نقد أدبي (عجبي!)

خطيب بدلة قرأها 99
 

إذا تسلمتَ العدد (1035- 16/12/2006) من صحيفة (الأسبوع الأدبي) التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب، ويديرها الصديقان المبدعان عبد القادر الحصني ووليد معماري، ونظرتَ إلى الصفحة الأولى، فستجد في أعلاها من جهة اليمين العنوانَ الرئيسي التالي:

(علي عقلة عرسان والرسم بالكلمات- ص 7).

وأنت تعرف، بالطبع، أن العنوان الذي يوضع في مكان بارز كهذا يكون مخصصاً، في العادة، للمقالات المهمة والمثيرة. لذلك ستتجه رأساً إلى الصفحة السابعة لتجد: مقالةً نقدية تتناول الأعمال الشعرية الكاملة للدكتور علي عقلة عرسان، كُتِبَتْ بقلم الناقد الدكتور فاخر صالح ميّا. وسوف تبادر إلى قراءتها من دون تردد لأن كلمة (دكتور) التي تسبق اسم الناقد ستزيدك اطمئناناً إلى أنك ستكون حيال نقد أكاديمي موضوعي ومتخصص.
وسيزيد في طين اطمئنانك بلَّةً أن الناقد الدكتور فاخر صالح ميَّا يفتتح مقالته بقول لتشيرنيفسكي هو: (الفن تفكير بالصور)، يعقبه استشهاد ببيت للجواهري يقول:

وأركبُ الهولَ في ريعـانِ مأمنِهِ حبُّ الحياةِ بحبِّ الموتِ يُغريني

وهو لا يذهب إلى ذكر اسم الشاعر مباشرة، بل يصطلح على تسميته (شاعر العراق)، ويضع حاشية تشير إلى أنه الجواهري. وأنت ستتساهل معه في إهمال عشرات الشعراء الذين تليق بهم تسمية (شاعر العراق)، كما تليق بالجواهري وأكثر، (السياب مثلاً)،.. لأنك تتوق إلى معرفة النتيجة التي سيصل إليها الناقد من وراء مقدمته، فإذا به يقول (ودعْني أنقل لك عبارته حرفياً لئلا يظن أحدٌ أنني متحامل على الناقد أو على المنقود):

"إن حب الحياة عند الشاعر علي عقلة عرسان هو الذي يبقى وحده سليماً لا يتطرق إليه الفساد ولا ينطق محيَّاه قط أقوى مما ينطق من عالم الموت، في هذه القطبية يرغب عرسان بالوصول إلى عالم الأحلام والخيالات التي تتشكل من رموز الواقع وأزمات الفلاح على نحو متزايد إلى جثة وجحيم وكأنه اجتثَّ من جذوره وليس له إلا الألم والحزن على مدى التاريخ كله".

بعد قليل من هذه الأحجية الافتتاحية يسارع الناقد الدكتور فاخر ميَّا إلى أخذ مقطع من شعر الدكتور عرسان، هو التالي:

انظرْ بنيَّ كــآبتي

اذكرْ جهودي، ذلَّتـي

فأر المدينة في زوايا الـدار

ثم يهب ليعرض علينا اكتشافاته النقدية التي استخلصها من المقطع، وهي التالية، حرفياً:

"إن هدف الشاعر عرسان إنما كان ليعرض للشقاء البشري الذي لا مبرِّر له، ويعرِّي الظّلم الواقع في الدنيا، فلو كان العدل يسود المجتمع لزال منه كل شقاء بشري، لكن البناء الاجتماعي غير عادل، ولا سيما في توزيع الثروة، لذلك فإن الشقاء منتشر بين الناس وإن أبناءه غرقى بالدموع حتى أعمق نواة فيها، في هذا الشعور المستمر تغدو الحياة موسماً للرعب" !.

ويعرض لنا الناقد مقطعاً آخر من شعر الدكتور عرسان هو التالي:

وليصدح صوت الفرح الأكبر

تحيا الشام لنحيا

تحيا الشام لنحيا

تحيا الشام لنحيا

نحن التاريخ الـ (يغمر) أرض الشام عطاء

ويعلق على هذا المقطع قائلاً:

"إنه الإنسان في وثباته القصيرة مثل وثبات النمر، يتسم بالحركة الدائمة واللهب الرقيق، ليس فيه هستيريا الخوف، وهو الإنسان الطليق الصافي، أسمى صور الحياة، وهنا يكمن بُعْدُ الشاعر النفسي ليتّحد مع الطبيعة، مع الأشياء اللامتناهية، وهو يحمل على عاتقه كل الآلام من أجل معنى الحياة.

ملاحظة أولى: لا داعي للاسترسال في ضرب الأمثلة الدالة على أن هذه المقالة عامرة بالعبارات غير المفهومة، كقوله في أحد المقاطع مثلاً: (من هذه الصورةتسري شعلة الشعور مع أشد الآلام حرقة)، وفي موضع آخر (إن الانجذاب الخفي للشاعريبحث عن العمق الخاص، وشيئاً فشيئاً يصل إلى الحل بروح صلبة وجرأة لا يهاب بريقالأشياء وهو الأعزل ليس في يده سلاح إلا نقاؤه).

ملاحظة ثانية: أقول بصدق إنني لا ألوم السيد الدكتور فاخر ميّا على ما كتبه، وإن كونه لا يعرف شيئاً من ألفباء النقد، برأيي، لا يعيبه، ولكن السؤال الذي يُطرَح بقوة هو: مَن هو المسؤول عن إجازة مقالة كهذه للنشر؟ هل هما الصديقان الحصني ومعماري، وكلاهما معروف بجديته وحديته تجاه الكتابات الضعيفة، أم هيئة التحرير، وفيها بعض الأسماء الهامة أيضاً، كعلاء عبد المولى، وسعد الدين كليب؟ وأنا أستبعد نهائياً أن تكون للمدير المسؤول الدكتور حسين جمعة أية علاقة بنشر مقالة كهذه، لأنه في العادة لا يتدخل بعمل الصحيفة إلا في حالات خاصة معروفة.

ملاحظة ثالثة: وأستبعد أيضاً أن يكون المنطق الذي ساعد على نشر هذه المقالة هو أن طاقم رئاسة الاتحاد الحالية (الرئيس وأعضاء المكتب التنفيذي)، يريدون أن يثبتوا للطاقم القديم أنهم ديمقراطيون أكثر مما ينبغي، بدليل أنهم ماضون بنشر المقالات والدراسات النقدية الهابطة التي كانت تملأ صفحات هذه الجريدة على مدى أكثر من ربع قرن.

ملاحظة رابعة: في كل الأحوال فإنني والقراء الذين تهمُّهم جريدة (الأسبوع الأدبي) ينتظرون توضيحاً من إدارتها بهذا الشأن.

صحيفة النور – العدد 276 – 10 ك2 2007