكن اللاواقعي فقط. من هنا، السوبر افتراضية تنتصر على الافتراضية والواقعية بفضل وصفها لعالمنا الواقعي وللأكوان الممكنة معاً. يعتمد الشاعر قاسم حداد في كتابه " الغزالة يوم الأحد " على السوبر افتراضية في بناء شذراته الأدبية. فمثلاً، يقول: "هل تسأل عن الباب ؟! ليس ثمة باب، لا تدخل، لا تخرج. هذه حياتك" ( قاسم حداد: الغزالة يوم الأحد. 2010. دار الغاوون ). هنا يصوّر الشاعر عالماً ممكناً حيث لا توجد أبواب. الباب رمز يدل على صناعة الحضارة الإنسانية كما نعرفها. لكن من الممكن تصوّر الإنسان من دون إنتاجه الحضاري أوالتاريخي. حينها: هل تنقص إنسانية الإنسان أم تزيد؟ من دون وجود الباب يزول معنى الدخول والخروج لأن الدخول دخول من باب والخروج خروج من باب أيضاً. وبذلك في عالم ممكن خالٍ من أبواب لا أحد يدخل ولا أحد يخرج ما يتضمن غياب الفاصل بين الأنا المختبئة خلف الباب والآخر المُنتظِر خارجه. من هنا، يزول الفصل، المتمثل في إنجازات الحضارة الإنسانية، بين الأنا والآخر وبذلك تزداد إنسانية الإنسان التي لا تميّز بين فرد وآخر. فالتمييز بين البشر سببه المنجزات الحضارية كالأبواب التي تعزل الناس عن بعضهم البعض فتُنقِص إنسانيتهم. لكن من جهة أخرى، حياة من دون أبواب حياة من دون خروج ودخول وبذلك تخسر حياة كل فرد أهدافها الخاصة التي تميّزها عن حياة الآخرين. على هذا الأساس، يقع الإنسان في معضلة يستحيل حلها ألا وهي: كيف يكون الفرد متحداً مع الآخر في إنسانية واحدة لا تتجزأ ويبقى محافظاً على تفرده وتميزه عن الآخرين في الوقت نفسه؟ هذه هي المعضلة الجوهرية التي يواجهها الإنسان في عالمنا الواقعي. هكذا يصف حداد عالمنا الواقعي من خلال وصف العوالم الممكنة فيغدو نصه نصاً سوبر افتراضياً. يُكمِل الشاعر قاسم حداد رصده لتلك الأكوان الممكنة الخالية من الأبواب الواقعية والافتراضية قائلاً: "ليست هذه غرفتك، / افتح الباب واخرج/ إنها في الخارج" ( المرجع السابق ). بما أن هذه الأكوان الممكنة التي يصفها الشاعر تغيب عنها الأبواب، إذن من المتوقع أن تكون خالية أيضاً من الغُرَف. لذا لا نملك غرفاً في تلك الأكوان ما يضمن تحررنا منها ومن أبوابها التي تفصلنا عن العالم وعن الآخرين. هكذا العوالم الممكنة المفتقرة إلى منجزات الإنسان كالغُرَف والأبواب تحررنا من سجون ما ننتج من صناعات حضارية كاذبة. لكن إذا لم تكن هذه هي غرفنا أوتلك، إذن لا مفر من الخروج من غُرَفنا المخادعة أي ذواتنا الكاذبة واللجوء إلى ما يكمن من غُرَف خارجها. وبذلك تصبح غرفنا الحقيقية أي ذواتنا الحقيقية قائمة في الخارج ما يدل بدوره على أننا لا نتمكن من التخلص من غرفنا- ذواتنا ما يجعلنا نقع في مشكلة أخرى يستحيل حلها أيضاً ألا وهي التحرر من عالمنا؛ فعالمنا يتشكّل من الداخل والخارج وبذلك يستحيل التحرر منه. لكن هذه المشكلة مشكلة عالمنا الواقعي بالذات حيث يستحيل علينا الخلاص من سجون غرفنا وذواتنا وهوياتنا وامتلاك الحرية المطلقة في صياغة أنفسنا وعالمنا. من هنا، يصف حداد عالمنا الواقعي نفسه من خلال وصفه لتلك الأكوان الممكنة التي تعدنا بالحرية ولا تقدّمها لنا. من المنطلق ذاته، يعرض لنا قاسم حداد عوالم ممكنة حيث الخطأ أصدق من الصواب. يقول: "... الخطأ أجمل من الصواب / وأكثر غموضاً / وغنى، / وطريقك الملكية نحوالكشف " ( المرجع السابق ). يعلّمنا العقل المتجذر في منطق الواقع أن الصواب دائماً أصوب وأفضل وأجمل