هل حقَّاً طِلِعْ الفْرِنْساوي؟

د. إياد قحوش قرأها 8
 

كلما قرأت اسماً عربياً بين أسماء المرضى الذين أتعامل معهم, تشدني رغبة بالتعرف عليهم, وكثيراً ما أذهب لزيارتهم في غرفهم في المستشفى، ليس بصفة طبيب بل كزائر فقط. من الأسماء التي لفتت انتباهي ولم يحصل لي الشرف بالتعرف على أصحابها فتاةٌ اسمها الأول فلسطين وشابٌ اسمه الكامل قاهر إسرائيل.

أما المريض الذي أحدثكم عنه هنا فهو يوسف موسى. رجلٌ في الثمانينات من عمره, أُدخِل المستشفى لإصابته بذات الرئة, غير أني عرفت اسمه من قبل عندما قرأت خزعة نقيِّ عظمه قبل سنين قليلة وكان تشخيص مرضه "اللوكيميا".

في هذه المرة أُدخِل الرجل المستشفى ورأيت أنَّ من واجبي أن أستكشف هذا الرجل العربي المسنّ. عندما دخلت غرفته عرَّفتُ عن نفسي ولاحظت أنه شبه نائم فحدَّثت المرأة التي تجلس بجانبه ويبدو من هيئتها أنها مزارعة بسيطة. أجابت على أسئلتي وعرَّفتني أن هذا الرجل الممدَّد أمامنا يملك مزرعة كبيرة قريبة من الشاطئ, وأنه غير متزوج ولا أولاد له، وأنه أيضاً عاش معظم حياته في مزرعته بين الأشجار التي غرسها والبقول التي يعتني بها والخيول التي يهتم بها كعائلته، أما أهمُّ أصدقائه فهو كلبه "تنورين" .

استوقفتها هنا وسألت عن سبب التسمية فلم أجد جواباً. الا أنها أخبرتني أن هذا الكلب هو الرابع وجميعهم حملوا نفس الاسم. ثم أسهبتْ تخبرني أنها وزوجها يعملان في مزرعة هذا الرجل منذ أكثر من ثلاثين سنة. وكل ما يعرفونه أن لا أقرباء له وأنه ما شاهد تليفزيوناً قط ولا استعمل هاتفاً ولا استقبل أو أرسل بريداً خاصاً, وأنه رجل قليل الكلام, رقيق القلب, كريم النفس ومُحبٌّ جداً. ثم أخبرتني أنه لايغادر مزرعته إلا مرة واحدة في العام وذلك حوالي أواسط أيلول, اذ يصعد الجبل المجاور لمزرعته ويشعل ناراً على أعلى قمته ويقضي نهاره هناك وحيداً ثم يعود في المساء وكأنه قد وُلد من جديد.

أحسسْتُ وكأني أعرف هذا الرجل بعد هذه اللمحة السريعة عن حياته. لكني شعرت برغبة عارمة لمعرفته أكثر, واذ كان قد بدأ بفتح عينيه قليلاً, اقتربتُ منه وسألته اذا كان يريد أي شيء, فلم يلق سؤالي جواباً, عندها أخبرتني ممرضته أنه يعاني أيضاً من أعراض سكتة دماغية وأن تجاوبه بطيء.

اقتربت منه أكثر وسألته بالعربية: كيفك ياعم? فلم يجب، لكنه حرك أصابع يده اليمنى, ولما اقتربت منه أكثر أخبرتْني مرافقته المزارعة أنها ما سمعته يتكلم لغته الأصلية الا عندما يقف على قبر صغير أقامه عند طرف المزرعة.  وضعتُ يدي في يده فشدَّ قليلاً. أدركتُ أنه يريدني أن أتابع كلامي بالعربية, وهنا خطر ببالي أن أُسْمِعَهُ مقطعاً من أغنية عربية لأرى ردة فعله. لكنني احترتُ في انتقاء أغنية يستلطفها خاصة وأني أدركت من صديقته المزارعة أنه هاجر الى هذه البلاد في الأربعينات من القرن المنصرم. هل أغني لفيروز أم لوديع الصافي? .. "لا لا" .. قلت في نفسي، فهو لا يعرفهما لأنه غادر قبل عهديهما بالغناء .

وهنا تبادر لذهني أن أسأله ان كانت أصوله تعود لبلدة تنورين, فكان أن شد على يدي مرة أخرى, فسألته ثانية وأية تنورين فيهما السورية (الواقعة قرب بلدتي في وادي النصارى) أم اللبنانية؟

نظر الي طويلاً ولم يجب. كأنه لم يستوعب السؤال, أو كأن السؤال لم يعجبه. خجلتُ من نفسي متمتماً: ما أغبانا نحن أبناء هذا الجيل! كم نقسم ونفصل ونهتم بالسخافات! وما همِّي إن كان من تنورين السورية أم اللبنانية?. كدت أقول له سامحني على سؤالي لولا أنني لاحظت أنه يريدني أن أتكلم وأتكلم عن أي شيء، فما كان مني الا أن ارتجلتُ له على لحن "الأوف مشعل" الفلكلورية البيتَ التالي:

عَ الأوْف مَشْعَلْ أوفْ مَشْعَلاني ****  بْغَنِّي تاإعْقَل وعمْ بيْزيْد جْناني

مش إنْتَ الْقايِل   ****  رَحْ تِبْعَتْ رَسايِلْ

جاني عِزْرايِل    ****  وْمَكْتوبَكْ ما جاني

وبينما أنا أغني, لاحظت أن تنفُّس العمّ يوسف بدأ يُزيد من تواتره وبينما كانت يده تشد بقوة على يدي لفتت المزارعة انتباهي الى الدموع الغزيرة التي سالت من عينيه. أردتُ أن أغير الحديث شفقةً على هذا الرجل المسنّ, وأردت أن أكلّمه في السياسة, ولكن أية سياسة? الضغوطات على سوريا? أم عمَّا يجري في لبنان من جنون? أم عن التفجيرات اليومية في العراق? أو عن البؤس المخيف في فلسطين؟ ..

سألته: "أتريدني أن أحدثك عن السياسة?" .. فمد يده مشيراً أنه يريد أن يكتب شيئاً, فأتيته بجريدة وأسندتها أمامه وأمسكته قلماً فكتب: "طلع الفرنساوي؟"

يا الهي!! هذا الرجل لا يزال يعيش في أربعينات القرن الماضي .. لا يعرف أي شيء عما جرى مذ ترك تنورين، السورية أو اللبنانية, في بداية الأربعينات وكانت تحت الاحتلال الفرنسي .

الحمد لله أني لم أخبره عن إسرائيل، أظنه ما كان سيصدّقني .

طلع الفرنساوي? .. كيف أجيبه؟ ومن أين أبدأ? وما بوسعي أن أشرح في دقائق ما كتب باللحظات في السنوات الستين الماضية.

وأنا في هذه الدوامة, دخلت الممرضة واستأذنتنا بالخروج لأنها تريد أن تعطيه أدويته وأن تقوم بالاطمئنان الروتيني عليه. فاستغنمت الفرصة وودَّعتُ الرجل متمنياً له الشفاء العاجل وخرجت.

"طلع الفرنساوي?" لازالت عالقة بذهني وردَّدتُها وأنا في طريقي الى البيت.

هل أنه حقاً لا يعرف أن الفرنساوي "طلع"? أم أنه يهذي لشدة مرضه؟

أم أننا نحن نهذي اذا قلنا بأن الفرنساوي "طلع" !؟

ربما نحن لا نريده "أن يطلع".