تطور شخصية الطفل في عامه الأول

سمر غزال قرأها 5
 

كنت قد تحدثت في الحلقة الأولى التي نشرت في العدد رقم 274 تاريخ 20/12/2006 من "النور" عن "تطور الشخصية في مراحلها الأولى"، والآن أتحدث عن شخصية الطفل في عامه الأول.

لابد من الإشارة إلى أن الولادة هي الصرخة الأولى في حياة الإنسان الصغير على سطح الأرض، ليبدأ حياة جديدة يعتمد بها على نفسه، بعد أن كان يعيش في رحم أمه، الذي يقدم له كل ما يحتاج، فهو ينتقل فجأة إلى ظروف جديدة وعالم جديد.

يولد الطفل ولديه آليات فطرية لكي يستطيع أن يتكيف مع الظروف الخارجية. إننا نلاحظ أن المولود الجديد لديه ردود فعل وقائية.. مثلاً: إذا تعرض لضوء شديد أمام وجهه فإنه يغمض عينيه بشدة، وإذا تعرض لصوت قوي فإنه يصرخ بفزع. ومن بين ردود الفعل الفطرية لدى الطفل الحديث الولادة البحث عن الطعام، فعند ملامسة الشفتين والخدين، نجد أن الطفل يفتح فمه ويبحث عن الطعام.

ومن ردود الفعل الفطرية الأخرى: المصّ، فإن الطفل يمص أي شيء يدخل فمه منذ لحظة الولادة، كما نلاحظ أنه عندما تضع الأم إصبعها في كفِّ الطفل فإنه يغلق كفه على إصبعها بشدة.

وعند ملامسة أسفل القدم تثير لديه ردة فعل الارتداد، وهذه ردود الفعل الغريزية تساعد الطفل على التكيف مع الحياة الجديدة، وبمساعدة ردود الفعل الغريزية يستطيع الطفل أن يتنفس ويأكل، وتبدأ أعضاء جسمه بالعمل بشكل منتظم، وتتأقلم مع الحياة الجديدة تدريجياً.

إن الطفل في أشهره الثلاثة الأولى يكون بأشد الحاجة إلى العناية الشديدة والحريصة من الأم، لأن الطفل في هذه الفترة يكون عاجزاً تماماً وبحاجة إلى تلبية حاجاته العضوية لكي يبقى على قيد الحياة.

إن حاسَّتَي السّمع والبصر تعملان منذ لحظة الولادة، ولكن عملهما غير متقن، ويبدأ البصر والسمع يتحسن في الأشهر الأولى، يبدأ الطفل يتتبع بعينيه الأشياء المتحركة، وبعد ذلك يبدأ يركز النظر في وجه أمه، ويبدأ يميز الوجه المألوف والمعروف لديه. وعندما يلاطفه الوالدان يبتسم رداً على الكلمات اللطيفة، كما يميز أصواتاً وروائح متنوعة، ويجذب الطفل الغناء بصوت هادئ، ما يجعله يكف عن الصراخ والاضطراب.

وهنا نتذكر جدَّاتنا وأمَّهاتنا وهنّ يهدهدْن للأطفال (أي تغني الجدة أو الأم أغاني تراثية مثل: يالله ينام.. ريما تنام.. إلخ".

وعند تطور حاسَّتَي السَّمع والبصر، يبدأ الطفل يتلقى الانطباعات الخارجية مما يؤدي إلى تطوره النفسي، وهنا يجب على الأم أن تقوم بتنظيم تطور الإدراك لدى الطفل، وأن تؤمن له حافزاً حسياً.

يقول العلماء: "إن تطور عمل جهازي السَّمع والبصر يساعد على نضوج الجهاز العصبي لدى الطفل ودماغه بالدرجة الأولى". إن وزن دماغ المولود يشكل ربع وزن دماغ إنسان راشد، إلا أن خلايا دماغ الطفل غير متطورة بصورة كافية، ورغم ذلك فإن تكوّن المنعكسات المشروطة يتبدى أمراً ممكناً تماماً منذ فترة الولادة.

