تدخين المجانين بشتَّى الأفانين – قصَّة قصيرة

خطيب بدلة قرأها 87
  

إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا

تجارب قصصية ميدانية

خطيب بدلة

لازمات

 ملاحظة 1:

إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء  يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!

ملاحظة 2:

نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في  مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.

  

تدخين المجانين بشتَّى الأفانين

لا شك بأن أهم الهوايات التي نمارسها نحن المجانين، في الاستراحة اليومية للعصفورية، هي التدخين. وكثيراً ما نتفنن في إشعال السجائر، والشفط منها بقوة، وإخراج سحائب الدخان من الفم والأنف، وإرسالها في الهواء على هيئة دوائر، وأحياناً يقوم أحد الزملاء بربط ثلاث أو أربع سجائر بخيط من المطاط، وإشعالها، والشفط منها مراهناً على تدخينها كلها دون سعال أو عطاس أو إصدار أية أصوات أخرى!  

وذات يوم، وبينما نحن جالسون في الاستراحة، وسحائب الدخان تتصاعد فوقنا كالغمام، إذ دخل بيننا نزيل جديد، قدمنا له سيجارة، وهو اعتذر عنها، .. فانهالت عليه الشتائم والبهادل، وأقل جملة قيلت له: 

-   دخن يا عكروت!

-   دخن، ماذا ستترك للدود ولاه؟

انتظر الزميل حتى هدأت ثورتنا وقال:

-   أقسم بـ (شَفَطْ بفّ) شيخ المجانين، وبـ (سعل قحّ) ولي المهابيل، على أنني كنت أكثر منكم تدخيناً، ولكن التدخين، سامحه الله، سبب لي، خلال السنوات الخمس والثلاثين التي رافقتُه خلالها، ما لا يُحصى من المشاكل والمخاطر، لا أقصد الصحية فقط، بل الاجتماعية والسياسية والأمنية،.. منها أنني، طوال خدمتي الوظيفية، لم أخرج في مُسَيَّرة جماهيرية (عفوية / مخطط لها / طوعية / إجبارية)، وإذا خرجت فإنني لا أسير فيها لمسافة تتراوح بين عشر خطوات، وعشرين خطوة، حتى أشعر بالدوار، و(يطوشُ) رأسي على سيجارة، فأتقاعس في تأدية واجبي في تأييد القادة التاريخيين، واستنكار التآمر عليهم من قبل المعارضة والطابور الخامس، وشجب العدوانين الأمريكي الإسرائيلي الدائمين على شعبنا،.. وأغافلُ الشباب (الثَّوْرَجيّة) ذوي الطباع الحادة، الذين ينطبق على الواحد منهم التعبيرُ العامي القائل (فلان نزق، وطبعه نيراني، يده والتقرير!)، وأهرب من المُسَيَّرة، وأقفل عائداً إلى مكان عملي الوظيفي، حيث أجهّز لنفسي، أبريقاً من الشاي الخمير مملوءاً إلى حد أن الذبابة تستطيع أن تقف على حافته العليا وتشرب منه دون أن تحني ظهرها!.. وأظل أشرب الشاي وأدخن (السيجارة بكتف السيجارة).. حتى يرجع المُسَيَّرون النظاميون من مُسَيَّرتهم، عَرَقُهم مَرَقُهم، فأرى أعينَهم تهرِّبُ نظراتها باتجاهي، وكأنهم، في سرائرهم، يغبطونني على جسارتي الزائدة عن الحد التي خولتني بالهرب،.. وأما مديرُ الدائرة، الذي كان قد تبلَّغَ، قبل أيام، بأمر المُسَيَّرة (العفوية)، وتعهد لمن أبلغه بإخراج موظفيه فيها، على مسؤوليته، فتسألني نظراتُه عن سبب وجودي هنا في هذا الوقت، واضعاً إياه في مأزق حرج أمام الجهات الـ ،.. ووقتها تراني أسهبُ وأطنبُ وأستفيضُ في ذكر العلل والبلاوي الزرقاء التي تستوطن جسدي، وتمنعني-لحاها الله- من تأدية واجباتي القومية، وأهم هذه العلل، بلا شك، تنكس المفصل الحرقفي الفخذي المزمن الذي أعاني منه ويحُولُ- كما تعلمون- بين  المرء وبين المشي الطويل والهتاف بصوت عالٍ ضد الغزاة، والمستعمرين، وضد المتآمرين الداخليين الذين يطالبون بإلغاء الأحكام العرفية التي نستمد منها صمودنا ومناعتنا، وتمنع المرءَ- أقصد العلل والبلاوي- من الإمساك برأس الدبكة، أضف إلى ذلك أن التدخين المتواصل يجعل القلب يخفق، والأنفاس تتلاحق لأقل مجهود يبذله الإنسان، فما بالكم بالدبكة التي تتطلب القفز في الهواء ودق القدم بالأرض!!           

ومن المشاكل التي سببها لي التدخين، أيام كنت أدخن، هو أنني لا أستطيع حضور المهرجانات الخطابية التي من شأنها تثقيف المواطن وتحصينه ضد المؤامرات الداخلية والخارجية، وحمايته من الأفكار الهدامة وأهمها الديمقراطية (خرابة البيوت العامرة).. ، فإذا ما حضرت تراني أجلس بقرب الباب، ممسكاً بالسيجارة بيد وبالقداحة باليد الأخرى، وحين يحتدم التصفيق لا أستطيعه، فإن فعلت انكسرت السيجارة وخسرت متعتها المقبلة.   

قلنا لزميلنا الجديد: هذا ما كان في الخارج، أما وقد استعدت حريتك بدخولك العصفورية، أفلا تجبر خاطرنا بسيجارة؟

فقال بحماس: بل اربطوا لي خمس سجائر بمطاطة!

ربطناها وقدمناها له، فأشعلها وأرانا كيف يمكن للمرء، إذا أراد، أن يخرجَ الدخانَ من مكان آخر في الجسم غير الفم والأنف!!

* ** *** ** *

صدر للمؤلف

§        حكى لي الأخرس 1987

§        عودة قاسم ناصيف الحق 1989

§        الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990

§        امرأة تكسر الظهر 1994

§        وقت لطلاق الزوجة 1998

§        حادث مرور 2002

§        التداوي بالأدب 2006

كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.

رابط إلى المجموعة الكاملة