تطور الشخصية في مراحلها الأولى

سمر غزال قرأها 7
  

جميع الأهل يريدون أن يعرفوا الطرق السليمة التي يربون بها أطفالهم، وهذا نابع بالطبع من المحبة لهم، ويرغبون أن يروا أولادهم يكبرون أمامهم وينتقلون من مرحلة إلى أخرى بشكل طبيعي، وأن يواجهوا حياتهم ومستقبلهم بكثير من الفرح والنجاح، كما يسعى الأهل إلى بذل كل ما يستطيعون لكي يتطور في طفلهم أفضل الخصال والصفات التي يمكن أن توجد في الإنسان. وأنا واحدة من هؤلاء الناس الذين اهتموا وقرؤوا عن الطرق السليمة والصحيحة لتربية الأطفال، لكي أستطيع أن أفهم تصرفات الطفل الصعبة التفسير أحياناً، وآفاق تطوره وتدارك نشوء سمات غير مرغوب فيها. وهنا سوف أحاول بكل تواضع أن أساهم في الكتابة ولعدة حلقات حول هذا الموضوع على صفحات جريدة "النور" ملخصة ما قرأته من كتب ومراجع، وما كسبته من تجربتي الشخصية كأم، مستخلصة أهم الاستنتاجات، لعلّي أستطيع أن أقدم لأخواتي الأمهات الشابات بعض المعلومات. وأبدأ بأول مرحلة من مراحل نشأة الشخصية وتكوينها.

لقد أثبت علم النفس أن الطفل هو قبل كل شيء كائن ذاتي التطور وذاتي التكامل، لذا فهو كائن فريد. تدخل في تكوين شخصيته وتطويرها عوامل عديدة منها: الخصائص الوراثية والميزات الفطرية للجسم (وبالدرجة الأولى تركيب الدماغ وعمله)، والوضع الاجتماعي الذي يوجد فيه الطفل وغيرها. جميعنا يعلم أن تركيب الجسم ووظائفه يتلقاها الطفل من آبائه وأجداده بالوراثة. وبالولادة يملك الطفل جهازاً عصبياً بشرياً ودماغاً قادراً على التطور منذ لحظة الولادة، وهذه من أهم ميزات الدماغ البشري التي تميزه عن دماغ الحيوانات. فلدى الحيوانات يكون قسم كبير من المادة الدماغية قد أصبح "مشغولاً" عند لحظة الولادة، ففيه مثبة آليات الغرائز، أي أشكال السلوك المنقولة بالوراثة، أما عند الطفل، فإن قسماً هاماً من الدماغ يكون "نقياً" مستعداً لاستقبال وتثبيت ما تعطيه إياه الحياة والتربية. ويتوقف تطور دماغ الطفل على الظروف التي يجري فيها تطوره، فالطفل يتطور عن طريق خبرات الأجيال المتوارثة من جيل إلى آخر، لذلك نجد أن كل جيل جديد يحمل خبرات متطورة أكثر من الجيل الذي قبله من علم وثقافة وتكنولوجيا، مما يساعده في الاشتراك وتطوير ما حصل عليه من معلومات سابقيه. وهكذا يكون التطور مستمراً. وهذا التطور لدى الطفل يكون تدريجياً حسب مرحلته العمرية لكي يستطيع أن يستوعب الخبرات الاجتماعية من المعارف والمهارات والصفات النفسية الملازمة لطبيعة الإنسان. وهذا ما سماه العلماء بـ"الوراثة الاجتماعية" ومع هذا الطفل لا يستطيع أن يتطور إلا بمساعدة وإشراف الأهل ومخالطة الكبار. أثناء فترة الطفولة يجري نضوج مكثف لجسم الطفل، ولا سيما نضوج جهازه العصبي والدماغ. وفي السبع السنوات الأولى من العمر تزداد كتلة الدماغ ثلاث مرات ونصف، وتكتمل وظائفه. وعندما ينضج الدماغ تزداد إمكانات استيعاب مختلف الأعمال وترتفع القدرة على العمل لدى الطفل، لذلك في هذه الفترة يجب أن نؤمن للطفل شروط التربية التي تساعده على تنشيط الدماغ، وقد أثبت العلماء علمياً أن "أقسام الدماغ التي لا تتمرن تتوقف عن النضوج بصورة طبيعية، ويمكن أن تصاب بالضمور" وهذا يظهر بوضوح في مراحل التطور المبكرة، إذ نجد أن الأطفال الذين منذ من الولادة من التربية الفردية، يتخلفون تخلفاً حاداً في تطورهم رغم التغذية الجيدة، ولا تتكون لديهم حركات ولا يبدأ النطق في الوقت المناسب. لذلك نجد من المفيد جداً أن نهتم بتربية أطفالنا تربية فردية، أي أن يكون لكل طفل شخص راشد "أي أحد الوالدين أو كلاهما" للإشراف الجدي، فيقوم بالتحدث إليه واللعب معه وتقديم الأشياء التي تساعده في التطور، من حيث تطور الحركة والسمع ودقة الملاحظة والنطق وتطور التفكير لديه.

يجري تطور الأطفال النفسي بصورة غير منتظمة، نلاحظ أن هناك فترات تغيرات بطيئة نسبياً، إذ يحافظ الطفل على مستوى معين من التطور، وفترات تغيرات أشد حدة بكثير، تغيرات بقفزات، وهذا يعود إلى تلاشي السمات النفسية القديمة وظهور سمات جديدة تجعل الطفل أحياناً متغيراً تماماً، بحيث يصعب على ذويه معرفته. إن هذه التحولات القفزية يسميها العلماء بـ"أزمات التطور"، وهذه الأزمات تقسم إلى ثلاث مراحل عمرية: سن الرضاعة "العام الأول"، الطفولة المبكرة "من عام إلى ثلاث أعوام"، الطفولة ما قبل المدرسة "من ثلاثة إلى سبع أعوام". وعندما ينتقل الطفل من مرحلة إلى أخرى، يشعر بإمكاناته الجديدة، ويفقد الاهتمام بنشاطه الذي كان يجذبه منذ وقت قصير، ويأخذ يسعى إلى علاقات متبادلة مع الكبار، ويصبح القديم لا يعجبه والجديد يجهله، وهنا تظهر بعض المتاعب في تربية الطفل. يصبح الطفل عنيداً ويتخذ موقفاً سلبياً تجاه الكبار. هنا على الأهل أن يغيروا موقفهم من الطفل وإعطاؤه مزيداً من الاستقلالية والاعتراف بإمكاناته المتنامية، وتقديم كل ما هو جديد من الأنشطة التي تمكنه من تحقيق ذاته. ومن الأفضل تعليم الأطفال لا بشكل عفوي، بل بصورة عقلانية، هادفة. ومن الضروري لأجل ذلك معرفة كيفية الترابط بين التعلّم والتطور، ومعرفة ماذا وكيف ينبغي تعليم الطفل في مختلف مراحل الطفولة.

في هذه الحلقة حاولت أن أعطي مقدمة عن عوامل تطور نفسية الطفل وتكوّن شخصيته. في الحلقات القادمة سوف أبدأ بتناول مراحل تطور الطفل حسب تسلسله العمري.

النور