الأغنية الشعبية في الجزيرة السورية
شاعت في الجزيرة السورية أسوة بباقي المحافظات ألوان من الغناء خاصة بها, وأبرز هذه الألوان هو اللون الشعبي (نسبة إلى الشعب) الذي مسَّ الوتر الحساس في ضمير الناس وانتشر فيه انتشار النار في الهشيم واللحن في تميم. وكانت البداية - كما هو معلوم - مع معلقة (على دلعونا) التاريخية الشهيرة مصحوبة بحلقات الدبكة التي لا يشق لها غبار، وعزيف الربابة الذي يغني عن حبوب الفاليوم ويستدعي إلى الذهن معارك بطيحان النذل مع حسن راعي الشهبة.
وكان من أمر هذا الغناء أن تطور كما يتطور كل شيء، وأفرز عدداً من الأسماء اللامعة فرضت نفسها على الساحة وفي كل مطعمٍ واستراحة، واخترقت أسماع الناس وأكبادهم، حتى تأسست في الجزيرة بعد حين من الدهر عدة مدارس فنية ناهزت عدد المطربين أي بمعدل مدرسة لكل مطرب، ومطرب لكل مدرسة.
ومن تلك المدارس: المدرسة الجاروشية، المدرسة الواقواقية، المدرسة الثورية، المدرسة الموائية، المدرسة الكلبية (تيمناً بالمدرسة الكلبية وصاحبها ديوجينيوس الإغريقي)، التي تميزت إضافة إلى تعددها وكثرتها بميزة الشمولية الفنية، إذ إن المطرب (بتاع كلو) كما يقال في مصر: يوحى له بالكلام فيكتبه وينقحه ويلحنه ويوزعه، ثم يغنيه ويذيعه دون أن يشعر بأدنى حد من تأنيب الضمير.
عندنا على سبيل المثال المطرب الكبير (ع. س) صاحب الشهرة العريضة التي تبهت أمامها شهرة نابليون قبل واترلو، وتخفت إزاءها شعبية عبد الناصر بعد ثورة يوليو. يغني في الصباح فيملأ كاسيتاً يملأ الدنيا ويشغل الناس ويصبح على كل شفة ولسان, ثم لا يلبث بعد أن يفيق من قيلولته فيتمطى ويردف أعجازاً وينوء بكلكل، فيكتشف أنه مقصِّر تجاه جمهوره الحبيب الذي ينتظر إبداعاته على أحر من الجمرة الخبيثة ليعبّ من فنه عباً ويكرع كرعاً. ولا ينقضي أذان المغرب إلا ويكون الله قد فتح عليه من فيوضاته (ألحاناً وكلماتٍ) ما يملأ كاسيتاً جديداً بعدد من الأغنيات العجيبة بعضها أشبه ببعض من البعرة بالبعرة.
وقد نعذره على هذا النشاط المفرط إذا علمنا أن منافسه الخطير (ح.ح) واقف له بالمرصاد, وهو وإن كان يصغره سناً إلا إنه يجاريه في المستوى الفني, يتحين له المزالق ويتربص به في الأعراس ويذكره بالسوء في مجالسه وأغانيه وخاصةً بعد صدور أغنيته الفضائية الشهيرة التي يقول في مطلعها: (لا لا تضربني بأشعة اللايزر... كنك ساسوكي أنا غرندايزر. فهما والحال هذه أشبه ما يكونان بـ (جرير والفرزدق) في نقائضهما التي خلَّدتها كتبُ الأدب وجرت على ألسنة العجم والعرب. ولكل منهما نكهته الخاصة وله أنصاره وعشاقه المنتشرون على ضفاف الخابور, ويحتفظ كل منهما بمواقعه الدفاعية والهجومية. والقاسم المشترك الرئيسي بينهما هو أنهما يعالجان في أغانيهما جميع المواضيع الشعبية الساخنة التي يسكت عنها التلفزيون الرسمي ولا تتكلم عنها الصحف السيارة، وحتى الإذاعة السورية تربأ بنفسها عنها. فمن جملة تلك المواضيع على سبيل المثال لا الحصر (العسكري وحاله عند انقضاء إجازته) و(اللقاءات العذرية وغير العذرية بين الشباب والبنات في قرانا غير المكهربة) و(تأثير الستالايت والموبايل ودورهما في إبراز الفوارق الطبقية بين الحبيب والحبيبة) و(وقوف الشباب وحداناً وزرافات أمام مدارس البنات ظهراً)، إضافة إلى (تذاكر أسماء العشائر والقبائل المحلية والمفاخرة بها جميعاً وتفصيل ميزاتها ومناقبها). وكل ذلك بألحانٍ تعبيرية موحية تكاد تنطق بالمعنى حتى لذلك الذي لا يفهم الكلام. ناهيك بالقفشات والنكات التي تتخلل الأغنية من قبل المطرب من ماركة (أعطيني سيكارة أبوس ربك) على مقام الحجاز، و(ألف تحية وتحية وخمس مية محروقة لشباب الجنائية) على مقام الصرخة الطرزانية. من نافل القول - وأنا في غاية الجدية هنا - أن مواضيع حساسة كهذه تمس الوجدان الشعبي في الصميم، وتزنق نزار قباني وأحمد رامي وإبراهيم ناجي ومن لفَّ لفهم في خانة اليك, وتجعلك تترحم ألف مرة على (سلامتها أم حسن) و(السح الدح إمبو) لصاحبها أحمد عدوية - أطال الله عمره - باعتباره مؤسس المدرسة العدوية (نسبة إلى العدوى).
النور