مي زيادة .. تمر ذكراها بصمت

ابراهيم فرحان خليل قرأها 5
 

في التاسع عشر من شهر تشرين الأول من كل عام تمر الذكرى السنوية لرحيل واحدة من نابغات النساء عن عالمنا ذكرى انطفاء لؤلؤة بكر زيَّنت تاج الأدب العربي في عصره الذهبي الحديث بصالونها الأدبي الشهير الذي عرف باسمها, إنها الآنسة (ماري زيادة) أو (مي زيادة) أو (كنار الشرق) أو (الآنسة صهباء)، أو هي كل تلك الألقاب والأسماء الكثيرة التي أطلقت عليها خلال حياتها مجتمعةً.

ولدت مي في مدينة الناصرة بفلسطين سنة 1886، وفي بعض الروايات 1895. وكانت والدتها (نزهة معمر) من مدينة فلسطينية أخرى هي الجليل، فيما كان والدها (إلياس زخور زيادة) اللبناني من قرية - شحتول - الصغيرة في قضاء كسروان يعمل مدرساً في مدرسة - الأرض المقدسة - في الناصرة. لكنه لم يكن راضياً بتلك الحياة الخاملة ما دفعه إلى أن يقرر بعد فترةٍ الانتقال إلى القاهرة - مركز الإشعاع الأدبي في ذلك الحين،  مع زوجته ووحيدته مي لعله يحظى بمدخول أوفر من الراتب الذي يدره عليه التعليم، وحيث يمكنه كذلك ممارسة الصحافة إلى جانب عمله في التدريس. وهكذا انتقلت الأسرة إلى القاهرة سنة 1908 حيث استطاع الأب إصدار صحيفة سميت بـ (المحروسة) وعمل فيها مدة طويلة. كتبت مي بعد ذلك تشتاق إلى الناصرة مسقط رأسها: (إيه يا ناصرة.. لن أنساكِ ما دمتُ حيَّة، سأعيش دوماً تلك الهنيهات العذبة التي قضيتها في كنف منازلك الصامتة, سأحفظ في نفسي الفتية ذكرى هتافات قلبي وخلجات أعماقي. (لم تلبث الساحرة الشامية الصغيرة أن سحرت المصريين وأخافتهم في الوقت نفسه بسعة إطلاعها ووفرة معارفها وطلاوة أسلوبها، حتى تغلغلت في الوجدان المصري والعربي بكتاباتها الأصيلة وآرائها الجريئة. وافتتحت صالوناً أدبياً في منزلها بالقاهرة عرف بصالون مي، استوحت فكرته من الصالونات الأدبية الرائجة في أوربا آنذاك. وكان يؤم صالون مي أصيل كل ثلاثاء جمع غفير من الطبقة التي كان يعدها سعد زغلول طبقة النخبة من أمثال: لطفي السيد, شبلي شميِّل, عباس محمود العقاد, طه حسين، إبراهيم المازني, إسماعيل صبري, مصطفى صادق الرافعي, هدى شعراوي، يعقوب صروف.. وغير هؤلاء كثير كانوا جميعاً عشاق مي الذين لا يطمعون من مي بأكثر من رؤية وجهها وسماع حديثها العذب. وفي ذلك يقول إسماعيل صبري:

روحي على بعضِ دورِ الحيِّ حائمة          كظامئ الطيرِ حوّاماً على الماء

إن لم أُمتـِّعْ بميٍّ ناظــريَّ غـداً          أنكرتُ صبحَكَ يـايومَ الثلاثاءِ

كانت ميّ كما وصفها سلامة موسى فأبدع في وصفها (مستديرة الوجه, زجَّاء الحاجبين, وطفاء الأهداب, دعجاء العينين, يتألق الذكاء في بريقهما, يجلل وجهها الجميل شعر جاثم أسحم, وتلعب على شفتيها ابتسامة الخفر)، وجمال أدبها الذي فاق جمال خلقها حدا بشوقي أمير الشعراء الذي طالما زار صالونها وجلس صامتاً مأخوذاً أن يقول فيها:

أُسائلُ خاطري عمَّا سباني            أََحُسنُ الخَلْقِ أم حسنُ البيانِ؟

رأيتُ تنافُسَ الحسَنيْنِ فيها            كأنَّــهما لميـَّةَ عاشـقانِ

إذا نطقَتْ صبا عقلي إليها            وإن بسمَتْ إليَّ صبا جَناني

أما هدف الصالون فكان البحث عن إنشاء جديد يقرب بين طرفي الفصحى والعامية من جهة، وبين الفكر الشرقي والفكر الغربي بوساطة تعريب الروائع الغربية من جهة أخرى. وكانت مي تديره ببراعة منقطعة النظير. فكانت إذا دار الحديث بين الحضور جعلته على نسبة المساواة والكرامة، وأفسحت المجال للرأي القائل وللرأي الذي ينقضه أو يهدمه، وانتظم كل ذلك برفق ومودة ولباقة دون أن يشعر أحد بتوجيه الكلام منها، وكأنه يتوجه من غير موجه وينتقل بغير ناقل. ولمي عدا ذلك مراسلات متصلة مع جبران خليل جبران، عميد أدباء المهجر، وولي الدين يكن وأمين الريحاني وباحثة البادية، تعد في القمة من أدب الرسائل لما فيها من تعابير رقيقة تفيض أدباً وبلاغةً.

