عزُّ اللغة من عزِّ أهلها
في ندوة حوارية مهمة ترأستْ جلساتها سيدةٌ متعلمة ومثقفة، حيّت الحضور وعرَّفت بالندوة وأهدافها بلهجة محلية، كما قدمت المحاورين المشاركين بالأسلوب ذاته.
هذا التصرف أثار دهشتي، وأطلق حزني على اللغة العربية التي تحارب من قبل أبنائها. السيدة التي تجاورني في المقعد، حاولت أن تخفف من استنكاري، فقالت: ((وين الغلط؟ ما ضروري كل واحد بيدير ندوة، يعرف يحكي الكلاسيك أربك!)).
كلام جارتي صدمني بشدة أكبر، فإذا كانت مديرة الندوة قد ركبت الموجة اللبنانية التي تحاول أن تغرق بالعامية الفضاء الإعلامي العربي، فإن جارتي وضعت اللغة العربية في خانة القديم، والقديمُ، في عرف الأكثرية، يعني الموت. في تلك اللحظة ورد إلى بالي الخلافات التي تدور حول اللغة، وفنونها الإبداعية. الخلاف المستعر بين شعراء الحداثة، وبين التقليديين. والخلاف بين المنادين بترسيخ اللهجة العامية وجعلها لغة مكتوبة، وبين المنادين بالحفاظ على اللغة العربية الفصحى لأنها هوية الأمة. لكنني لم أفه بحرف واحد، فالظرف الذي كنت فيه لا يسمح بالتوضيح والتفنيد ولا بالأخذ والرد. مع أني تمنيت أن اذكِّر جارتي بشأن الكلمة العربية التي حملت في أحرفها دعوة الله إلى نبيه ليقرأ: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق))، وحضَّت الإنسان على التأمل والتفكر في خلق وملكه.
وأن أذكرها بالكلمة الشاعرة، التي رفعت العرب إلى مصاف الأمم الحضارية المتقدمة فكراً ومعرفة. وأن أروي لها بعضاً من الشعر القديم الذي يحمل تفرّداً في موقف قائله، مثل شعر الشنفرى الذي كان أول صوت عربي في مرحلة ماقبل الإسلام، يهدد قومه بالارتحال عنهم احتجاجاً على جورهم وقسوتهم.
وأن أقول لها: إذا كان كل قديم يجب أن يزول ويندثر، فهذا يعني أنه ليس هناك ضرورة للاحتفاظ بالتراث الأدبي ولا حتى الديني. تمنيت أن أقول، ولم أقل..
* * * *
إن ما أعادني إلى تلك الحادثة على الرغم من مرور زمن عليها، وهو كتاب جديد بعنوان (العربية في مواجهة المخاطر)، من تأليف أستاذي الدكتور عبد الكريم الأشتر، وبقدر ما أثار هذا الكتاب شجوني حول اللغة العربية، بقدر ما أثلج صدري. فالخير بحمد الله، ما زال موصولاً في الأمة العربية.
يضم الكتاب ثلاث محاضرات ألقاها كاتبها في ندوات علمية، وهي:
1. ساحة المواجهة والأطراف العاملة فيها.
2. ترسيخ العاميات العربية المتباينة ومخاطره.
3. فن التعبير الكتابي في المراكز الوظيفية العامة، وفي طرف من النتاج الإبداعي.
تدور محاور المحاضرات حول اللغة العربية وما تواجه من مخاطر الضعف والإحباط، داخلياً في أقطارها المختلفة، وخارجياً من لغات الثقافات المتقدمة. ففي الداخل تعاني اللغة العربية من زحف العاميات في جميع مرافق الحياة اليومية سواء في الحياة الخاصة أم الإدارية والوظيفية، وفي وسائل الإعلام المرئي والمسموع، وصولاً إلى الخطاب الثقافي نفسه. فبعض المثقفين والمتعلمين يدعون إلى هجر التقعيد النحوي والصرفي، وإلى استبدال العامية بالفصحى في النتاج الإبداعي على مختلف أجناسه.
يحدد الدكتور الأشتر ضعف الأمة الحضاري ووقوعها في حال من العجز والإحباط، بهوانها على نفسها نتاجها الثقافي ومعارفها التي تحملها اللغة. فالأمة صارت في راهن الحال أمة مستهلكة للحضارة المعاصرة التي يصنعها سواها، لأنها غير قادرة على إنتاج هذه الحضارة أو حتى المساهمة في صنعها.
ويرى أن وقوف أبناء الأمة زمناً طويلاً بين الإفراط في تقديس اللغة العربية وبين التفريط بها، هو من أسباب أزمة اللغة العربية. فالإفراط والتفريط في هذه الحال هما خطران متداخلان، خطر في الداخل وخطر في الخارج. فمن الداخل وبالتحديد من مصر ولبنان، انطلق أناس يدعون إلى إزاحة اللغة الفصحى وتكريس الدارجة بديلاً منها، بداعي توحيد لغة الناس المنقطعة بين عملية التفكير وعملية التعبير عنه. ففي مصر طلع من يقول إن (دراسة العربية الفصحى مضيعة للوقت، وموتها محقق كما ماتت اللاتينية). وآخر يعتقد بأن اتخاذ المحكية لغة للكتابة هي بالنسبة إلى مصر (مسألة حياة أو موت). ولا حاجة للتذكير بالدعوة إلى العامية التي حمل لواءها الشاعر سعيد عقل في لبنان.