وهذا يشكل دلالة على أن الأقسام العليا للدماغ تساهم في إقامة روابط الطفل مع العالم الخارجي، ومنذ الأيام الأولى من العمر يبدأ وزن الدماغ ينمو بسرعة، وتنمو الألياف العصبية وتتغطى بغلافات دماغية، ولدى ذلك تتكون بصوة سريعة خاصة تلك الأقسام المرتبطة بتلقي انطباعات خارجية، ففي غضون أسبوعين تزداد مقدار واحد ونصف مرة المساحة التي تشغلها المجالات البصرية في الدماغ. ولكن لا يتم نضوج الدماغ إلا بتمرين أعضاء الحواس السمعية والبصرية. إذا تلقى الطفل كمية كافية من الانطباعات الخارجية يتطور لديه التركيز البصري والسمعي. وقد دلت الأبحاث على أنه إذا وقع الطفل في ظروف العزلة الحسية فإن تطوره يتباطأ تباطؤاً شديداً، والعكس صحيح. وهنا تكون الأم هي التي تنظم هذه الانطباعات عندما تقوم بمحادثته وتقترب منه وتبتسم في وجهه، كما تساعده في تحريك يديه ورجليه، وبهذا تنشط ردود الفعل الحركية لديه. ويبدأ الطفل شيئاً فشيئاً يتجاوب مع أمه عندما تحدثه فيبدأ بحركات تعبر عن سعادته عندما يرى أمه وهي تقترب منه وتحدثه وتطلق أصواتاً لطيفة.

فالطفل بحاجة إلى الاتصال الجسدي، أو كما يسميها العالم الأمريكي هارلوو بـ"السلوى بالاتصال". إن الطفل يشعر بالحاجة إلى الملامسة، ويهدأ الطفل إذا أخذته أمه بين ذراعيها وضمته إلى صدرها. وقد بين العالم النفسي هارلوو في أبحاثه أن الأطفال الذين لم يحظوا بـ"سلوى الاتصال" قد شبوا مصابين بعيب أو نقص، وتأخروا في تطورهم.

فعندما تضم الأم طفلها إلى صدرها يشعر الطفل بالأمن والاطمئنان والحماية، ويتطور لديه شعور ارتياح عاطفي، وثقة بالنفس، وهذا يكون أساس للشخصية المقبلة.

تبين الأبحاث أن المواليد يختلفون بعضهم عن بعض بدرجة النشاط حيال العالم الخارجي، وبالحساسية حيال مختلف التهيجات، وبالمزاج وبطابع ردود الفعل العاطفية. وفي منتصف عامه الأول يبدأ الطفل يميز الأقرباء عن الغرباء، الشخص المعروف لديه يثير الفرح في نفسه، والشخص غير المعروف قد يخافه. وفي هذه المرحلة يعتاد الطفل أن تكون أمه معه دائماً، ويبكي إذا تركته وحيداً ولو لعدة دقائق، لذلك على الأم أن تبدأ تدريجياً بتقديم الألعاب والأشياء التي يتسلى بها ويكتشفها بنفسه، ويعرف كيف يتعامل معها، مما يساعده على تطوير حركاته وشيئاً فشيئاً يبدأ يشغل نفسه بتشكيل أشياء جديدة من ألعابه وعندما يقوم أفراد الأسرة باللعب مع الطفل ومحادثته وتعليمه أسماء الأشياء وأشكالها وألوانها يبدأ الطفل بتقليد الكبار ومحاولة النطق، ويردد مقاطع صوتية مختلفة ويردد أحرفاً ويكررها عدة مرات، مما يبعث السرور في نفسه. وبهذه المحاولة من التكرار في النطق يتحسن استعمال الشفتين واللسان والتنفس تدريجياً.

إن عملية تلقين الأطفال فهم الكلام قائمة على التقبل البصري، فمثلاً تقوم الأم بطرح الأسئلة على الطفل ليبحث عن شيء ما في الغرفة، فيقوم الطفل ليدل عليه، ومع تكرار الأسئلة المختلفة، يبدأ الطفل يتعلم ويتعرف على أسماء أشياء كثيرة. وفي نهاية عامه الأول تصبح لدى الطفل قدرة كبيرة على التقليد، وبمساعدة الوالدين والعلاقات الطيبة يتعرف الطفل أكثر على العالم المحيط به. وفي هذ المرحلة يجب أن نعلم الطفل أن هناك سلوكاً جيداً نشجعه على ممارسته وأننا راضون عنه. وكذلك يجب إشعار الطفل بعدم الرضا إذا تصرف تصرفاً غير جيد، وبفضل ذلك يتعلم الطفل تدريجياً السلوك الجيد والعادات الإيجابية.

وهكذا نجد أن الطفل في نهاية عامه الأول قد نشأت لديه أشكال أولية للإدراك والتفكير يتيح له التعرف على هذا العالم، ويكون المقدمة الضرورية للانتقال إلى استيعاب مختلف أنواع الخبرة الاجتماعية.

عن صحيفة النور

تطور الشخصية في مراحلها الأولى

سمر غزال