نساء .. وجوائز
فيالعقد الأخير من القرن الفائت، احتلت قضية المرأة المرتبة الأولى بين القضاياالاجتماعية المهمة، واستحوذت على عناية المؤسسات الحكومية والمدنية عربياً ومحلياً. فما يمر شهر إلا ونسمع عن انعقاد مؤتمر أو ندوة عن مسألة تخص المرأة اجتماعياًوبيئياً وثقافياً وأمنياً وعملياً. وقد حُبّرت عن موضوعة المرأة آلاف المقالاتودُبجت مئات الاقتراحات والتوصيات، وجميعها تنظِّر لواقع أفضل للمرأة العربيةوتؤملها بمستقبل مفروش بالحرير. وهذه الطفرة تؤشر إلى أن المجتمع العربي بعد أنتجاهل المرأة دهوراً طويلة، صحا فجأة على وجودها وأراد أن يكفر عن خطيئته دفعةواحدة.
فعلىسبيل المثال، أقيم في الشهر الحالي بدمشق ثلاث ندوات واحتفال تكريمي. في فندقشيراتون معرة صيدنايا بريف دمشق، جرت وقائع ندوة تتعلق بالمرأة والحرب، وفي المركزالثقافي بكفرسوسة أقيمت ندوة عن المرأة والبيئة، في حين عقدت ندوة المرأة والحياةالعامة في مدينة بلودان بريف دمشق وجاءت تحت عنوان (قضايا تمكين المرأة ومشاركتهافي الدراسات والبحوث الاجتماعية).
واللافت في هذه الندوات أن الحضور فيها يقتصر على أسماء معروفةمعدودة يتكرر وجودها في جميع الندوات التي تخص المرأة، بعيداً عن خصوصية الموضوعالمطروح.
وإذاكانت المرأة هي المحور، وتمكينها في جميع هذه النواحي هي القضية وهو الهدف، فأغلب الظن أن المرأة بشرائحها المتعددة لم تمثل في هذه الندوات تمثيلاً منصفاً، ولاسيماالمرأة الأديبة والكاتبة والباحثة. وهذا التغييب ربما يعود إلى أن الجهات المنظمةلمثل هذه النشاطات أو الراعية لها، ترى بأن النساء اللواتي تختارهن للمشاركة يختزلنفي حضورهن وأفكارهن مجموع النساء في المجتمع، فتحرص على ترسيخهن إرثاً ثقافياً، لايجوز أن تمسه إضافة ولا أن يطاله تبديل.
وهناأتساءل: لماذا لم تكن ندوة الحرب وتأثيرها على المرأة وأسرتها، ندوة جماهيرية عامةتستضيف نساء من جميع المستويات، عشن تجربة الحرب المرّة وحصدن نتائجها تعباً جسدياًوقلقاً نفسياً وانهياراً مادياً. فالتجارب الحية أكثر أهمية من الكلام النظري،لأنها تقدم خبرة تفيد الآخر وتعلمه أشياء يجهلها. وهذا الأمر ينطبق تماماً علىالندوة التي تناولت مشاركة المرأة في الدراسات والبحوث الاجتماعية؛ فالدعوة وجهتإلى أسماء تتكرر في الندوات كافة، ربما لأن الهيئة السورية لشؤون الأسرة لا تملككشفاً بالكتب التي صدرت في سورية عن موضوعة المرأة ولا بأسماء كتابها.
أماالاحتفال التكريمي فقد أقامته منظمة المرأة العربية التي أنشأتها جامعة الدولالعربية من أجل احتضان جهود المرأة ودعم دورها في عملية التنمية الشاملة، ورعتهالسيدة الدكتورة نجاح العطار نائب رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية، وتم فيه توزيعجوائز السيدة العربية الأولى والمرأة العربية المتميزة على عدد من السيدات الناشطاتفي الحقل الاجتماعي. واللافت أن المكرمات جميعهن يعملن في إطار منظمة حكومية محليةأو عربية أو في منظمة ترعاها الحكومة رعاية جزئية؛. أي أنهن يؤدين عملاً واجباًيفرضه عليهن الموقع الوظيفي الموكل إليهن.
أوأنهن يمثلن موقعاً قيادياً رسمياً، مثل سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي قرينةحاكم الشارقة، التي كرمتها الاحتفالية بجائزة السيدة العربية الأولى.
إنإشارتي هذه لا ترمي إلى التقليل من جدارة السيدات المكرمات، ولا من قيمة العمل الذييشرفن على تنفيذه، بل على العكس من ذلك، ففي رأيي إن الإنسان الذي يتقن ما يوكلإليه يستحق التكريم أياً كان موقعه. لكنها رغبة بأن يتوسع التكريم، ليشمل سيداتأخريات غير معروفات في المجتمع الرسمي الثقافي والإعلامي. تعبيراً عن دعم صمودهن فيوجه الاحتلال السياسي، وتعزيزاً لجهودهن في مقاومة الفقر، وتشجيعاً لمحاولتهن تحريرأولادهن من الجهل والأمية، وتقديراً لسعيهن إنشاء عقول مفكرة واعية.
فالمرأة العربية التي تعيش في ظل الاحتلال، وتعاني عنفه وتقاوموحشيته، وتدفع بولدها وبزوجها عن طريق الشهادة، تستحق التكريم.
والمرأة التي تعمل في البيوت وتقدم للمجتمع والوطن أبناء متعلمينبشهادات عالية، تستحق التكريم.
والمرأة التي تشتغل في معمل لتعين زوجها في تحمل أعباء البيت وتوفيرحياة أفضل لأولادها، تستحق التكريم.
والمرأة المدرسة التي تشارك بإنشاء جيل واع نظيف في عقله وفكره،تستحق التكريم.
إنهؤلاء النسوة وكثيرات غيرهن على اختلاف المواقع والمهام، يمثلن بلا شك نجاحاتالمرأة السورية والعربية في ميادين الإنتاج وبناء الإنسان. ويشكل عملهن لبنة صلبة،في تنمية المجتمع وتقدمه.
فعندما تكرم المنظمات المعنية بالمرأة نماذج من هؤلاء النسوة،وتقديم تجربتهن الحياتية إلى المحافل العربية والدولية، تكون قد سلطت الضوء علىشريحة مغفلة من المجتمع العربي، وأبرزت وجهاً مشرقاً بالكفاح وبالإنسانية؛ فبهذهالجهود المميزة وتضافرها، يتطور المجتمع ويرتقي.
الأسبوع الأدبي