أما الخطر الخارجي، فسدنته مؤسسات رسمية، تعمل بدأب على ضرب عمود البيت الثقافي العربي وتفكيكه وتقطيع لحمته. وما يريح القلب أن الدعوة إلى الدارجة لم تثمر كما توقع لها أصحابها، وإن كان وجودها ما زال مستمراً في فكر بعض المثقفين العرب وفي أدواتهم الثقافية، وفي بعض وسائل الإعلام التي تقوم بنشر اللهجة الإقليمية في كل قطر عربي. وإذا كان الاختلاف بين لغة الحديث وبين لغة الكتابة هو ظاهرة طبيعية في جميع اللغات أو على الأقل في معظمها، فإن هذا لا يعني أن تحل لغة الحديث محل لغة العلم والثقافة. فاللغة المحكية مع كل جمالياتها الخاصة بها واحتضانها للأدب الشعبي بأنواعه المختلفة، لا تستطيع أن ترتفع إلى حدود التعبير عن مستوى الإبداع، لأنها لا تمتلك القدرة على الوفاء بحاجات الفكر العليا.
ويرد الدكتور الأشتر أسباب ضعف اللغة العربية وهي أساس العملية التربوية، إلى استهانة الأمة بقدرات هذه اللغة والاستعانة بالمصطلح الأجنبي. فالاستعانة بالكلمات الأجنبية تتم في كثير من الأحيان من قبيل التباهي، أو من قبيل الإحساس بالنقص. فاليوم نرى أن أغلب الأقطار العربية، ولاسيما في حقل التعليم، تميل إلى الاقتناع بقصور اللغة القومية عن امتلاك حاجات التعليم العلمي، وبعدم قدرتها عن احتواء الفكر المعاصر. ويوضح الأشتر بأنه لا يقصد بكلامه التقليل من أهمية اللغة الأجنبية، ودورها في حياتنا المعاصرة. إذ لا مراء بأن استخدام التقنيات الحديثة على مختلف مستوياتها، لا يتم إلا إذا امتلك المستخدم لغة أجنبية والإنكليزية منها على وجه الخصوص. إنما ذلك لا يجيز لنا أن نكون عاملاً يساعد تلك اللغات، في مزاحمة لغتنا في عقر دارنا.
إن ترسيخ العامية العربية يشكل خطراً على اللسان العربي القويم، وعلى لغته الفصحى. كما يشكل خطراً على الوجود العربي، من حيث أن اللغة تحقق الوعي بوحدة الأمة، وتصنع الفكر والتفكير، لقد أضعف حالنا اليوم روابطنا القومية، فبعد أن كنا شعباً عربياً يتكلم لغة عربية واحدة، تحولنا في عيون العالم إلى شعوب تتكلم العربية. وبهذا استيقظت الروابط الإقليمية وتفشت الدعوة إليها، ونهضت أحزاب سياسية تدعو إلى نبذ الروابط القومية ليحل مكانها الروابط الإقليمية أو العرقية. أما ظاهرة العولمة، فقد بدأت اقتصادية لتتحول بعد ذلك إلى ظاهرة غزو ثقافي يهدف إلى اجتثاث الثقافة القومية للشعوب الضعيفة، لحساب ثقافات الحضارة القوية. ومع أن الغزو الثقافي من أهم التحديات التي تواجه الأمة العربية وتراثها اللغوي والحضاري، إلا أن الدكتور الأشتر يملك ثقة بقدرة هذه اللغة على الانتصار في هذا التحدي، مثلما انتصرت في السابق على نكبات كثيرة.
ولكي تظل اللغة العربية أطول اللغات الحية عمراً، يقترح مقترحات عديدة من أهمها، تنمية عادة القراءة لدى الناس عامة والأطفال والشباب منهم خاصة، عن طريق زرع الكتب والمكتبات في البيت والمدرسة ومطارح التريض والترويح. واختيار الكتب التي تجتذب اهتمام الناس، وتغريهم بالقراءة.
أما بالنسبة للغة المحكية، فيرى أن الشقة بينها وبين اللغة الفصحى تضيق يوماً بعد يوم، بفضل انتشار التعليم واتساع حركته، وتيسير اكتساب الفصيحة والإلمام بأهم قواعدها. وبفضل قيام بعض اللغويين بتفصيح الفصيح من مفردات الدارجة العربية وتركيباتها، وتقويمها في بعض اللهجات العربية. والانتقال بحركتها إلى ساحة التطبيق العملي، على نحو ماكان الأديب حسيب كيالي يفعل في مقالاته وقصصه وزواياه. فقد اتخذ تعبيره طعماً خاصاً ونكهة محببة، من غير أن يخل هذا التفصيح، أي إخلال، بسعي حسيب كيالي إلى توفير الالتزام بهوية الأمة الثقافية الواحدة.
* * * *
إن المأزق الذي تمر فيه اللغة العربية في هذه المرحلة لا يعود لها، وإنما يعود إلى قصور العقل العربي عن إنتاج العلم والمعرفة. وإذا كان القرآن الكريم، بمشيئة الله ، هو الحافظ للغة العربية: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))، فهذا لا يعني أن يتوانى علماء العربية عن النظر في شؤون اللغة وإصلاح ما يجب إصلاحه، ولا يعني أيضاً أن تكتفي مجاميع اللغة العربية، بالاجتماعات ووضع التوصيات وتوليد عدد من المصطلحات، بل عليها أن تعمل حثيثاً على إعادة الألق إلى اللغة العربية، وتأكيد مرونتها وقدرتها في مسايرة التطور الحضاري واحتواء التقدم التقني. وذلك لخلق أجيال جديدة، تستطيع أن تعبر عن أفكارها بلغة سليمة، وتحافظ بالتالي على هذه اللغة وتحميها.
الأسبوع الأدبي