السوبر حداثة فلسفة الكون والعلوم
تعتبر السوبر حداثة أن الكون غير مُحدَّد ما هو وبذلك لا توجد نظرية واحدة صادقة دون سواها من نظريات بينما تصر السوبر تقليدية على أن الكون مُحدَّد وبذلك ثمة نظرية واحدة صادقة أما النظريات الأخرى فكاذبة. تتنوع الفضائل المعرفية والاجتماعية للسوبر حداثة بينما تتعدد الرذائل المعرفية والاجتماعية للسوبر تقليدية. من الفضائل المعرفية للسوبر حداثة أنها تضمن استمرارية البحث العلمي والفكري. فبما أن بالنسبة إلى السوبر حداثة لا توجد نظرية صادقة دون سواها، إذن من الخطأ الاكتفاء بما نعتقد أنه صادق ما يدفع بنا إلى بناء نظريات وأفكار جديدة بشكل دائم. هكذا تضمن السوبر حداثة استمرارية البحث الفكري والعلمي. أما السوبر تقليدية فتوقف البحث العلمي والفكري لأنها تؤكد على وجود نظرية واحدة صادقة دون سواها. فبما أن بالنسبة إلى السوبر تقليدية ثمة نظرية واحدة صادقة بينما كل النظريات الأخرى الموجودة أو الممكن وجودها كاذبة، إذن إذا قبلنا بالسوبر تقليدية سنكتفي على الأرجح بما نعتقد أنه صادق وبذلك لا يوجد حينئذٍ داع ٍ لاستمرارية البحث العلمي والفكري. هذه أخطر رذيلة معرفية للسوبر تقليدية. ثمة فرق بين التقليدية والسوبر تقليدية. بينما التقليدية هي عملية اتباع نموذج فكري تكوَّن في الماضي مع احتمال إعادة صياغته بشكل جديد أو تقديم تفاسير وتحليلات جديدة له، السوبر تقليدية تقتل التفكير ذاته لأنها تجعلنا نكتفي بما نعتبره صادقاً من دون مراجعة أو إعادة قراءة وبذلك السوبر تقليدية تقليد لمعتقدات الفرد المُسبَقة فسجن الفرد في ذات مُكوَّنة مُسبَقاً. أما الفضيلة الاجتماعية الأساسية للسوبر حداثة فهي أنها تقضي على التعصب الفكري وبذلك تقضي على التعصب الاجتماعي. بما أن بالنسبة إلى السوبر حداثة لا توجد نظرية واحدة صادقة دون سواها، إذن لا مجال لاعتبار معتقداتنا وحدها هي الصادقة وبذلك لا مجال للتعصب لمعتقداتنا ورفض معتقدات الآخرين. ومن خلال عدم رفض معتقدات الآخرين لا نرفض حينئذٍ الآخرين، وبذلك يزول التعصب الاجتماعي المتمثل بالتعصب الديني أو المذهبي أو العقائدي. لكن السوبر تقليدية تدفع نحو التعصب الفكري فالتعصب الاجتماعي. فبما أن بالنسبة إلى السوبر تقليدية ثمة نموذج فكري واحد صادق بينما النماذج الفكرية الأخرى كاذبة، إذن على الأرجح نموذجنا الفكري صادق ونماذج الآخرين كاذبة ما يدفعنا نحو التعصب لمعتقداتنا ورفض معتقدات الآخرين. ورفض معتقدات الآخرين رفض للآخرين ما يؤدي إلى التعصب الاجتماعي والطائفي والعقائدي. هذه أخطر رذيلة اجتماعية للسوبر تقليدية. كل هذا يرينا تفوق السوبر حداثة على السوبر تقليدية. العلوم السوبر حداثية تنقسم فلسفة العلوم إلى مذهبين هما المذهب الواقعي والمذهب اللاواقعي (ليس بالمعنى السلبي). يقدِّم الفيلسوف رتشارد بويد المذهب الواقعي في فلسفة العلم على النحو التالي: التفسير الوحيد والأفضل لحقيقة أن النظريات العلمية المعاصرة ناجحة في وصف وتفسير الكون هو أنها نظريات صادقة تطابق