العربان الأشاوس والاتّجاه المعاكس
نستطيع أن نقول بأن عرب القرن الحادي والعشرين أبناء شرعيون لبرنامج (الاتجاه المعاكس) الذي يديره مخرج أفلام الإثارة المحنك فيصل القاسم، الذي (يُفَبْرِك) برنامجَه على النحو المكشوف التالي: يأتي بشخصية ذات ثقل نوعي، ويضع في مقابلها شخصية هزيلة ولكنها نكَدية وشرَّانية، ويطرح على الطرفين أكثر الموضوعات إثارة وحساسية وعمومية واتّساعاً، ويتركهما يتصارعان، بحيث تنجح الشخصية الهزيلة في جرّ الشخصية المتَّزنة إلى حرب كلامية، شخصية، تصل في كثير من الأحيان إلى حدود التضارب! ولست أدري إن كان فريق البرنامج يضمُّ بعضاً من رجال حفظ النظام، الجاهزين للتدخل في الوقت المناسب لفضِّ الاشتباك، وإعادة من يخرج من الاستوديو إلى مكانه، كما حصل في الحلقة التي أعقبت إعدام صدام حسين بين السيدين مشعان الجبوري وصادق الموسوي. وأعتقد بأن الاستوديو يضمُّ طاقماً طبياً ومجموعة أدوية إسعافية أبرزها الحبوب التي توضع تحت اللسان أثناء حدوث الجلطة القلبية التي خمَّن معظم المشاهدين أنها أصابت السيد الجبوري من شدة حماسته في الدفاع عن صدام حسين الذي شرده وقتل أخاه وخال أولاده في ليلة ليس فيها ضوء قمر!
إن الأنظمة العربية المناضلة قد أجرت عبر السنين اصطفاء قسرياً لشعوبها، فشردت الأذكياء والمثقفين، أو أعدمتهم، أو أودعتهم في سجون لا طعام فيها ولا شراب سوى الضرب والإهانات، وأبقت على مجموعة شبه متجانسة من الناس الذين لا همَّ لهم سوى البحث عن لقمة العيش، والتصفيق والهتاف، وقد بقي هؤلاء ردحاً طويلاً من الزمن في قطيعة تامة مع السياسة والعلم والثقافة والمعرفة، حتى جاء عصر الفضائيات، فتسلمتهم محطة (الجزيرة) وشرعت تصنع رأيهم العام على نحو ببغائي متقن، حتى إننا في كل يوم أربعاء نضطر لسماع إعادات متعددة لما ورد في برنامج (الاتجاه المعاكس) من كل الأشخاص الذين شاهدوا البرنامج، الذين يعيشون ثقافياً على واردات العين والأذن، مكرِّرين علينا ما قاله أحد المتحاورين الذي يمثل ضمير الشعب، وما رد عليه الآخر (الحقير) الذي يمثل رأي الاستعمار أو السلطات الديكتاتورية، وكيف رد عليه الأول فأفحمه.. إلخ.
إن طريقة الحوار (وأسميها حواراً تجاوزاً) التي كرَّسها (الاتجاه المعاكس) لدى الجماهير التي تعيش على واردات العين والأذن تكاد تنحصر في الصيغة النموذجية التالية:
يبدأ أحد الأشخاص الذين نَجوا من الاصطفاء القسري بطرح أحد موضوعات الساعة للحوار، فيقول، مثلاً، إن صدام حسين قد صادر السلطة في العراق، ومنع الشعب من الاشتراك فيها، وقتل و.. فلا يترك له الآخرون مجالاً لإتمام فكرته، إذ يشرعون بالتحدث على نحو متزامن، ومتداخل، ويستطيع من يراقب المشهد أن يخرج من كلامهم بما يلي:
يقول أحدهم: ديكتاتورية صدام حسين أحسن من الديمقراطية الأمريكية في العراق.
ويقول الثاني: أعدموه في صبيحة العيد، وفي هذا استفزاز لمشاعر المسلمين.
ويقول الثالث: عناصر إحدى الميليشيات رددت أثناء إعدامه هتافات معادية لأحد المذاهب.
ويقول الرابع مستخدماً طريقة المُخرج فيصل القاسم في الإثارة: طيب يا سيدي، هو يقول لك كذا.. فماذا تقول؟
إن هؤلاء المردِّدين، كما ترى، قد حوَّلوا الرجل الذي طرح فكرة للحوار، من (مُحاوِر) إلى (مُتَّهم). لعله كان يريد أن يقول لهم: إن أمريكا دولة غازية، ومستبدة، وجاءت لتنهب خيرات العراق، والمنطقة كلها، وهي لم تطبِّق أية ديمقراطية، وليس في مخططها ذلك، وإنه متَّفِق معهم على أن إعدام صدام حسين صبيحة العيد فيه استفزاز لمشاعر المسلمين، والشعب كله. أصلاً حكم الإعدام هو حكم همجي وغير حضاري، وأمريكا نفسها هي التي تريد إثارة الفتنة الطائفية، وتعالوا نرجع خطوة إلى ما قبل الغزو الأمريكي، فنقول إنه لم يكن من حق صدام حسين الاستبداد بالعراق وشعبه كل هذه السنين. ولكن الشباب، مثقفي (الاتجاه المعاكس) لم يسمحوا له بقول هذا الكلام كله، وظلوا ينظرون إليه بعين حمراء على أنه من المدافعين عن الاحتلال والفتنة الطائفية.. فتأمل