"الجريدة" – (1907 – 2007)

عطية مسوح قرأها 9
  

عطية مسُّوح *

مئة عام مرَّت منذ أن أصدر المفكر النهضوي الرائد أحمد لطفي السيد صحيفة (الجريدة) التي تعدُّ بحق بدايةً للصحافة السياسية والفكرية العربية الحديثة.

صدرت قبل الجريدة عدة صحف ومجلات، في لبنان وسورية ومصر، كان بعضها أدبياً وبعضها ثقافياً وسياسياً، لكنها على أهميتها ودورها، لم تترك الأثر الذي تركته (الجريدة) ولم تقم بالدور التأسيسي الذي قامت به.

وإذا كانت صحيفة أحمد لطفي السيد وتياره الليبرالي التحديثي، قد منحت اسمها لكل الصحف التي صدرت فيما بعد، فصرنا نسمي كل صحيفة جريدة، فإن في ذلك دلالة كبيرة على ما حظيت به تلك الصحيفة من تقدير لدى المثقفين والسياسيين والصحفيين والقرّاء المتنورين الذين أرادوا لتوجهها الحداثي التحرري أن يستمر، ولروحها المنفتحة أن تظل مبثوثة في كل مظاهر حياتنا الثقافية والسياسية والفكرية.

استمرت (الجريدة) ما يزيد على سبعة أعوام، وكان صدورها بداية مرحلة جديدة في الصحافة العربية، إذ تبعتها صحف أخرى، كالسياسة (د. محمد حسين هيكل) في مصر، والمقتبس والبرق في بلاد الشام، وهما صحيفتان ولدتا بعد عام 1908 مستفيدتين من فسحة الحرية النسبية العابرة التي أتيحت في السلطنة العثمانية، وغيرها من الصحف والمجلات التي عبَّرت عن نضج الحركة السياسية والفكرية ونهوض الحركة الثقافية في المجتمع العربي، وفي بؤرتيه الأكثر تطوراً، مصر وبلاد الشام.

كما دفع صدور (الجريدة) صحفاً أخرى سبقتها أو تبعتها إلى تطوير أدواتها وتوسيع هامش الانفتاح فيها، كي تستطيع المشاركة في الدور التنويري الذي اضطلعت به (الجريدة).

واستمرت ولادة الصحف والمجلات العربية على امتداد النصف الأول من القرن العشرين، وأسهمت، بجهود الصحفيين والكتاب والمفكرين المتنورين المنوّرين، في إرساء تقاليد صحفية لا يمحوها الزمن برغم تعرضها لكثير من محاولات الإلغاء والتضييق.

لقد عبّرت (الجريدة) و(السياسة) وغيرهما من الصحف التي صدرت بعدهما عن العلاقة الجدلية بين الحركة السياسية (الأحزاب) والحركة الثقافية (الآداب والفنون) والحركة الفكرية (الفلسفات والنظريات الاجتماعية والأيديولوجيات)، واستطاعت بتوجهاتها التنويرية المنفتحة أن تصنع تواصلاً وتفاعلاً بين التيارات والمذاهب السياسية والفكرية. ومن يعد إلى الصحف الصادرة منذ عشرينيات القرن العشرين حتى خمسينياته يجد أنها احتضنت حركة فكرية وثقافية نشيطة، اتَّسمت ـ بوجه عام ـ بروح الانفتاح، وغلب عليها أسلوب الحوار الفكري الحضاري، وأثمرت إبداعات فكرية وثقافية ما نزال نعترف بريادتها وأهميتها إلى يومنا هذا.

ولم تقتصر تلك الروح على (الجريدة) و(السياسة) وغيرهما من الصحف ذات التوجه الليبرالي الحداثي، بل ظهرت كذلك في الصحف المعبرة عن التيارات الاشتراكية واليسارية والقومية. ونحيل القارئ ـ إن تمكّن ـ إلى صحف صغيرة الحجم، كبيرة الدلالة والأثر، صدرت في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، مثل: (الإنسانية، وصوت الشعب) اللتين أصدرهما الشيوعيون في سورية ولبنان ليتأكد من ذلك. ففي صفحات (الإنسانية) نجد أسماء كتاب محليين وعالميين من مشارب فكرية وثقافية متنوعة، لا يجمعهم إلا الإحساس الإنساني والحرص على الحرية والعدالة، وفي مجلة (الطليعة) التي صدرت عام 1935 و(الثقافة الوطنية) وغيرهما نجد الشيء ذاته بنسب متباينة.

هكذا أسهمت الصحافة في دفع الحركة الفكرية والثقافية إلى الأمام، ورسَّخت مبدأ الحوار والتواصل والانفتاح الفكري في المجتمع العربي، ورفعت راية حرية التفكير والتعبير عن الرأي. وكان ذلك تعبيراً عن تفاعل نشيط بين أمزجة السياسيين الديمقراطيين المؤمنين بالحرية، على اختلاف أيديولوجياتهم، وطبيعة الفكر الانفتاحية الحوارية التواصلية.

إن نهوض المجتمع وتقدمه يرتبطان بحرية التفكير والتعبير، ومستوى هذه الحرية مرتبط بحركة النهوض والتقدم في المجتمع، يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به، وقد أثبتت تجربة العرب في العصر الحديث ـ فيما أثبتته ـ أن حرية الصحافة وجعلها معبرة عن التنوع والاختلاف والتعدد، وصون حقوق الكتّاب والصحفيين في النقد وفي تعزيز الروح النقدية في المجتمع، هي عوامل ضرورية لتحقيق النهوض والتقدم، وهي ما ينبغي أن نسعى جميعاً إلى تحقيقه وحمايته.

لعل الذكرى المئوية لصدور (الجريدة) تكون مناسبة لتأكيد دور الصحافة الحرة في تكوين الرأي العام الفعال وتنشيط الحراك السياسي والثقافي والفكري، وحافزاً لكل الساعين إلى نهوض المجتمع العربي وتقدمه، في مختلف أقطاره، وعلى اختلاف اتجاهاتهم السياسية والفكرية، إلى إدراك أهمية حرية التفكير والتعبير في كل المؤسسات السياسية والمنابر الإعلامية، وفي المجتمع عامة.

مفكر وأديب سوري