لا تُـهْـمـلـوه! - هـو لـيـس مـجـرّد خـطّ!
في ما مضى، كنّا نحن -المدرّسات والمدرّسين في مدرسة مار إلياس الثانويّة في عبلّين- كنّا نلحظ جَمالاً وتناسقًا وأناقة ووضوحًا في خطوط معظم طلبتنا الوافدين من "كوكب أبو الهيجا" (قريتنا العزيزة المجاورة لبلدتنا عبلّين)، سواء في ذلك المتفوّقون من بينهم في القدرات والتحصيل الدراسيّ وغيرُ المتفوّقين. كنّا نلحظ ذلك ونُعجَب ونَعجَب.
بعد أعوام من العجب والإعجاب، ولّى العَجَبُ، وبقيَ الإعجابُ على حاله. ولّى العجبُ إذ عرفنا أنّ مُدَرِّسةَ تلامذةِ مرحلة الصفّ الأوّل، هناك في تلك القرية الصغيرة الكبيرة العزيزة، "كوكب أبو الهيجا"، وطَوال أعوام وأعوام، تلك المعلِّمة هي نفسها تتمتّع بخطّ كتابيّ أنيق جميل بهيّ، وهو ما وجد له انعكاسًا أو حضورًا في تدريسها، وأثرًا جليًّا في خطوط الكثيرين من تلامذتها. بورك في تلك الزميلة التي تقاعدت عن التدريس مؤخَّرًا (المعلّمة حنيفة فاعور-طه)! بورك فيها وفي أمثالها! بورك في كلّ مَن يعرِّف كلَّ نشء جديد بالجَمال! هو الجَمال حالة من حالات التكامل أو الكمال. هو الجَمال حاجة وضرورة؛ تهذيب وتربية وتنقية.
بـعـض مـسـبِّـبـات
قد يكون للكتابة الحاسوبيّة أثرٌ في رداءة وتشوُّش خطوط معظم الطلبة. فقلّة الكتابة، وقلّة النسخ، وتقديم الوظائف مطبوعةً، والاتّكال على إمكانيّة حصول ذوي الخطّ المشوَّش غير المقروء على تسهيلات في الامتحانات تَقبلُ بها وزارة التعليم وتُقِرُّها، هذه كلّها من مسبِّبات تلك الرداءة وذاك التشوّش.
رغم كلّ ذلك، ما دامت الاختبارات المدرسيّة لا تقدَّم مطبوعةً، بل مكتوبة بخطّ اليد، لا مناص من إيلاء الخطّ اهتمامًا أكثر فأكثر.
اقـتـراحـات وتـحـريـضـات
من الضروريّ والمُلِحّ تنظيم دورات يتعلّم من خلالها الطلبة بعض أنواع الخطوط؛ ولا بأس إن اقتصر الأمر على تعليمهم خطّ الرقعة (وهو من أنواع الخطوط التي من السهل تَعلُّمها وتعليمها). وفي هذا الشأن، ليت الأهالي يطالبون بذلك! وإن استدعى الأمر، فليمارسوا الضغوط على المسؤولين في المدارس والمراكز والنوادي التربويّة لتنظيم دورات كهذه! من حقّهم (بل أراه من واجبهم) أن يكونوا حريصين على أبنائهم.
ومن الجدير والمهمِّ معاوَدةُ التذكير بضرورة أن يتعلّم المدرِّسون والمدرِّسات دورات كهذه، ولا سيّما مَن يدرّسون تلاميذ المراحل الابتدائيّة الأولى. هناك، في المراحل الأولى، تَكُون البدايات. والبدايات المتينة المتقَنة ذخائر وشبْهُ ضمانة لبشائر. في هذا، قد يَصْدق مَن قال: "الطفولة عنوان الرجولة".
من الضروريّ أن تخصَّص لتدريس الخطّ حصّةٌ واحدة أسبوعيّة في مراحل الدراسة الابتدائيّة، طَوال العام المدرسيّ كلّه، أو طَوال الفصل المدرسيّ الأوّل على الأقلّ.
مـن بـاب الـحـرص
لا أتناول الأمر من زاوية تراثيّة. لستُ أتناوله حفاظًا على تراث، بل من زاويتين: زاويةٍ جَماليّةٍ، وزاويةٍ عمليّةٍ ربحيّةٍ. ليتها تكون كثيرةً الحالاتُ التي تلتقي فيها اعتباراتٌ يُفترَض أنّها متباعدة: الجمال والمصلحة! الصلاح والمصلحة!
يَحْدوني إلى سَوْق كلّ ما ذكرتُ حسرةٌ في طيّاتها استياء وخشية وحرص...
حسرة على العديد العديد من الطلبة الذين تُطالِعنا خطوطهم المشوّشة الرديئة في الامتحانات وفي الوظائف، وفي كتاباتهم بعامّة، خطوطهم التي لا كبير فرق بينها وبين خطّ طفل صغير يمسك بالقلم لأوّل مرّة في حياته.
واستياء من عدم وعي الكثيرين أنّ رداءة الخطّ ليست مسألة قَدَريّة لا تُرَدّ، وأنّ تحسينه -كيما يكون واضحًا سهلَ التناول قراءةً- ليس "حُلْمٌ لاحَ لِعَيْنِ الساهِرِ".
وخشية وحرص... خشية على الطلبة من ألاّ يحظوا بتقدير جيّد أو ممتاز، رغم عدم إهمالهم دراسيًّا وعدم محدوديّتهم في المعرفة؛ خشية من أن تخطّ لهم خطوطُهم أقدارًا ومَصايرَ يأسف لها كلُّ مُحِبّ لهم. وحرص على ألاّ يضيع شيء من جهدهم وجِدّهم وحذقهم.
اعـتـراف عـلـنـيّ بالانـحـيـاز!
لستُ أخفي انحيازي إلى الخطّ الجميل الواضح. إنّه حالة من السحْر والأَسْر ليس من اليسير ولا من الأثير الفكاكُ منها.
لهذا الانحياز ترجمةٌ فعليّة خلال قيام المدرّسين بمراجعة أوراق الاختبارات وتصحيحها. في هذه الحالة، الانحياز إلى الخطّ يعني الانحيازَ إلى صاحبه. ورقة الإجابات المكتوبة بخطّ واضح جميل من غير المستبعَد أن يحظى صاحبُها الممتحَن ببضع درجات تنضاف إلى العلامة الإجماليّة. المدرّس امرؤٌ طبيعيٌّ سويٌّ يحبّ الجَمالَ ويُجِلّه. والمُحِبّ المستحسِن يكافئ المحبوبَ المستحسَن دون أن يقرّر ذلك مسبقًا. هذا ما قد يحصل حقًّا مع المدرّسين حين يقومون بأداء أكثر المهامّ التدريسيّة إغاظةً وتوتيرًا وإرهاقًا: مراجعة أوراق الامتحانات والوظائف. وهم معذورون في هذا الانحياز الإعجابيّ، ولا سيّما حين تكون الخطوط الجميلة والواضحة والمريحة حالة غير سائدة.
لنعلِّمهم الخطّ الواضح الأنيق الجميل؛ وإنّهم لكاسبون...
عـبـلّـيـن 8/7/2010
hajhanna@gmail.com