من الخطأ وأن الصواب هوسفينة نجاتنا بينما الخطأ هوخالق فشلنا وزوالنا. كما يملي علينا عالمنا الواقعي بأن الصواب طريقنا نحوكشف الحقائق وتحقيق المعرفة. لكن الأكوان الممكنة التي يكشف عنها الشاعر حداد تقلب معادلة الصواب والخطأ. ففي تلك الأكوان الخطأ أصوب وأفضل وأجمل من الصواب وأغنى منه وهوالمنهج المُوصِل إلى الحقائق والمعرفة. هذه أكوان مختلفة تماماً عن عالمنا الواقعي، لكن رغم ذلك توضح عالمنا الواقعي وتعيد صياغته. هذا لأن الخطأ والصواب نسبيان؛ فما كانت تعتبره البشرية على أنه خطأ أمسى فيما بعد هوالصواب. ولذا يكتسب الخطأ مصداقية أكثر وغنى أكبر من الصواب؛ فهو الذي ينمو ليغدو صواباً وليشكّل العالم الذي رفضه مُسبَقاً. أما الصواب فبمجرد أن نعتبره صواباً يمسي يقيناً لدينا لا يتغير ولا يُستبدل وبذلك يسجننا الصواب في صوابيته. وبكونه صواباً يدعونا إلى الاكتفاء به وعدم البحث عن أية حقائق ومعارف جديدة. هكذا الصواب فقير بينما الخطأ غني. فأخطاؤنا تدفعنا إلى مزيد من البحث عن الحقائق والمعرفة وتدلنا عليها؛ فالمعرفة كامنة في نهاية طريق الأخطاء. كل هذا يصدق في عالمنا؛ فمن خلال إنتاج أكبر عدد من الأخطاء ومن ثم إقصائها نتوصل إلى الصواب. هكذا العوالم الممكنة التي يكشف عنها نص حداد كالعوالم الممكنة حيث الخطأ أجمل من الصواب هي وسائل شعرية- معرفية لإعادة إكتشاف الواقع الذي نحياه. من منظور هذا النموذج الفكري- الشعري يضيف حداد: "ثلاثة أرباع الحقيقة / كذب تحرسه السلطات الثلاث. / يلزمك سلطة رابعة، حرة / لفضحه.. بالربع الصادق " ( المرجع السابق). بما أن الخطأ أجمل وأغنى من الصواب وهوالطريق إلى الكشف، إذن من الطبيعي أن تكون ثلاثة أرباع الحقيقة كذباً وربعها فقط صادق. ففي العوالم الممكنة حيث الخطأ هوالقيمة الأعلى من المتوقع أن تكون حقائق تلك العوالم متكوِّنة في الأساس من أكاذيب لا يفضحها سوى ربعها الصادق. هنا يصف الشاعر أكواناً ممكنة مختلفة عن عالمنا الواقعي؛ ففي عالمنا الواقعي من المستحيل أن تتكوّن الحقيقة من أكاذيب وربعها فقط صادق لأنه إذا كانت الحقيقة مجموعة أكاذيب فحينها الحقيقة متناقضة بكونها حقيقة فصواب وبكونها أكاذيب فخطأ في آن، وهذا مستحيل بالنسبة إلى عالمنا. لكن الشاعر يصف عالمنا أيضاً من خلال صورته الشعرية- الفكرية السابقة لأن صورته هذه تشير إلى السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية التي تحرس كذب الحقيقة والسلطة الصحافية التي ينبغي لها أن تكون حرة لفضح أكاذيب الحقيقة من خلال صدقها. هكذا يفكك قاسم حداد الأنظمة السياسية والاجتماعية السائدة في عالمنا وينتقدها من خلال صورة شعرية- فكرية تصف أكواناً ممكنة حيث الحقائق أكاذيب. على هذا الأساس، يستعين نص حداد بالعوالم الممكنة من أجل فهم عالمنا الواقعي بالذات ما يضمن لنصه صفة السوبر افتراضية. فنصوصه لا ترتحل إلى الأكوان الممكنة فقط لوصفها، بل تقوم بتلك الرحلة من أجل إيضاح واقعنا وجدليته. بالإضافة إلى ذلك، يحلّل حداد حقائق عالمنا الواقعي حين يشرح حقائق تلك العوالم الممكنة. فبما أنه من الممكن أن توجد أكوان ممكنة حيث ثلاثة أرباع الحقيقة هي أكاذيب وربعها فحسب صادق، إذن من الممكن أن تكون الحقيقة مجرد عملية جدلية تتقلب بين الكذب والصدق بدلاً من أن تكون كينونة ثابتة لا يصيبها التقلب الجدلي بين الخطأ والصواب. لكن عالمنا الواقعي نفسه هوعالم ممكن وإلا لم يوجد أصلاً.

