تنكيت المجانين في أشهر الكوانين

خطيب بدلة قرأها 88
  

إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا

تجارب قصصية ميدانية

خطيب بدلة

لازمات

 ملاحظة 1:

إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء  يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!

ملاحظة 2:

نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في  مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.

  

تنكيت المجانين في أشهر الكوانين

ذات مرة، أردنا نحن المجانين، نزلاءَ العصفورية المتحدة، أن نقيم تجربة إنسانية حية، .. فحصلنا، بطرائقنا الخاصة، على إذن من إدارة العصفورية، وانتظرنا حتى هطل المطر مدراراً، وخرجنا إلى الباحة، وتوزعنا تحت المزاريب الدافقة، وذلك تطبيقاً للمثل القائل (فلان انتقل من تحت الدلف إلى تحت المزراب) الذي ينطبق على شعوب العالم الثالث المناضلة من دون استثناء. 

ثم ألقى الباحث المجنون أبو مرداس الإدلبي، والمزراب الرئيسي يتدفق فوق رأسه، محاضرةً قيمة، تحدث فيها عن التجربة العراقية الرائدة في الانتقال من تحت دلف صدام حسين أبي الجزمة، إلى تحت المزراب الأميركي أبي البوط، وقال إنه سيأتي على شعوب العالم الثالث الأخرى حينٌ من الدهر تترحم فيه على أيام الدلف والمزراب، لأن المثل الذي سينطبق عليها حينئذ هو القائل: أمامَكَ جُب ووراءك (...) فهل تتقدم أم تتأخر؟.. المشتق من بيت شعر للمتنبي يقول فيه:

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له

                   إياكَ إياكَ أن تبتل بالمــاءِ

        وأوضح المجنون الإدلبي، في متن محاضرته وصلبها وحواشيها، أن الشهرين المقصودين بكلمة (كوانين) هما كانون الأول وكانون الثاني اللذان يُعرَفان في بلاد العقلاء باسمي ديسمبر ويناير، ومنه جاء المثل الشعبي القائل (شهوات المجانين في كوانين) والمثل الآخر القائل: (في كانون كن في بيتك يا مجنون) الذي ينطوي على خطأ منهجي فادح، فالمفروض أن يقال (في كانون كن في بيتك يا عاقل) لأن المجنون لا يكنُّ في بيته سواء أكنا في كانون/ يناير، أو في آب/ أغسطس.

وبينما كان بومرداس الإدلبي يستطرد في شرح كلمة الكانون، والكانونة التي تعني المدفأة، إذ وقف زميلنا المجنون أبو عبدو الطَّشَنة وقال له:

- ولاك بو مرداس، كفاك أكل هواء وكلاماً فارغاً، انزل فأنا أريد أن ألقي نكتة.

ضحك الزملاء طويلاً قبل أن يلقي أبو عبدو نكتته، فلما سألهم، (والدهشة مستبدة بكيانه)، عن سبب ضحكهم الشديد، وقف الزميل المجنون أبو نبّيرة، وقال:

- يا طشنة، يا دب، يا كرّ، أما رأيت المخابرات الذين يحيطون بحكام العالم الثالث كيف يتصرفون؟ إنهم يعرفون أن الحاكم سيلقي خطبة، فيبدؤون بالتصفيق والهتاف والتعييش وإطلاق النار في الهواء قبل أن يفتح الحاكم فمه بكلمة، والمفروض بهم، لو كانوا منصفين، أن ينتظروا حتى يسمعوا الخطابة كلها، فإن وجدوها جيدة، صفقوا وهتفوا وعيشوا وأطلقوا النار في الهواء، وإن وجدوها سيئة سكتوا، وهذا أضعف الإيمان. إننا نشبهك- يا أيها الطشنة الغبي- بحكام العالم الثالث، فنضحكُ لنكتتك قبل أن ترويها، وفوق هذا كله لا يعجبك تصرفنا؟

ابتسم زميلنا الطَّشَنة مزهواً لتشبيهه بالحكام، وهمَّ برواية نكتته، ولكن زميلنا أبو سلمو التعلبة دفعه دفعة أوقعته على الأرض، ووقف مكانه وقال موجهاً كلامه إلينا: سأحكي أنا قصتي في الأول. (ثم للطشنة) قم ولاك طشنة. اسمع قصتي، وبعدها كُل هوا على كيفك.

