السوبر علمانية في مواجهة السوبر عقائدية

حسن عجمي قرأها 840

 نشهد في هذه المقالة تطور مفهوم العلمانية وتحوّله إلى سوبر علمانية. ونرصد أيضاً نمو العقائدية وتحوّلها إلى سوبر عقائدية. هكذا لا مفر من مشاهدة المواجهة الحاسمة بين السوبر عقائدية والسوبرعلمانية. من الضروري أن نميّز بين العلمانية والسوبر علمانية. بينما العلمانية تدعو إلى فصل الدين عن الدولة والحياة العامة، تدعوالسوبر علمانية إلى فصل الدولة والحياة العامة عن العقائد كافة أكانت عقائد دينية أم فلسفية أم اجتماعية أم سياسية أم اقتصادية.

 بالنسبة إلى السوبر علمانية، فصل الدين عن الدولة لا يكفي لتحقيق إنسانية الإنسان. هذا لأن أية عقيدة وإن كانت ليست دينية قد تتحوّل إلى ديانة بالنسبة إلى المؤمنين فيها. في هذه الحالة، وإن نجحنا في فصل الدين عن الدولة سنفشل في فصل العقائد التي تتخذ صفة الديانة بالنسبة إلى أتباعها عن الدولة والحياة العامة، وبذلك نقع في المشكلة ذاتها ألا وهي سيطرة عقيدة معينة دون سواها. على هذا الأساس، الطريق السليم نحو تحقيق أكبر درجة من الحرية للإنسان يكمن في السوبر علمانية أي في فصل العقائد كافة عن الحياة العامة وعن الدولة. ففي هذه الحالة فقط ننجح في تجنب سيطرة عقيدة ما على سياسة الدولة وبذلك نتجنب أيضاً محاربة الدولة للعقائد الأخرى. هكذا نضمن حرية أكبر لكل مواطن في اختيار معتقداته والتصرف على ضوئها. أما إذا تسلحت الدولة بعقيدة ما فسوف تلغي العقائد الأخرى ما يؤدي إلى القضاء على الحرية. من هنا، الضمانة الوحيدة للحرية كامنة في تحرير الدولة من أية عقيدة. فبمجرد أن تؤمن جماعة ما بأن هذه الفلسفة أوهذه الأفكار الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية هي التي تشكّل الحقائق والمعارف والقيم سوف ترفض تلك الجماعة الأفكار والمعتقدات الأخرى المختلفة عنها وتعتبر أتباعها جهلاء وغير متحضرين. وبذلك تتحوّل فلسفة أو أيديولوجية تلك الجماعة إلى ديانة غير قابلة للمراجعة والشك. على هذا الأساس أيضاً، الإيمان بعقيدة معينة أكانت دينية أم فلسفة أم اجتماعية يمنع التطور المعرفي الممكن والنمو الاجتماعي المحتمل؛ فمن يتخذ هذه الأفكار أوتلك على أنها عقيدة لا تقبل الشك والمراجعة والاستبدال سيعتبرها يقينية وبذلك لا يحتاج حينها إلى الاستمرار في البحث عن الحقائق والمعارف ما يحتم القضاء على العلم والبحث العلمي. باختصار، يتحرر الفرد من قمع العقائد حين لا تتخذ الدولة عقيدة لها أكانت عقيدة دينية أم فلسفية أم اجتماعية. ولا تتحقق إنسانية الإنسان سوى من خلال تحرره من كل عقيدة أكانت عقيدة دينية أم فلسفية أم سياسية. هذا لأن أية عقيدة سجن لصاحبها وقمع له وللآخر. لكن طبعاً في شرقنا العربي لا توجد دول لكي نتحرر من عقائدها بل لا توجد مجتمعات أصلاً؛ ثمة فقط قبائل طائفية متناحرة على الدوام ما يلغي إنسانية أي إنسان لدينا. فما زلنا في عصر السوبر تخلف حيث التخلف هو القيمة الأعلى. هذا لا يمنعنا من مراسلة زمن افتراضي حيث تثور شعوب الشرق على هوياتها الكاذبة ودولها الافتراضية وطوائفها ومذاهبها المخادعة. يتمثل السوبر تخلف في استخدام العلم والتكنولوجيا والعقائد من أجل التجهيل. كما يتجسد السوبر تخلف أيضاً في أن التجهيل أمسى وظيفة الدولة الافتراضية. فمعظم المؤسسات الاعلامية والتربوية التابعة للدول الافتراضية باتت تهدف إلى الدفاع عن عقيدة معينة وتهميش أو قتل العقائد الأخرى. هكذا نستعمل الدولة أيضاً من أجل نشر الجهل والتخلف. فالدولة السوبر متخلفة