ما ركَّزتْ عليه (الجريدة)

عطية مسوح قرأها 5
 

اتصل بي عدد من القرّاء، سائلين عن صحيفة (الجريدة) التي كتبت عنها في العدد الماضي، طالبين بعض المعلومات عن أهم القضايا التي طرحتها، وأهم الأسباب التي جعلتها أنموذجاً للصحافة الفاعلة في تكوين الرأي العام. وقد أكّدتْ لي اتصالات الأصدقاء وأحاديثهم أهمية الحديث عن الصحافة العربية في النصف الأول من القرن العشرين.

 ولعل من المفيد أن أدعو إلى الاطلاع على ما اتصفت به صحف تلك الفترة من طابع تنويري تحرّري تحديثي، ومناقشة ضرورة بثّ تلك الروح في صحافتنا الحاضرة.

وقد أكتب عن ذلك بشيء من التفصيل في شهر آذار، وهو شهر الذكرى المئوية لصدور (الجريدة)، وفي شهر نيسان، وهو شهر الذكرى الثانية والخمسين لصدور (النور) وبمناسبة ذكرى صدور (صوت الشعب) التي كانت لسان الحزب الشيوعي في سورية ولبنان.

كانت صحافة تلك الحقبة من تاريخنا الحديث أنموذجاً (مع كثير من النواقص التي لا بد أن توجد في البدايات) للصحافة الحرّة المسؤولة، لقد جمعت بين مهمتين كبريين، أولاهما أن تكون حاضنة لحرية الرأي وللتنوع الفكري والسياسي والثقافي، وثانيتهما أن تكون ذات دور تنويري تحديثي، يلتزم جانب النضال من أجل نشر العقلانية والعلمانية والتحرر الوطني، ونحا بعضها إلى جانب ذلك، منحى النضال لنشر فكر العدالة الاجتماعية والاشتراكية.

ويتّضح لمن يعود إلى تلك الصحافة أن المهمة الثانية لم تلغِ المهمة الأولى ولم تقلّل من شأنها، بل قامت عليها وأكملتها، انطلاقاً من أن أيّ نضال في سبيل العدالة والاشتراكية يكون بلا جدوى إن لم يستند إلى ركائز العلمانية والعقلانية والديمقراطية وحرية التفكير والتعبير عن الرأي، أي إن ما عرف بالديمقراطية الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق ويصان دون توفر ما عرف بالديمقراطية السياسية. وإن حقوق الإنسان متكاملة فلا يمكن أن يحفظ حقوقه الاقتصادية والاجتماعية إذا فرّط بحقوقه السياسية، وأهمها حقه في التفكير والتعبير عن رأيه دون تضييق، ولا يمكن أن تكتمل حقوقه السياسية إن لم تتوفر له شروط العيش الكريم.

تجلّى ذلك واضحاً لدى تيار واسع من مفكّري النصف الأول من القرن العشرين. فبعد أن حملت (الجريدة) و(السياسة) راية حرية التفكير والتعبير، ظهر بين من التفّوا حولهما، مجموعة من المفكّرين ربطوا الحرية بالعدالة، ومنهم سلامة موسى وطه حسين وغيرهما. وقد نكتب عن ذلك بالتفصيل في مقالات لاحقة.

أما مؤسس (الجريدة) أحمد لطفي السيد، فقد جعل صحيفته منبراً لنشر أفكار الحرية كما قلنا سابقاً، فكان بذلك متابعاً لما وضع أسسه رفاعة الطهطاوي، ورافعاً الأفكار الأولية للطهطاوي إلى درجة النضج ودافعاً إياها في طريق الاكتمال.

وسأكتفي بذكر جانب مما ركّز عليه أحمد لطفي السيد وهو جانب (الحرية).

كتب السيد في صحيفته خمس عشرة مقالة عن الحرية، شرح فيها هذا المفهوم السياسي الذي كان جديداً على فكرنا العربي الحديث، وأفاض في الحديث عن جوانبه المختلفة.

ومن العناوين التي حملتها مقالاته تلك: معنى الحرية، الحرية الشخصية، الحرية والأحزاب، الحرية ومذاهب الحكم، حرية التعليم، حرية القضاء، حرية الصحافة،..إلخ. وتوحي هذه العناوين بحرص السيد على تقديم أفكار الحرية على نحو متكامل، لتكون مذهباً في الحياة، لا مجرّد شعارات يتغنّى بها الزعماء ويستخدمونها وسيلة للتحكّم بالناس.

ولعلّ الاطلاع على هذه المقالات المذكورة، يبيّن كم نحن مدينون للسيد وأمثاله من معاصريه ومن جاؤوا بعده، فيما نجده أحياناً من فسحة في حرية الرأي والتعبير، وكم نحن مخطئون في حقّهم وحقّ أنفسنا حين ضيّقنا تلك الفسحة، أو ألغيناها، وكم نحن في حاجة إلى رفع الصوت في وجه كلّ سعي إلى استلاب حق الإنسان في التعبير عن رأيه.

في مقالة عنوانها (السلوك السياسي) عام 1908 يتحدث أحد لطفي السيد عن (الشجاعة الأدبية) مؤكداً أنها فضيلة ينبغي توفرها في أبناء الأمة كي تستطيع أن تنهض، ويبيّن أنها تعني أن يقول المرء كل ما يعتقده، مع المحافظة على الأدب فيما يكتب.

وفي مقالة أخرى عنوانها (الحقّ الصراح) 1907 يقول حاثّاً الكتّاب على الدفاع عن حريتهم: (أناشدكم بالله، ما حاجة كاتب القرن العشرين في أن يكون لقلمه سيد لا يخط إلا ما يرضيه، وهو يسوّد الطروس منادياً بالحرية الشخصية مدلّلاً على وجوب استعمال الحرية العقلية والشجاعة الأدبية؟).

هذه أنموذجات مما ركّز عليه أحمد لطفي السيد، ورفعت رايته صحيفته (الجريدة) التي عملت، وغيرها من الصحف على أن تنمي في شباب الأمة نزعة التفكير الحرّ والشكّ المنهجي وهما ركيزتان أساسيتان للعقلانية.

الجريدة (1907 - 2007)

عطية مسُّوح