وتنازعت ضروب الأدب حول مي، فهي الأديبة الشاعرة الخطيبة الصحفية اللغوية المسرحية والباحثة، وإضافة إلى موهبتها الموسيقية كانت تتكلم خمس لغات أجنبية وتكتب باثنتين منها, كان أول كتاب وضعته هو (إيزيس كوبيا) الذي كان عبارة عن أشعار رقيقة باللغة الفرنسية. ومن مؤلفاتها الكثيرة الأخرى:

فيالمسرح: على الصدر الشفيق - ساعة مع عيلة غريبة – يتناقشون.

في القصة: أنا والطفل - الشمعة تحترق - الحب في المدرسة.

في الشعر: ديوان أزاهير حلم، وقد ألفته بالفرنسية ثم نقلته إلى العربية.

في الترجمة: ديوان (الحب الألماني) لماكس مولر.

في المقالة: احرصي على قلبك - أيها الشرق - حديث عن الشرق الأقصى، الذي تناولت فيه حياة وأعمال عظيمي الهند غاندي وطاغور.

وكانت كما أسلفنا خطيبة مفوهة يرن صوتها في الآذان فتهتز له القلوب وتصطفق أكف أرباب البلاغة وأمراء البيان في عصرها إعجاباً بها، ومن خطبها الشهيرة: العجائب الثلاث - الإخاء - الريحاني وفضل المشرق.

تركت مي كتباً عديدة ضمنتها عصارة فكرها وعاطفتها الإنسانية الجياشة وبعضاً من مذكراتها منها: سوانح فتاة - ظلمات وأشعة - الصحائف, إضافة إلى أخرى لم تنشر وهي: ليالي العصفورية - في بيتي اللبناني)- المتقدون - علاقة فينيقية بمصر.

شعرتْ مي بعد وفاة والديها (1930 - 1932) ووفاة جبران (1931) الذي كانت على علاقة روحية به، بوحشة رهيبة تسيطر على نفسها فحاولت الترفيه عنها بأن لجأت إلى السياحة في بلدان أوربا. وحين عادت إلى القاهرة كانت خيوط مؤامرة قذرة تحاك لها في الخفاء دون أن تنتبه إليها، وهي التي تنظر إلى الحياة وإلى الناس من حولها بمنظار وردي ارتضته لنفسها، ولم تعلم أنه منظار خادع لا يريها الحقيقة كاملة إلا بعدما ذاقت الأمرين. فقد نجح نفر من أنسبائها الطامعين بثروتها المزعومة في إقناعها بالسفر إلى لبنان للاصطياف، وكانت قد جاوزت الخمسين بقليل, وصدَّقتهم مي وسافرت، وهناك ألقوا بها عنوةً في مستشفى العصفورية بدعوى أنها مصابة بلوثة عقلية تحتم عليها الإقامة في مصح عصبي حتى تشفى. كانت مي مذهولة مما يحدث حولها وتصرخ بصوتٍ يزلزل الضمائر وهي تشكو الظلم الذي وقع عليها: (أين رجال الأدب في لبنان؟ أين رجال القانون؟ أين الجمعيات النسائية؟ أين نصيرات المرأة؟ ألم يوجد بينهن واحدةٌ تدافع عني أنا التي قضيت السنين الطوال أدافع عن حق المرأة ووقفت قلمي على خدمة بنات جنسي ورفع مستواهن ورد الظلم عنهن؟!). سبعة أشهر قضتها مي في العصفورية تسمع في الليل عواء الذئاب وأصوات بنات آوى, ترى وتسمع كل هذا وليس هناك من يسمع صوتها أو يرى محنتها فيبادر إلى إنقاذها. غير أن الصحافة الحرة ممثلة في (صوت الأحرار) - (الحديث) - (المكشوف) لم تسكت إزاء هذه المهزلة بالإضافة إلى أحفاد الأمير عبد القادر الجزائري والرئيس فارس الخوري والأمير عادل أرسلان الذين سعوا بجهد مخلص إلى عرض قضية مي العادلة أمام الرأي العام وجمهور القراء والأدباء حتى تكللت مساعيهم بالنجاح أخيراً واستعادت مي حريتها، ولكن بعد أن تركت تلك الحادثة في نفسها جرحاً عميقاً ظل مفتوحاً حتى ورِّيت الثرى.

كتبت مي في (يوميات عائدة): (يخيل إليَّ أني سأرحل قبل ذلك، وأن الموت سيحملني غضة الشباب فيطير بي إلى حيث تسبح الملائكة وتلبث الأزهار ناظرةً). ولكن الموت خيب ظنها وأمهلها سنوات لم تكن تنتظرها حتى زارها أخيراً في ضحوة التاسع عشر من شهر تشرين الأول سنة 1941، وأسكن تلك التي عاشت للإخاء والإنسانية وبشرت بالحب والحياة في مدفن من مدافن القاهرة بالقرب من قبري والديها.

ضحَّت ميّ بكثير من حياتها، وما أعظم ما ضحت به! ضحَّت بشبابها اللامع المضيء وذكائها المتوقد الملتهب، وقدمتهما إلى الحياة قرباناً خالصاً متشبهةً بذلك ببنات الفستا الآلهة الرومانية القديمة اللواتي كنَّ ضحية الشباب، فلم يتزوجن وقضين حياتهن منشغلات بإشعال نار مقدسة سماوية وإمدادها بالحطب حتى لا تنطفئ، لأن في انطفائها خراب روما... وكذلك كانت مي!

عن صحيفة النور