التي ترعى نموالمجتمع السوبر متخلف تحدِّد الحقائق والمعارف والقيم وتعتبر أن كل الحقائق والمعارف والقيم المختلفة عن حقائقها ومعارفها وقيمها كاذبة وبذلك تقاتل العقائد الأخرى. على هذا الأساس، تتسلح السوبر علمانية بالسوبر حداثة لكي تحارب السوبر تخلف. فبالنسبة إلى السوبر حداثة، من غير المحدَّد ما هي الحقائق والمعارف والقيم، وبذلك لا تحدِّد السوبر حداثة ما هي الحقيقة والمعرفة والأخلاق ما يضمن عدم رفضها للعقائد والثقافات المتنوعة. هكذا تضمن السوبر حداثة قبول الآخر فإمكانية بناء مجتمع ودولة. لكن إذا كانت الدولة المنشودة لا عقيدة لها، إذن ما دور الدولة وكيف يجب عليها أن تتصرف؟ في حال تحققت السوبر علمانية، يكمن دور الدولة في ضمان حرية كل فرد في صياغة عقائده والتصرف على ضوئها شرط عدم خرق حقوق الآخرين. من هنا، وظيفة الدولة كامنة في ضمان الحريات كافة كحرية التفكير والتعبير والتصرف. هكذا تسمح الدولة وترعى نشوء العقائد المختلفة وبذلك لا تتعصب لعقيدة معينة ما يجعلها دولة السوبر حرية. أما السوبر حداثة بذاتها فليست عقيدة لأنها لا تحدِّد ما هي الحقائق وما هي المعرفة والقيم الأخلاقية. على هذا الأساس، السوبر حداثة عملية تحرر من العقائد بينما السوبر تخلف مجموعة آليات سجن الأفراد والجماعات في عقائد محدَّدة ما يضمن لها نشر التعصب والجهل والتخلف. من هنا، الدولة السوبر علمانية أوالمجتمع السوبر علماني يتخذ السوبر حداثة سلاحاً فكرياً له يقاتل به كل أنواع التعصب والجهل. الآن، بما أن السوبر حداثة هي المذهب الذي يقول إن اللامحدَّد يحكم العالَم، وبما أن السوبر علمانية تعتمد على السوبر حداثة في صياغة موقفها، إذن الدولة السوبرعلمانية هي الدولة التي من غير المحدَّد ما هي عقيدتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وبما أنه من غير المحدَّد ما هي عقيدة الدولة السوبر علمانية، إذن تتمكن هذه الدولة من الانتقال من عقيدة اجتماعية وسياسية واقتصادية إلى أخرى على ضوء احتياجات مجتمعها. فمثلاً، في وقت الأزمات الاقتصادية تتجه الدولة السوبر علمانية المفترضة نحو إعادة توزيع الثروة في المجتمع. أما إذا كان الاقتصاد مزدهراً بحيث تستفيد منه كل طبقات المجتمع فحينها لا حاجة لكي تتدخل الدولة فتعيد توزيع الثروة. هكذا لا محددية عقيدة الدولة السوبر علمانية تحررها من سجون عقيدة معينة فتضمن لها حرية أن تغيّر سياساتها ومشاريعها على أساس احتياجات مجتمعها. أما الدولة ذات العقيدة المحدَّدة فتسجن ذاتها في عقيدتها ما يمنعها من إحداث أي تغيير اجتماعي واقتصادي متى احتاجت إلى هذا التغيير. وبذلك عقيدتها المحدَّدة تجعلها غير قادرة على التأقلم والتكيف مع المتغيرات ما يؤدي إلى فشلها الحتمي. لكن الدولة السوبر علمانية وبفضل لا محددية عقيدتها تنجح في التكيف والتأقلم مع المتغيرات كافة وبذلك تضمن لنفسها النجاح المستمر. وكما يجب على الدولة أن تتحرر من أية عقيدة كذلك يجب على الإنسان أن يتحرر من عقائده ؛ فالإنسان ذوالعقيدة المحدَّدة سجين عقيدته ما يمنعه من البحث عن معارف جديدة وما يمنعه أيضاً من أن يتغير ويتأقلم مع المتغيرات وبذلك يضمن لنفسه الفشل المستمر. لا تفصل السوبر علمانية بين الدولة والعقيدة فقط بل تفصل أيضاً بين الإنسان وعقائده. من وجهة نظر السوبر علمانية، الإنسان ليس مجموعة عقائده ومعتقداته بل الإنسان مشروع حرية. إذا كان الإنسان هو ما يعتقد، وبما أن معتقدات الناس تختلف وتتعارض، إذن البشر يختلفون عن بعضهم البعض وبذلك لا بد من