قلنا: ما هي قصتك ولاك ابن التعلبة؟

قال: على أيام الرئيس السوفييتي ليونيد بريجنيف الذي مات وعاش عشر مرات، وقف أحد المُصلحين في اجتماع اللجنة المركزية وقال إنه يريد أن يطور السياحة في البلاد. فنط له أحد أصحاب العِدل العريض وقال له: غريب أمرك يا رفيق، شلون بدك تطور السياحة إذا كان السفر من البلاد ممنوع، والدخول إليها ممنوع؟

قال: نعمل سياحة داخلية.

قال الآخر: طيب سيدي، لا مانع، ولكن كيف؟

قال: نُـشَـيِّـدُ كلَّ ما يلزم للسياحة من مقاصف، ومشاتل، ومنتزهات، ومدن للألعاب وبُرَك وبحيرات وشلالات، وحتى الأماكن المشبوهة، أقصد أماكن الدعارة، التي ينشئونها في أوروبا خصيصاً لجلب السياح، يمكن أن ننشىء منها عندنا.

أخذ المسؤولون كلام هذا الشخص على محمل الجد وأنشؤوا كل الأماكن السياحية التي أوردها في سياق كلامه. ولكن السياحة لم تتطور. وبعد شهور اجتمع بهم وزير السياحة ممثلاً للرفيق الأمين العام وقال لهم: لماذا لم تنجح التجربة؟

قالوا: لا نعلم، مع أننا يا سيدي، ورحمة ستالين العظيم، لم نقصر بشيء. وقد افتتحنا مبغى لا يوجد مثله في تايوان ولا في لاس فيجاس، ومع ذلك لم نستفد بشيء.

قال: وهل وضعتم فيه نساء من الـ..؟

قالوا: طبعاً سيدي، وضعنا نساء، وأي نساء! قسماً بالله لقد وضعنا فيه رفيقاتنا اللواتي شاركن في تأسيس الحزب الشيوعي في العهد السري قبل ثورة 1917! ومع ذلك لم تتنشط السياحة!

ضحك المجانين ضحكاً لا مزيد عليه، وعاد أبو الطشنة إلى مكانه الذي أخلاه أبو سلمو التعلبة، وقال وهو ينظر بطرف عينه نحو أبي سلمو التعلبة:

- الآن صار بإمكاني أن أحكي نكتتي. وليكن بعلمكم أن نكتتي محلية وليست مستوردة. يا شباب، حينما كنت خارج العصفورية المتحدة حدثني صديق لي اسمه "نبيل" عن واحدة من دول العالم الثالث فيها أحزاب معارِضة يديرُها الحزبُ الحاكم، تشارك كلها في انتخابات البرلمان والمجالس المحلية بقائمة واحدة اسمها (قائمة الجبهة)، وهذه القائمة لا يمكن اختراقها لأن الأحزاب التي تتألف منها هي أحزاب جماهيرية ضاربة جذورها في عمق التراب الوطني!

وفي ذات مرة، ولم يكن ثمة انتخابات في البلاد، كان أحد المواطنين جالساً في بيته يتفرج على التلفاز، والتفت فجأة فوجد زوجته وبناته الثلاث قد ارتدين أجمل الثياب وسَرَّحْن شعرهن بأجمل التسريحات، ووضعن على وجوههن أجمل المكياج، فسأل زوجته عن سر هذه الاحتفالية، فقالت له إن بناته مشاركات بمسابقة انتقاء ملكة جمال المدينة، فقال لها بلا اكتراث:

- عم تتعبوا حالكن عَـ الفاضي، الظاهر ما بتعرفوا إنو الانتخابات بتفوز فيها (قائمة الجبهة)؟!     

* ** *** ** *

صدر للمؤلف

§        حكى لي الأخرس 1987

§        عودة قاسم ناصيف الحق 1989

§        الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990

§        امرأة تكسر الظهر 1994

§        وقت لطلاق الزوجة 1998

§        حادث مرور 2002

§        التداوي بالأدب 2006

كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.

رابط إلى المجموعة الكاملة