إلى ربع مليون تلميذ على رصيف التربية!
-1-
يا أولادي الصغار،
أيها المرميون على رصيف التربية في بلادي،
لا يجيئُني النومُ الليلةَ، إن أنا ما غطَّيتُكم بلحافي، ودفَّأْتُكم بجوانحي،
يموتُ الحبُّ في قلبي،
يموتُ اللهُ في قلبي،
إن أنا ما سهرتُ معكم، يا أصحابي الصغار.
أنتم تسيطرون على تفكيري، في هذه الأيام،
أنتم في خاطري، وفي يقظة ضميري الساعةَ، كأني أنا الجاني عليكم.
والله يشهد أني بريءٌ مثلُ أَطفال،
وجبانٌ ما ليَ قلبٌ يعذبُ قلبَ عصفور.
ومشكلتي أني أعرف قصتكم المأساة، أعرف فصولها الموجعة كلّها.
وأنتم لا تعرفون عنها بعدُ شيئاً، لأنكم، يا أولادي الصغار، أولادٌ صغار،
كُتبَ عليكم، أن تكونوا، على أرصفة التربية في لبنان!
أتذكّركم الليلة، ويتحرّك أمامي مليون تلميذ في بلادي، كلّ يفتش عن مقعد له في مدرسة ما:
هذا مقعده ملكُ يديهِ بقوة الأشياء...
وهذا يبيع أبوه أرزاقه، والأساورَ الذهب،ليشتري له مقعداً، كما فعل والدي الرحيم!
وأنتم يا أولادي الصغار، مقاعدكم تدلّ عليكم، وأنتم تدلّون عليها!
على أخشابها، مكتوبة أسماؤكم، والمصيرُ المنتظر.
الدولة تسمِّي مدرستكم: المجانية.
وتسمّيكم: تلاميذ المدرسة المجانية.
أناأسمِّيها: مدرسة إجهاض المستقبل
وأسمِّيكم: الأولاد المرميينَ على رصيف التربية في لبنان!
الدولة لا تعرف عنكم أكثر من ذلك.
ولا هي تريد أن تعرف.
ومشكلتي أني أعرفكم من زمان.
ومن زمانٍ، أمرُّ على رصيفكم، أرمي عليكم سلاماتي، والفراشاتِ، وحباتِ اللوز، والسكر، وأُغطِّيكم بلحافي، وبجوانحي، وأنتم لا تشعرون،
لأنكم، يا أولادي الصغار، أولادٌ صغارْ،
وقلبي عليكم غداً إذ تكبرون!
-2-
من سنين، أنا معكم، على أرصفة التربية، في بلادي:
في حقول الجنوب، وسهل البقاع، وأزقّة بيروت القديمة،
وأنا معكم في أحياءِ طرابلس العتيقة، في بساتين الزيتون، والليمون،
معكم في قرى زغرتا، في مجاهل عكار،
في كلّ مكان ينبت الفقر في لبنان...
معكم، لأن كتب عليّ، أن أضع اليد على الجرح، ولا أسكت.
وقالوا فيَّ كلَّ الأقاويلِ زوراً.
وظنوا بيَ كلَّ الظنونِ بهتاناً.
وضربوني بالحرم الكبير...
وأنا يا أولادي الصغار، مارونيٌّ من قلب الحظيرة، أصلي، كلّ ليلة، لسيدة سبعل، وأبوس صورة العذراء مريم، و"مسبحة" والدتي العتيقة، وأردّد مع السبعلي:
تجوعْ الكنيسهْ وألفْ روما تجوعْ
ويشبعوْ هالحبهنْ يسوعْ
وذنبي الوحيد، إني شاعرٌ إنسانٌ من لبنان، هاله اغتيالُ الإنسان في لبنان،
فقام يغطيّ بلحافه ربعَ مليونٍ من التلاميذ المرميين على رصيف التربية!
الدولة تركتكم: لأنّكم لستم في حسابها شيئاً.
تخلَّت عنكم: كأنّكم لستم منها، وليست منكم!
وكان الذي كان، يا أولادي الصغار،
وكان أنّكم اليوم على أرصفة التربية في بلادي.
وكان معلموكم...
قلبي على معلّميكم الطيّبين، الحاملين إليكم، الألف-باء، على وجعٍ، وعلى المسلك الوعْر.
هؤلاء المعلّمون الراضون، بأقل من: خبزنا كفاف يومنا، وذوو المصير المجهول
ودولتنا، الدولة العناية، بألف خير!
والموجع في قصّتكم أنّكم صغار، لا تعرفون المصير المنتظر،
وإنّ الكبار يعرفون، ولا يعرفون.
وإنّ الناس، في لبنان، لا يسمعون بكم، خصوصاً في هذه الأيام، لأن كلّ واحد مشغول بمقعد لولده، وأنتم مقاعدكم لا تتغيّر، وأنتم لا تتغيّرون.
-3-
وهناك صوت ينادي بحرية اختيار المدرسة، وتكافؤ فرص التعليم!
وأنتم يا أولادي، من حسن حظكم اليوم أنكم صغار.
ولسوء حظكم أنّ عددكم قليل جداً:
ربع مليون تلميذ فقط!
لا شيء لتحريك الضمير،
وقبل أن أنام، سأغطي عددكم القليل، بقميصي، واللحاف، وأغنّي لكم، فوق الرصيف أغاني تشرين الحزينهْ.
أنتم قصيدتي الحزينهْ، وصرختي في ضمائرهم، وفي وجوههم.
ويا أولادي الصغار، لا تنسوا "مونة" الحطب. فالشتاء سيكون بارداً، وصللوا للقديسين الجدد، فالقديسون الجدد صوتهم مسموع عند الله.
يا ربع مليون تلميذ،
يا رصيداً لبيع العلم، والإنسان، في لبنان،
أيّها المرميون على رصيف التربية في بلادي،
يا أغنيةَ الرصيفِ الحزينهْ
يا أولادي الصغارْ
أنا زائرُكم الليلةَ...
وهديتي: قصيدةٌ، شالُ صوفٍ، لحافُ أمي العتيق، يغطّيكم، في مجاهلِ لبنانَ النائيهْ.
آهٍ ما أبعدَكم، عنِ العاصمةِ الممتازةِ ، بيروتْ!
ويا أولادي الصغار،
أطفالُ "كلكوتا"، واطفالُ "هرلم ستريت"، يسلّمون عليكم، زملاءِ قضيهْ،
غداً، يا من حُرمتم، طعمَ المراويل، و"الشنتات" الجديدهْ،
يا من حُرمتم رائحةَ المدرسةِ الجديدهْ
غداً إذ تكبرون، ستفهمون هذي القصيدهْ،
وشالَ الصوفِ،
ولحافَ أميِّ العتيقْ...
وتصبحون على خير!
حاشية: غداً إذا قالوا لكم، سنقفل مدارسكم، فلا تصدِّقوهم .
وصدِّقوا هذه الرسالة، المكتوبة، إليكم بوجع، وبحب.