من هنا، من الممكن أن تكون حقائق عالمنا الواقعي مجرد عمليات جدلية تقلب الكذب صدقاً والصدق كذباً. هكذا رحلة الشاعر إلى عوالمه الممكنة ليست سوى عودته إلى جوهر حقائق العالم الواقعي الذي نحيا فيه، وبذلك تكون فائدة الرحلة الشعرية هذه مضاعفة؛ فهي رحلة كشف عن أكوان ممكنة مختلفة عن عالمنا كما أنها سفر مبتكر وعودة سالمة إلى الواقع وحقائقه الجدلية. جدل الشِعر والنثر الأدب الواقعي يعبّر عن الواقع وينقسم إلى شعر ونثر. أما الأدب الافتراضي فيعبّر عن الأكوان الممكنة بدلاً من التعبير عن الواقع وينقسم أيضاً إلى شعر ونثر. لكن الأدب السوبر افتراضي لا يميّز بين الواقع والأكوان الممكنة وبذلك من الطبيعي أن يزاوج بين الشعر والنثر في النص نفسه. قد يتخذ النثر وصف الواقع منهجاً له بسبب اعتماد معظم النثر على السرد المنطقي أوالموضوعي أوالعلمي، بينما الشعر قد يتخذ الأكوان الممكنة مواضيع له بسبب أن معظم الشعر يعتمد على الخيال. الآن، بما أن السوبر افتراضية تجمع بين وصف الواقع ووصف الأكوان الممكنة، وبما أن النثر يُعنى بشكل عام بوصف الواقع بينما الشعر يُعنى بشكل عام بوصف الأكوان الممكنة، إذن من المتوقع أن تجمع السوبر افتراضية بين النثر والشعر في النص ذاته. بكلامٍ آخر، لا ينقسم النص السوبر افتراضي إلى نص شعري ونص نثري، بل من غير المحدَّد ما إذا كان النص السوبر افتراضي نصاً شعرياً أم نصاً نثرياً. لا محدديته هذه تمكنا من قراءته على أنه شعر وعلى أنه نثر في آن؛ فالنص السوبر افتراضي يملك صفات الشعر وصفات النثر في الوقت عينه. وبذلك لا تسجننا النصوص السوبر افتراضية في نوع معين من الأدب بل تحررنا من التقسيم الأدبي الزائف بفضل لامحددية نصها. وبما أن النص السوبر افتراضي يمتلك صفات الشعر والنثر معاً، إذن يمتلك أيضاً كلاً من جمالية الشعر وجمالية النثر وغموض الشعر ووضوح النثر ومقاصد الشعر ومقاصد النثر، وبذلك يتفوق على الشعر الصرف وعلى النثر الصرف.

من هنا، السوبر افتراضية عملية توحيد بين النثر والشعر تماماً كما أنها عملية توحيد بين الواقعية واللاواقعية. وبذلك تكتسب فضائل الأنواع الأدبية المتنافسة وفضائل المذاهب الفكرية المتصارعة. والسوبر افتراضية تعوّض عن نقاط ضعف هذا النوع الأدبي أوذاك من خلال اكتسابها لنقاط قوة النوع الأدبي الآخر الكامن في نصوصها السوبر افتراضية. فمثلاً، يعاني النثر من ميله إلى تحديد مقاصده الثقافية والاجتماعية، بينما يعاني الشعر من ميله إلى عدم إيضاح وتحديد مقاصده. لكن السوبر افتراضية تحل هاتين المشكلتين من خلال الجمع بين النثر والشعر ما يتضمن جمعها للميلين السابقين فتميل النصوص السوبر افتراضية إلى الإيضاح وتحديد ما تقصد وتميل أيضاً إلى عدم تحديد مقاصدها بدقة فتتحرر من قتل نصوصها. هكذا تتفوق السوبر افتراضية أيضاً وتدعونا إلى قبولها. فهي لا تحدِّد مُسبَقاً ما هي ماهيتها أكانت ماهية شعرية أم ماهية نثرية، وبذلك تجعلنا أحراراً في تحديد ما هي. النص السوبر افتراضي يفترض أنه شعر فيبني نصاً شعرياً. والنص السوبر افتراضي يفترض أيضاً أنه نثر فيصوغ نصاً نثرياً.