معاملتهم بأساليب مختلفة أي على ضوء قوانين مختلفة. لكن إذا عاملت الدولة مواطنيها على أساس قوانين مختلفة، حينها تزول المساواة أمام القانون ما يعارض مبدأ أساسياً من مبادىء الإنسانية. من هنا، الإنسان ليس مجموعة عقائده. لذا لا بد من البحث عن تعريف آخر للإنسان لا يؤدي إلى معارضة أي مبدأ من مبادىء الإنسانية كمبدأ المساواة ومبدأ الحرية. على هذا الأساس، تعتبر السوبرعلمانية أن الإنسان مشروع حرية أي أنه مشروع أن يُحقق لذاته أكبر درجة ممكنة من الحرية. وبما أن الإنسان مشروع حرية، وبما أن الحرية تتحقق من خلال الحفاظ على المبادىء الإنسانية كمبدأ المساواة أمام القانون والمساواة في الفرص، إذن تعريف الإنسان على أنه مشروع حرية يضمن احترام المبادىء الإنسانية كمبدأ المساواة ما يشير إلى مصداقية هذا التعريف. فالإنسانية هدف لا بد من تحقيقه من خلال احترام مبادىء معينة كمبدأ الحرية ومبدأ المساواة ومن خلال اكتشاف مبادىء أخرى لا نعرفها حالياً والتصرف على ضوئها. من جهة أخرى، بما أن الإنسان مشروع حرية، وبما أن كل فرد منا يريد اكتساب أكبر درجة من الحرية ويسعى إلى تحقيق ذلك، إذن كل فرد مشروع حرية وبذلك كل الأفراد متساوون في إنسانيتهم. هكذا السوبر علمانية توحّد كل البشر في إنسانية واحدة. بكلامٍ آخر، بما أن السوبر علمانية تفصل بين الإنسان والعقائد فلا تعتبر أن الإنسان هو ما يعتقد، إذن تضمن بذلك معاملة كل إنسان على أنه إنسان بدلاً من معاملته على أساس عقيدته. هكذا تنجح السوبر علمانية في تحقيق المساواة بين البشر وتتجنب التمييز بين الأفراد على ضوء معتقداتهم ما يضمن حرية أكبر لكل فرد. بالإضافة إلى ذلك، لا بد من التمييز بين العقائدية والسوبر عقائدية. بينما العقائدية تعتبر أن هذه العقيدة أو تلك هي العقيدة الأفضل والأصدق من بين كل العقائد وبذلك ترفض العقائد الأخرى، تصر السوبر عقائدية على أن كل العقائد الأخرى ليست سوى أجزاء من عقيدة أصلية هي العقيدة الأفضل والأصدق. تقول السوبر عقائدية إن ثمة عقيدة واحدة هي الأفضل والأصدق في المطلق وهي العقيدة الأصلية التي تفرعت عنها العقائد والمعتقدات الأخرى عبر التاريخ. من هنا، تستخدم السوبر عقائدية العقائد كافة أكانت دينية أم فلسفية أم علمية من أجل البرهنة على صدق عقيدة معينة. فمثلاً، تفسِّر السوبر عقائدية العقائد والنُظم الفكرية كافة بطرُق تحوّلها إلى براهين على مصداقية هذه العقيدة الفريدة أوتلك. مثل واقعي على ذلك هو عملية أسلمة العلوم أي تقديم تفاسير للعلوم المعاصرة بحيث تغدو هذه العلوم حججاً على صدق الإسلام وبحيث تصبح العلوم أيضاً مجرد تفاسير لما جاء في الإسلام قد تصيب هنا وقد لا تصيب هناك. على هذا الأساس، تبدو السوبر عقائدية على أنها تقبل العقائد والنُظم الفكرية والمعرفية الأخرى، لكنها في الحقيقة تستغلها من أجل دعم عقيدة معينة تعتبرها هي الأفضل والأصدق، وبذلك تتضمن السوبر عقائدية رفض المذاهب الفكرية والمعرفية والدينية الأخرى. لكن السوبر علمانية تؤكد على أنه لا توجد عقيدة أفضل وأصدق من العقائد الأخرى ولذا تضمن قبول كل العقائد وكل البشر. من هذا المنطلق، بما أن السوبر عقائدية تختار عقيدة ما وتعتبرها الأفضل والأصدق وترفض بذلك العقائد الأخرى بينما السوبرعلمانية لا تفضِّل عقيدة على أخرى فتقبل كل العقائد، إذن لا مفر من المواجهة بين السوبر عقائدية والسوبر علمانية. تاريخنا الإنساني صراع دامٍ بين هذين الاتجاهين. فهل ستنتصر السوبر عقائدية أم السوبر علمانية؟ هذا يعتمد على قرارنا نحن.