حكاية الرَّجل الذي طقَّ عقلُه

خطيب بدلة قرأها 6
  

إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا

تجارب قصصية ميدانية

خطيب بدلة

لازمات

 ملاحظة 1:

إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء  يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!

ملاحظة 2:

نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في  مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.

  

حكاية الرجل الذي طقَّ عقلُه

ذات يوم، وبينما كنا نحن المجانين نستمتع بوقت قيلولتنا في العصفورية، إذ سمعنا صوتاً آمراً قادماً عبر مكبرات الصوت المزروعة في الحيطان، ينادي لعقد اجتماع فوري في المبنى الإداري، فهرعنا إلى هناك متدافعين بطريقة عشوائية، .. وأثناء التدافع حصلت عدة مصادمات بين الزملاء أدت إلى بضع حالات شق في الجبين، وظهور أربع (بعجورات) في الرؤوس، وكسر ذراع واحد، وفخذين إثنين، وتسعة رضوض في أماكن مختلفة من أجساد الزملاء..

وهناك، أمام باب الغرفة المخصصة لاستقبال الزبائن الجدد، كان ثمة ازدحام، وهياط ومياط. وكان الباب مقفلاً، واللغَطُ مسموعاً خلفه. فلما فُتح الباب ظهر لنا طبيب العصفورية الذي يفرق شعره من منتصفه، تليه الممرضتان الواقفتان على أبواب التقاعد ناديا وسامية، وثلاثة من رجال الأمن، ثم ظهر اثنان من طاقم الاستقبال يسحبان رجلاً أصفر الوجه، مرعوباً، أدخلاه إلى الغرفة المجاورة وأغلقا الباب، فاندفعت امرأةٌ منكوشة الشعر مضطربة الأحوال وراءه، وهي تولول دونما انقطاع، بينما تولَّى رجال الأمن إبعادها عن الباب بأعقاب البنادق، وأما نحن المجانين، الغافلين عما يجري أمامنا، فقد زُربنا ضمن غرفة الاستقبال، ووجوهنا أديرت باتجاه شاشة تلفزيون كبيرة ظهر وراءها فجأة المديرُ العام للعصفورية الذي اعتدنا أن نوسخ ثيابنا كلما رأيناه، من شدة الخوف، ولكنه هذه المرة كان لطيفاً معنا إلى درجة أنه بادرنا بابتسامة ومزحة لطيفة إذ قال (مرحباً يا شباب)، ثم شرع يتحدث بطريقة الأمثال الشعبية المسجوعة، قائلاً: (كلنا في العصفورية أخوة وأفندية)، و(الجنون فنون، والهبال أشكال)، و(من يدخل مثل هذه الدخلات عليه أن يفهم كل اللغات)، وضحك فضحكنا خلفه، .. ولكي يطمئننا إلى أنه جاد في مباسطتنا أخذ يقرصنا ويلكزنا ويعضنا ويدغدعنا في خواصرنا، .. دواليك حتى تم له ما أراد من تجاوب وانسجام، ووقتها قال:

-انتبهوا جيداً وركّزوا معي.

ومد يده وشغّل جهاز الفيديو المتصل بشاشة التلفزيون الكبيرة، فظهرت لنا صورة للرجل المرعوب الذي رأيناه قبل قليل، ووراءه المرأة المولولة، وكلاهما واقفان أمام رئيس مخفر حارتهما، الذي بدوره كان ينظر إلى المرأة وهي تتحدث رشاً بجمل طويلة تختلط حروفها ببعضها وتختمها بقولها (.. وطق عقله).         

قال المدير العام: والآن يا أصدقائي، أريدكم أن تترجموا لي الكلام السريع المتداخل الذي كانت المرأة المضطربة تقوله لرئيس المخفر.

قال الزميل رقم 1:

- يا سيدي، أنا فهمت من كلامها ما يلي: زوجي يا حضرة العريف رجل عاقل وهادىء ولكنه قبض راتبه في أول الشهر ودفع الفواتير والضرائب المترتبة علينا وخلال يومين نفد الراتب، فطق عقله!

قال الزميل رقم 2:

- أبداً يا سيدي، المرأة لم تكن تتحدث عن الراتب، وإنما كانت تقول إن زوجها كان يقرأ في الجريدة عن إحدى الدول العربية التي ترفع شعار الإصلاح، واكتشف أن الأشخاص الذين أفسدوا كل شيء في تلك الدولة قد أنيطت بهم مهمة الإصلاح،.. فطق عقله!

وقال الزميل رقم 3:

- أنا فهمت من كلامها شيئاً آخر، غير هذا وذاك، فقد كانت تقول إن زوجها كان يقول دائماً بأنه لا يوجد أسوأ من نظام صدام حسين على وجه الأرض، فلما عرف أن النظام الذي تريد أن تقيمه أمريكا في العراق أسوأ من نظام صدام حسين طق عقله!

وقال الزميل رقم 4:

- أبداً يا سيدي، فالمرأة كانت تقول إن ما جعل عقل زوجها يطق هو أن الجماهير التي كانت تخرج إلى الشارع بالملايين في إحدى الدول المتخلفة لتؤيد رئيسها الذي كان يجاهر بالعداء لأمريكا وإسرائيل، هي نفسها التي خرجت تؤيده حينما جاهر بالاستسلام والتخلي عن سلاحه!

وبينما كان (الزميل رقم 5) يستعد للإدلاء بدلوه في هذه القضية الشائكة إذ دخل رجال الأمن بيننا واعتقلوا (الزميل رقم 2).. دون أن يطلب منا المدير العام ترجمة هذا العمل الذي لا يحتاج– على ما يبدو– إلى ترجمة!! 

* ** *** ** *

صدر للمؤلف

§        حكى لي الأخرس 1987

§        عودة قاسم ناصيف الحق 1989

§        الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990

§        امرأة تكسر الظهر 1994

§        وقت لطلاق الزوجة 1998

§        حادث مرور 2002

§        التداوي بالأدب 2006

كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.

رابط إلى المجموعة الكاملة