من هنا، يتقلب النص السوبر افتراضي بين شعر ونثر فينتج الشعر والنثر في آن. على هذا الأساس، ليس من المستغرب أن تكون نصوص قاسم حداد في كتاب " الغزالة يوم الأحد " عبارة عن شذرات. فمن خلال الشذرة يتمكن من صهر الشعر والنثر معاً في حقل دلالي واحد. تنجح شذراته في التقلب بين الشعرية والنثرية من دون أن تفقد جمالية الشعر والنثر. وتتمكن نصوص حداد من الجمع بين الشعر والنثر أي تنجح في أن تكون نصوصاً سوبر افتراضية لأنها غير محدَّدة ما إذا كانت شعراً أم نثراً بفضل اعتمادها على الشذرات. الآن، بما أن نصوصه غير محددة ما إذا كانت شعراً أم نثراً، إذن من المتوقع أن تتقلب بنجاح بين أن تكون شعراً وأن تكون نثراً. وأفضل طريقة ليكون النص غير محدَّد في ماهيته هي في اعتماد الشذرة لأن الشذرة غير محدَّدة في قالب أوصياغة مُسبَقة؛ فالشذرة قد تطول أوتقصر وقد تعتمد الإيضاح والشرح كالنثر أوقد لا تفعل ذلك فتبقى شبيهة بالشعر إلى حد التطابق التام مع الشعر. يشير قاسم حداد إلى ضرورة أن يكون العمل الفني غير محدَّد في ماهيته وصفاته ليكون إبداعاً حقيقياً حين يقول: "واصل في شرح عملك الفني، / فلن يفسد إبداعك شخص مثلما تفعل". من هنا، بالنسبة إلى حداد، الشرح قاتل الإبداع والفن والنص. لكن شرح الفن أوالنص يحدِّده. بذلك لامحددية الفن أوالنص ضمانة أن يكون الفن أوالنص إبداعاً. لذا نصوص حداد غير محدَّدة ما إذا كانت شعراً أم نثراً لكي تضمن بذلك صفة الإبداع الحقيقي. يؤكد حداد على هذا الاتجاه قائلاً: "لا أحد يدرك كنه السؤال / سوى موغل في الغياب/.. لا أحد، / لا أنتَ في عتمة النص / ولا فهرس في كتاب..". هكذا يحيا النص في عتمته أي في لامحدديته لأن لامحدديته تدفعنا دوماً إلى أن نسأل عما هو وبذلك يضمن النص بقاءه حياً.

سوبر افتراضية النصوص تحرر النصوص من سجون قوالب شكلية وفكرية مُسبَقة لأن السوبر افتراضية لا تفصل بين الأنواع الأدبية والإبداعية فلا تسجن نفسها في نوع أو أسلوب دون آخر. الإبداع نفسه عملية تحرر وانعتاق من قيود الحقائق والأوهام. من هنا، السوبر افتراضية تضمن صياغة الإبداع الحقيقي من خلال تحريرنا من المدارس الأدبية والإبداعية التقليدية. لا تسعى نصوص حداد إلى التحرر من التقاليد الأدبية فقط بل تهدف أيضاً إلى التحرر من اللغة ذاتها. يقول: "هل أنتَ حر بما فيه الكفاية لتقول لمن تحب: أحبك، من غير أن تقول له: أنا أحبك...". هكذا توقعنا اللغة في مصيدتها فلا تحدِّد عالمنا المحيط بنا فقط بل تحدِّد أيضاً أفكارنا ومشاعرنا، وبذلك الحرية الحقيقية قائمة في التحرر من لغتنا أولاً. اللغة لا تمكننا من التحرر من صياغة "أنا أحبك" بحيث الأنا لها السيطرة الكبرى على عملية حب الآخر رغم أن اللغة غير محدَّدة ما هي فلا يوجد أحد في عتمة النص. من هنا، لا تحرر اللغة سوى ذاتها بينما نحن لسنا سوى محاولات أن نكون لغة. نحن الماء والنهر كما أوحى الشاعر قاسم حداد: "الماء ليس مهندساً لكي يبتكر النهر ويشقه، / إنه مجرد راكب يصعد الحافلة / ذاهباً إلى البحر". نحن البحر والموجة أيضاً: "بحرٌ يدرّب الموجة على النجاة / لكنها تغرق/ دائماً تغرق".

هكذا حريتنا كامنة في انصهار عالمنا في كل الأكوان الممكنة تماماً كما تنصهر الموجة في البحر وتشكّله. من لا يغرق لا ينجو.