قيامة المتنبـِّي!

  

Dr.AFaifiJam02.jpg 

... وكما تُؤَسْطِرُكَ الرَّوابيْ والسُّهُـوبُ

لكَ صَهْوَةُ النَّشْـوَى ورَجْوَى لا تَخِيْـبُ

لكَ مُهْرَتِيْ ومُهَنَّدِيْ وليَ اصطبـارُكَ، يا سَلِيْبَ الدَّارِ، والرَّأيُ الصَّلِيْبُ

لا ، لا تَسَـلْ عَـنِّيْ فـإنـّـِيْ ذاك إنْ

جَـدَّ الزَّمـانُ وسَطْوَتِيْ العَجَبُ العَجِيْبُ

إنِّـيْ التقيـتُـكَ هاهـنا يومـًا فَهَـلاَّ

قُـلْتَ ليْ: ماذا جَرَى؟  ولِمَ الهُـرُوْبُ؟

قد كُنْتَ بـارقَ صَحْـوَتِيْ إنْ أَمْحَـلَتْ

وجَـلاءَ أيَّــامٍ عَلَيَّ  دمـًا تَصُـوْبُ

نَعـلاكَ  أفـلاكُ المَجَـرَّةِ تلـتـقـي

وعلى خُـطَى قدمَيـكَ تَنْـتَقِلُ الدُّرُوْبُ

لِـمَ هـذه الآفـاقُ ثَكْـلَى؟ والقـُرَى

مَنْكُـوْبَـةٌ؟ والبَدْرُ ثَغـْرٌ لا يُجِيْـبُ؟

وتَلَـبُّبِيْ بالحَـرْبِ  مِرْجَلُـها دَمِـيْ

أَيْـنَ الأُلَى دارُوا بِها دَهْرًا تَجُـوْبُ؟

إيْهٍ، وأينَ الخَيْلُ تَقْذِفُ بالبُطُـوْلَةِ  في فُروجِ الأرضِ نَهْداهـا وَجِيْبُ؟

لولا رَحِـيْقُ العُـرْبِ  في أحداقِكُـمْ

مـا قُلْتُ بينكُمُ  على الدُّنيـا عَرِيْبُ!

لا وَجْهَ ثَمَّ، ولا لِسـانَ، وليس مَـنْ

يُلْقِيْ على شِـيَةِ الغَرابَـةِ: ياغَرِيْبُ!

مُلْقًـى على كَـفِّ القِيامـةِ ظامِـئًا

يُرْوِيْ النُّسُوْرَ نَجِيْعَهُ  وهُوَ السَّغُوْبُ!

فحَمَـلْتُ قافِـيَةً  أُعـالِجُ في فَـمِيْ

خَجَلِيْ مِنَ الآتيْ  على الماضِيْ يَلُوْبُ

والشِّعْرُ أشْجـَارٌ؛  فكَـمْ مِنْ شاعِـرٍ

مـا قالَ شِـعرًا غُـصْنَهُ مِنْهُ رَطِيْبُ

ولرُبَّـما يَهْـذِيْ بِـهِ مَنْ ليـس فـي

تِمْثَـالِـهِ أبَـدًا نَـدًى مِنْـهُ وطِـيْبُ

كالحُـبِّ: أهونُـهُ قُشَـعْـرِيْـراتُـهُ،

ومَـداهُ  ما حَرَقَ الفُـؤادَ بِـهِ حَبِيْبُ

يا أيُّهـا ذا الطَّيـِّبُ المتنبِّئُ المـاضيْ مَضَى ونَدَاكَ حاضُرُكَ الجَدِيْبُ

اسْمَعْ ، أبا كُلِّ الطُّيُـوْبِ،  لقد نَزَا  في أُمِّ ضَيْعَتِنا السَّبَنْتَى والنَّخِيْـبُ

وتَطـايَـرَتْ إبِـلِيْ  وهَـامَ وراءَهـا

مِنْ أهـلِ داريْ كُلُّ أَرْعَـنَ لا يَثُـوْبُ

بَأَحِـزَّةِ الثَّلَـبُـوْتِ  حُـزَّ تـُراثُـنا،

وعَفَا لَبِيْـدُ،  وأَرْعَدَتْ مُزُنٌ ضُـرُوْبُ

وتَقَطّـَعـَتْ مِنْ آلِ نُـعْـمