بيان المجانين المسلوسين (قراءة ثانية)
نشر صديقي الأديبُ المخضرم نبيل سليمان، في صحيفة (أخبار الأدب) القاهرية بتاريخ 17 / 12 / 2006، مقالةً أصعب من السليماني (1)، تحمل عنوان (أيها المسلوسون .. أيها المجانين العرب اتحدوا)! تحدَّث فيها عن رابطة المسلوسين (2) التي تداعى إلى تأسيسها في اللاذقية كل من الأساتذة:
غازي أبو عقل (صاحب جريدة الكلب) وأسامة الفروي، ونبيل سليمان، ووفيق خنسة، ووفيق سليطين، وحسن صقر،.. وقد تحدثنا عن بيان الرابطة التأسيسي، بالتفصيل، في مقرئنا السابق.
أراد الأستاذ نبيل أن يسرِّب لنا، في متن مقالته السليمانية، أن (الريادة) في مجال الجنون والانسلاس ينبغي أن تُسجل له ولمجموعته (اللواذقة)، بينما أعطى الأدباء المجانين المسلوسين في المحافظات الأخرى، على اختلاف مشاربهم ومناهلهم، الحقَّ في افتتاح فروع تنبثق عن الأصل اللاذقاني، وهو يرى- ضمناً- أن على هؤلاء أن يرضوا بهذا القليل من الجنون، انطلاقاً من مبدأ: شيء قليل أحسن من لا شيء!
ولأن الصفة الغالبة على المجانين المسلوسين، المحليين منهم والعالميين، هي التمتع بالحسّ الديمقراطي، والقبول بالرأي الآخر، فإنني سأوضح للأستاذ نبيل سليمان النقطتين التاليتين:
أولاً- كل مجنون (أو مسلوس) وُجد على وجه البسيطة، مهما بلغ شأنه، يمكن أن يوجد من يفوقه في الجنون (والانسلاس)، وعندنا في إدلب، على سبيل المثال، حينما تحتدم المشاجرة بين اثنين، يقول أحدهما للآخر:
- شوف ولاك، عليّ الطلاق بالتَّلاتِة، إذا كنت إنتِهْ مجنون طاق، فأنا مجنون عَشْر طوق!
فإذا رد الآخر قائلاً: (أنا مجنون أكثر منك بمية طاق!) سرعان ما تنتقل المشاجرة من مرحلة الملاسنة إلى مرحلة التبكيس والترفيس والتضارب بالشنتيانات والبْكوس الحديدية، وخذ بعدها على سيارات إسعاف وي وي، ونقّالات تحمل المصابين من السيارات إلى جناح الإسعاف، فغرف العناية المشددة، وهلمّجراً!.. ولعل هذا التّحدي السافر هو ما عبر عنه زعيم (المنفخة والتطنيب والفشخرة) في الأدب العربي عمرو بن كلثوم التغلبي حينما أنشد، في معلقته الشهيرة، مخاطباً عَمرو بنَ هند، بعد أن "سرق" سيفه، وقتله به:
ألا لا يجهلنْ أحـدٌ عليـنـا فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا!
ثانياً- إننا لا نختلف مع الأستاذ نبيل سليمان حول مسالة الريادة هكذا، من دون براهين، بل إننا سنثبت له من خلال الحكاية التالية أننا لا نقلُّ عنه وعن زملائه جنوناً وانْسلاساً، وأن الجنون لدى بعضنا موروث أباً عن جد وكابراً عن كابر:
قبل نحو مئتي سنة وفدتْ عائلة بدوية إلى إحدى البلدات بمحافظة إدلب، هاربة من قضية ثأر لقتيل، وكان لدى زعماء تلك العائلة إحساس قوي بالتفرد والتفوق أوصلهم إلى قناعة مفادها أن اختلاط أبنائهم وبناتهم بالعوائل الأخرى، عن طريق الزواج، سوف يوصل نسل العائلة إلى مأزق حضاري يجعل الأفراد المتفوقين يرجعون القهقرى حتى يصلوا إلى الحضيض، ولذلك تعارفوا فيما بينهم على أن ابن العائلة ينبغي أن يتزوج ببنت العائلة، ولا يجوز أن يخالف أحدٌ هذا العرفَ مهما كلف الأمر.
ولكن، ثبت بالدليل القاطع أن هذه النظرية (العرقية) خاطئة من الناحية الطبية، فزواج الأقارب يؤدي إلى حفظ العوامل الوراثية المتنحية (المشوّهة)، وينتج عنه، بين الحين والآخر، تخليف أولادٍ قاصرين عقلياً، يتراوحون بين مجذوب ومجنون. وحقيقة فقد كثر المجاذيب والمصاريع من تلك العائلة في أزقة البلدة، إلى حد أن أحد الأشخاص كان جالساً يتشمَّس في يوم ربيعي، رأى رجالاً من عقلاء تلك العائلة يدخلون إلى أحد البيوت، فسأل أحد المارة:
- إيش القصة؟
فقال له: سمعت أن زعيم العائلة الفلانية بدُّو يعملْ صندوق ضَمانْ لعيْلتُه.
سأله: شْلون يعني صندوق ضمان؟
قال: بدّو يْلِمّ منهم مصاري منشان الـ ..
فقاطعه قائلاً بنزق: أحسن ما يْلِمّ مصاري لعيْلتُه خلِّي يْروح ويْلمّ هالمَهابيل من الأزقة (3)
(1) كلوريد الزئبق.
(2) المسلوس: هو من فقد عقله حسب لسان العرب.
(3) بصراحة هذه القصة تروى عن آل بدلة في معرتمصرين.