التثويرياء: فلسفة الانقلابات الفكرية
للفلسفة وظائف عديدة ومختلفة منها تحليل المفاهيم وتفسير الظواهر وتقديم الحلول للمشاكل الفكرية بالإضافة إلى صياغة مصطلحات جديدة في محاولة طرح أفكار جديدة. من هنا، نقدّم مفهوم التثويرياء ونحاول شرح معالمه الفلسفية.
التثويرياء فلسفة الانقلابات والثورات الفكرية. التثويرياء مصطلح مركّب من التثوير المشتق طبعاً من الثورة. لذا التثويرياء تدرس الثورات والانقلابات الفكرية أكانت علمية أم فلسفية. يشهد المشهد الثقافي حالياً انقلاباً فكرياً جذرياً وحاداً بحيث لم يعد عالمنا الواقعي هو موضوع البحث والدراسة بل أمست الأكوان الممكنة هي ميدان البحث العلمي والفلسفي. أصبحت وظيفة الباحث في الفلسفة أو العلم كامنة في اكتشاف أكوان ممكنة جديدة قد تكون شبيهة بعالمنا الواقعي الذي نحيا فيه أو مختلفة عنه. و كل اكتشاف لعالم ممكن شبيه بعالمنا أو مختلف عنه هو ثورة و انقلاب على أنظمة فكرية أخرى تصف وتفسِّر أكواناً أخرى مختلفة عن العالم الممكن الذي تم اكتشافه. بكلامٍ آخر، تختلف الأكوان الممكنة التي أمست حقل دراسة الفلسفة والعلم، وبذلك وصف أو تفسير أي كون ممكن دون غيره من أكوان هو انقلاب على الأفكار الممكنة أو الأنظمة الفكرية الممكنة الناجحة في وصف وتفسير أكوان أخرى. وبما أن وظيفة البحث الفلسفي والعلمي أصبحت قائمة في دراسة الأكوان الممكنة، وبما أن دراسة كون ممكن ما دون أكوان أخرى هو انقلاب على الأكوان الأخرى التي من الممكن دراستها، إذن أمسى الحقل الفلسفي والعلمي مجرد سلسلة من الثورات والانقلابات الفكرية المتتالية والمتسارعة. من هنا، غدت التثويرياء فلسفة هذا العصر بحيث بات الباحث الفلسفي أو العلمي يسعى بشكل دائم إلى الانقلاب على نظامه الفكري واستبداله بأنظمة فكرية أخرى تصف أكواناً أخرى لم تكتشفها البشرية من قبل. هكذا فلسفة التثويرياء هي فلسفة الانقلاب الدائم والمستمر على ما نعرف ونعتقد لكي نختبر ما من الممكن إنتاجه من أفكار ومعتقدات جديدة. لذا الفيلسوف أو العالِم المعاصر ينتقل بحرية من وصف وتفسير عالَم ممكن إلى وصف وتفسير عالم ممكن آخر فيرتحل من أنظمة فكرية إلى أخرى مختلفة ليضمن زيادة المعلومات إلى أقصى حد من خلال دراسة العدد الأكبر من الأكوان الممكنة. فالدافع الأساس وراء التثويرياء، أي فلسفة الانتقال السريع من ثورة أو انقلاب فكري إلى آخر، هو الحصول على أكبر قدر من المعلومات واستمرارية البحث الفلسفي والعلمي. وخير طريق نحو تحقيق هذا الهدف يكمن في دراسة الأكوان الممكنة لكونها مختلفة عن بعضها البعض من جراء اختلاف قوانينها وظواهرها وحقائقها. الانقلاب على الواقع واللجوء إلى الأكوان الممكنة لم يحدث من قبل في التاريخ البشري، لكنه جزء أساسي من عملية التحرر الإنساني لكونه يحرر الإنسان من سجون عالمه الواقعي. تتنوع الأدلة على مصداقية فلسفة التثويرياء و ازدهارها منها مثلاً أن علماء الرياضيات والفيزياء يبنون اليوم معادلات ونماذج كومبيوترية في محاولة وصف ودراسة الأكوان الممكنة المختلفة. وبالفعل تم اكتشاف أنواع مختلفة من الأكوان ممكنة منها الأكوان المنفصلة عن بعضها البعض بمساحات لامتناهية، ومنها الأكوان المنفصلة بأزمنة لامتناهية، ومنها الأكوان المنفصلة من جراء وجودها في أبعاد مختلفة عن الأبعاد المعروفة لدينا كأبعاد الطول والعرض و العمق والزمن ( John Gribbin : In Search of the Multiverse. 2009. Wiley ). بالإضافة إلى ذلك، اختلف العلماء في نظرياتهم من جراء دراستهم لأكوان ممكنة مختلفة ؛ فمنهم مَن درس الكون على أنه عالم ممكن متكوّن من موسيقى، ومنهم مَن درس الكون على أنه عالم ممكن يتكوّن من كومبيوتر ضخم متطور، وآخرون درسوا العالم على أنه عالم ممكن متكوّن من جسد بيولوجي حي. فمثلاً، يصف الفيزيائي لي سمولن الأكوان الممكنة من خلال صفات الكائن الحي. بالنسبة إلى سمولن، تتوالد الأكوان من بعضها البعض وترث صفات آبائها و أجدادها ( Lee Smolin : Three Roads to Quantum Gravity.2007. Basic Books ). أما الفيزيائي ميشيو كاكو فيعتمد على نظرية الأوتار العلمية في وصف الكون وتفسيره. بالنسبة إلى هذه النظرية، يتشكّل العالم من أوتار و أنغامها، وبذلك يغدو الكون سمفونية موسيقية ( Michio Kaku : Beyond Einstein. 1995. Anchor Books ). من جهة أخرى، يصف عالِم الهندسة الكمية سيث لويد الكون على أنه كومبيوتر متطور يقوم بحسابات رياضية ؛ فأي نظام فيزيائي هو مجرد عملية حساب للمعلومات التي يتشكّل منها ( Seth Lloyd : Programming the Universe. 2007. Vintage Books ). هكذا دراسة الأكوان الممكنة توضح أيضاً عالمنا الواقعي لأن بعض الأكوان الممكنة شبيهة جداً بعالمنا الواقعي؛ فمثلاً عندما يدرس لويد عالماً ممكناً على أنه كومبيوتر متطور فهو في الحقيقة يتصوّر إمكانية أن يكون عالمنا الواقعي متطابقاً مع العالم الممكن المتكوّن بالفعل من كومبيوتر متطور. على هذا الأساس، رحلة العلماء – الفلاسفة إلى الأكوان الممكنة رحلة إعادة اكتشاف الواقع بكل ما يملك من ممكنات. الانقلاب على الواقع تأسيس له؛ فمَن لا يصبح الآخر لا يصبح ذاته.