الواقع. فلو أنها ليست صادقة لإستلزم ذلك معجزة بفضلها تغدو النظريات ناجحة في تفسير ووصف الكون رغم كذبها. هذه هي الحجة القوية للمذهب الواقعي الذي يعتبر أن النظريات العلمية المعاصرة صادقة بفضل نجاحها في وصف وتفسير الكون. لكن المشكلة الأساسية التي تواجه المذهب الواقعي في فلسفة العلم هي أن النظريات العلمية تستبدَل بنظريات علمية أخرى عبر التاريخ، وبذلك على الأرجح ستستبدَل النظريات العلمية المعاصرة بنظريات علمية أخرى في المستقبل ولذا من الخطأ اعتبار النظريات العلمية المعاصرة صادقة على أساس نجاحها ( Editors: Richard Boyd، Philip Gasper، J.D. Trout: The Philosophy of Science. 1991. The MIT Press). أما الفيلسوف "توماس كون" فيطرح المذهب اللاواقعي في فلسفة العلوم على الشكل التالي: النظرية العلمية تشكّل نموذجاً علمياً على ضوئها يتحدد ما هو صادق وكاذب وما معاني هذه المفاهيم أو تلك. من هنا، الصادق نسبي أي يختلف من نموذج علمي إلى آخر، وبذلك من المستحيل البرهنة على أن نظرية علمية أصدق من النظريات العلمية الأخرى المنافسة لها من دون الوقوع في المصادرة على المطلوب المرفوض منطقياً؛ أي من دون التسليم المُسبَق بصدق النظرية العلمية التي نحاول البرهنة على صدقها. فبما أن ما هو صادق أو كاذب نسبي ويختلف من نظرية علمية إلى أخرى، إذن لا توجد أرضية محايدة على أساسها نستطيع بحق الحكم على أن هذه النظرية العلمية صادقة على ضوء نتائجها الصادقة وأن تلك النظرية العلمية كاذبة على ضوء نتائجها الكاذبة. على هذا الأساس، يستنتج الفيلسوف " توماس كون " أن النظريات العلمية ليست صادقة ولا كاذبة بل هي فقط مقبولة بسبب نجاحاتها في وصف وتفسير الكون Thomas Kuhn: The Structure of Scientific Revolutions.) 1970. The University of Chicago Press). لكن المشكلة الأساسية التي تواجه المذهب اللاواقعي في فلسفة العلوم هي أن هذا المذهب لا ينجح في تفسير لماذا النظريات العلمية ناجحة في وصف وتفسير الكون؛ فبما أن بالنسبة إلى المذهب اللاواقعي النظريات العلمية ليست صادقة بل فقط مقبولة، إذن من الغريب كيف تنجح النظريات العلمية في وصف الكون وتفسيره. حاول العديد من فلاسفة المذهب اللاواقعي في فلسفة العلم تفسير نجاح النظريات العلمية من دون القول بأنها صادقة كما فعل الفيلسوف فان فراسن. لكن هذه المحاولات فشلت في ذلك لأن مهما كانت الآليات التي قد تجعل النظريات العلمية المعاصرة ناجحة رغم لا صدقها فهذه الآليات لا تفسِّر لماذا لا تكون كل النظريات العلمية فاشلة. لكي نرى ذلك لا بد أولاً من تقديم تفسير الفيلسوف فان فراسن. بالنسبة إلى فان فراسن، النظريات العلمية تحيا في صراع دارويني قاتل، وبذلك من المتوقع أن تبقى فقط النظريات العلمية الأقوى والأفضل في وصف وتفسير الكون، ولذا النظريات العلمية المعاصرة ناجحة في وصف الكون وتفسيره (VanFraassen: The Scientific Image. 1980. Oxford University Press). لكن تفسير فان فراسن يفشل، وذلك على النحو التالي: وإن كانت النظريات العلمية في صراع دارويني فيما بينها وبذلك من المتوقع بقاء النظريات العلمية الأفضل في تفسير الكون، فهذا لا يُفسِّر لماذا لم تكن النظريات العلمية فاشلة كلها ما يجعل صراعها الدارويني المحتم لبقاء الأفضل مؤدياً إلى زوالها وقتلها جميعاً. هكذا الآلية الداروينية لا تفسِّر لماذا النظريات العلمية المعاصرة ناجحة في تفسير ووصف الكون. على أساس فشل كل من المذهب الواقعي والمذهب اللاواقعي في فلسفة العلوم، من الأفضل طرح فلسفة جديدة قادرة على تفسير لماذا تنجح النظريات العلمية. تتمثل هذه الفلسفة الجديدة في المذهب السوبر حداثي. بالنسبة إلى المذهب الواقعي في فلسفة العلوم، النظريات العلمية المعاصرة صادقة لأنها ناجحة في تفسير الكون. أما بالنسبة إلى المذهب اللاواقعي في فلسفة العلوم، النظريات العلمية ليست صادقة ولا كاذبة بل هي فقط مقبولة لكونها ناجحة في تفسير الكون. لكن السوبر حداثة في فلسفة العلم تختلف عن كل من المذهب الواقعي والمذهب اللاواقعي لأن السوبر حداثة تقول إنه من غير المُحدَّد ما هي النظرية العلمية الصادقة. وبما أنه من غير المُحدَّد ما هي النظرية العلمية الصادقة، إذن من الطبيعي وجود نظريات علمية عديدة ناجحة في وصف وتفسير الكون رغم أنها تعارض وتناقض بعضها البعض. هكذا تنجح السوبر حداثة في تفسير نجاح النظريات العلمية رغم اختلافها وتعارضها. وبذلك تكتسب السوبر حداثة قدرة تفسيرية كبرى ما يدل على مقبوليتها. فمثلاً، بالنسبة إلى نظرية نيوتن العلمية، الجاذبية قوة تجذب الأشياء بينما بالنسبة إلى نظرية النسبية لأينشتاين الجاذبية مجرد انحناء الزمكان (جمع الزمان والمكان). لكن كلاً من نظرية نيوتن ونظرية أينشتاين ناجحة في وصف وتفسير الكون. هذا بسبب أنه من غير المُحدَّد ما هي النظرية العلمية الصادقة كما تقول السوبر حداثة بالضبط؛ فلو كان من المُحدَّد أية نظرية علمية هي الصادقة لنجحت نظرية علمية واحدة في وصف وتفسير الكون بدلاً من نجاح نظريات علمية عدة ومختلفة. تؤكد السوبر حداثة على أن من غير المُحدَّد ما هي النظرية الصادقة لأن الكون ذاته غير مُحدَّد ما هو. الكون السوبر حداثي بالنسبة إلى السوبر حداثة، من غير المُحدَّد ما هو الكون وما هي حقائقه وظواهره. وبما أنه من غير المُحدَّد ما هو الكون، إذن من الممكن بحق وصفه وتفسيره من خلال نظريات علمية عديدة ومختلفة. هكذا تنجح السوبر حداثة في تفسير لماذا توجد نظريات علمية عديدة ومتنوعة وناجحة في تفسير الكون ووصفه. فلو كان الكون محدَّداً ما هو لوجدت نظرية علمية واحدة ناجحة في وصفه وتفسيره. لكن ثمة نظريات علمية عدة ومختلفة ناجحة في وصف وتفسير الكون. لذا الكون غير مُحدَّد ما هو تماماً كما تقول السوبر حداثة. هنا تنجح السوبر حداثة في تفسير تعددية النظريات العلمية ونجاحها في وصف وتفسير الكون من خلال اعتبار أن الكون غير محدَّد. فبما أن الكون غير مُحدَّد، إذن من الممكن لنظريات علمية عديدة ومختلفة أن تنجح في وصفه وتفسيره. وبما أن السوبر حداثة تنجح في تفسير لماذا تتعدد النظريات العلمية ولماذا تنجح في وصف وتفسير الكون، إذن السوبر حداثة تقدِّم معرفة قيمة من خلال إجابتها الناجحة حول لماذا تتعدد النظريات العلمية ولماذا تنجح في وصف وتفسير الكون رغم اختلافها. وبذلك تؤكد السوبر حداثة على إمكانية حصولنا على المعرفة رغم أنها تقول إن الكون غير مُحدَّد ما هو. لذا تجمع السوبر حداثة بين لامحددية الكون وإمكانية معرفته ما يميزها عن الحداثة وما بعد الحداثة. بالنسبة إلى الحداثة، الكون مُحدَّد ولذا من الممكن معرفته بينما بالنسبة إلى ما بعد الحداثة الكون غير مُحدَّد ولذا من غير الممكن معرفته. لكن السوبر حداثة تقول إن الكون غير مُحدَّد ورغم ذلك من الممكن معرفته، وبذلك تختلف السوبر حداثة عن الحداثة وما بعد الحداثة. فالسوبر حداثة تعتبر أن الكون غير مُحدَّد، لكن من خلال لا محددية الكون تفسِّر الكون وظواهره، وبذلك معرفة الكون وظواهره ممكنة بفضل تفسير الكون وظواهره. فمثلاً، السوبر حداثة تفسِّر لماذا تتنوع وتنجح النظريات العلمية من خلال لا محددية الكون كما رأينا سابقاً. ومثل آخر على تعدد النظريات العلمية واختلافها هو التالي: بالنسبة إلى النظرية النسبية لأينشتاين، قوانين الطبيعة حتمية، لكن بالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكم العلمية قوانين الطبيعة احتمالية ما يناقض نظرية أينشتاين. لكن كلاً من نظرية النسبية لأينشتاين ونظرية ميكانيكا الكم ناجحة في وصف وتفسير الكون وظواهره رغم التناقض والتعارض بينهما. وهما ناجحتان في تفسير الكون ووصفه رغم التعارض والتناقض بينهما لأن الكون ذاته غير مُحدَّد ما هو كما تقول السوبر حداثة؛ فلو كان الكون مُحدَّداً ما هو لنجحت نظرية واحدة منهما في وصف وتفسير الكون بدلاً من أن تنجح كل نظرية منهما. تسجننا الحداثة في اعتبار الكون مُحدَّداً، وتسجننا ما بعد الحداثة في نفيها لإمكانية الحصول على المعرفة تماماً كما تسجننا السوبر تقليدية في اعتبار أنه توجد نظرية واحدة صادقة بينما النظريات الأخرى كاذبة. هكذا الحداثة وما بعد الحداثة مذهبان من مذاهب السوبر تقليدية الفائقة. فإن كان من غير الممكن الحصول على المعرفة كما تقول ما بعد الحداثة، إذن من الخطأ البحث عن المعرفة وبذلك من الأفضل تقليد فكر الآخرين بلا إعادة قراءة وبلا تفسير جديد لِما نقلّد. وإن كان الكون مُحدَّداً كما تقول الحداثة وبذلك ثمة نظرية واحدة فقط صادقة من بين البلايين من النظريات التي من الممكن صياغتها، إذن احتمال أن نكتشف نحن بالذات تلك النظرية الصادقة احتمال ضعيف، ولذا من الأفضل حينها تقليد فكر الآخر وبلا تجديد له. من هنا، تقع الحداثة وما بعد الحداثة في السوبر تقليدية. أما السوبر حداثة فتحررنا من خلال اعتبارها أن الكون غير مُحدَّد وتأكيدها على إمكانية الحصول على المعرفة. فمن دون معرفة لا حرية، ومن دون كون غير مُحدَّد يتحدد الفكر بمحددية الكون فنخسر حرية التفكير. عالم السوبر حداثة عالم الحرية المعرفية. وعالم بلا حرية معرفية عالم عبيد المعرفة.