الشك
عدت إلى باريس بعد أن قضيت ثلاثة أسابيع مع أهلي في البلاد. لم أخبر زوجي بعودتي. كنت أرغب في مفاجأته، علّني أكتشف ما إذا كان، أثناء غيابي يمارس الحب مع زميلته "سارا". كان يزعجني وجود تلك المرأة في حياته، وأغار من أنوثتها وإغرائها المتطرف.
وصلت في حوالي العاشرة ليلاً. دخلت المنزل بهدوء تام. مشيت على رؤوس أصابعي نحو غرفة النوم. وقفت أرهف السمع أمام بابها، فترامى إلى مسامعي صوت سارا.
اجتاحني خوف شديد. بكل حذر تراجعت. حملت حقيبتي وخرجت هائمة على وجهي..... في شوارع باريس.
لم يكن قد بقي لديّ ما يكفي من المال لأنام في الفندق. ذهبت إلى محطة القطار. هناك أمضيت ليلتي على مقعدٍ، بلا مقابل ودون خوف.
في الصباح شربت القهوة. استعدت شيئاً من عزيمتي. أصبحت أرفض أن أبقى كالشريدة، مهانة، معذبة، بلا قيمة. عدت إلى المنزل...
هناك فوجئتُ بوجود فتاة غريبة، تقرأ في كتابي. لم تعر لقدومي اهتماما. سألتها من أنتِ؛ فلم تجب بشيء.
كنتُ منهكة إلى حدٍ جعلني غير قادرة على عمل أي شيء. وضعت حقيبتي جانباً ودخلت إلى غرفة النوم. أقفلت بابها وانطرحت على الفراش... لأغيب في نوم عميق.
استفقت بعد الظهر، فلم أجد تلك الفتاة.
أعددت القهوة. جلست أحتسيها، وأنتظر قدوم زوجي.
كنت أعيش حالة نادرة من الإنكسار والقلق والإضطراب النفسي.
لمّا عاد لم يفاجأ بوجودي. عانقني وأبدى فرحه الشديد بعودتي.
قال:
- لماذا لم تخبريني كي أستقبلك في المطار؟
قلت:
- إجلس يا عزيزي كي نتفاهم.
قال مدهوشا:
- عمّا نتفاهم؟
قلت:
- أنت تعيش على هواك، وأنا لا أحتمل ذلك. إنني أجد أنّ علاقتك بي تغيّرت منذ أن دخلت سارا حياتنا. فهل تعتقد أنها أفضل مني؟ هل أنا سيئة إلى حدّ لا يمكنك التلاؤم معي؟
أقولها بصراحة؛ هذه فرصتنا الأخيرة كي نتفاهم وإلاّ، فإنني عائدة إلى أهلي.
فأفلت الضحك وقال:
- أنا هو الرجل السيء يا عزيزتي، ولا أستحق أن أكون زوجاً لامرأة رائعة، مخلصة، محبّة مثلك.
لكنني لن أغيّر من سلوكي الرديء هذا. فإن أحببتِ أن تستمري على هذا النحو فأهلاً وسهلاً، وإلاّ فالباب مفتوح أمامك.
قلت له :
- سأقرّر غداً.
قال :
- مهلاً يا عزيزتي. أدري أنك تكرهي الإنتقاد، وترفضي أن تسمعي مسلسل الأخطاء التي تقومين بها.
لست أدري ما الذي جرى لك بعد قدومك إلى باريس. رحتِ تلاحقينني بالشبهات... تتسلطين عليّ... تحاولين اكتشاف أمورٍ لا وجود لها... تتهمينني إتهامات باطلة، وتحاولين إثارة غيرتي بقصصٍ سخيفة، وحركات مفتعلة، لا تليق بك. فهل أستحق منك هذه المعاملة؟ هذا الجفاء؟ هذه الغيرة؟ هذا القلق والإضطراب والمزاج العصبي، الذي أحياناً يصل حدّ الكراهية، فيصبح التواصل بيننا شبه معدوم.
تتعمدين استقبالي، حين أعود الى المنزل منهكاً، جائعا؛ بوجه عابس، غاضب. تهملين كل الواجبات المنزلية، حتى إعداد الطعام وغسل الملابس. والبيت يصبح مرتعا للأوساخ والقذارة. هل أنت من السذاجة لتعتقدي أنني لا أدري بما يجري من حولي.
الحقيقة يا عزيزتي أنني عندما التقيتك أول مرّة، أبهرْتِني بآرائك التي تشير إلى امرأة عاقلة، عصريّة، منفتحة، قادرة على التعاطي بحكمة مع كل المشاكل. إضافة إلى كونك امرأة مدهشة، ساحرة.
لكنك تحولتِ أخيرا إلى امرأة تحمل عاداتٍ سخيفة، وقيماً بالية، متوارثة من عصور الجهل. فهل يسرك أن تنتقمي مني بهذه الطرق المبتذلة؟
لحظتها اكتشفتُ أنني أقترفتُ حماقة كبرى بتلك المشاكسات، دون أن أقدّر شدة وقعها على نفسه. لم أعد أجرؤ على الكلام، فصمتُ. فإذا به يبتسم... يقترب مني، يقبّلني ويقول:
- أيتها المجنونة. تلك الفتاة هي أخت سارا... صماء وخرساء. وصلت ووالدا "جاك" زوج سارا في نفس الوقت. ولما كان منزل جاك صغيرا وكنت أنا مناوباً في المستشفى، رأيت أن أقدم للأختين منزلي كي تناما فيه. ألا تعلمي أنّ جاك أعزّ أصدقائي؟ أنا لا أبدّلك بالعالم كله. هل اطمأن بالك الآن؟
لم أعد أدري ما أنا فاعلة؛ غير أنني انفجرت بالبكاء.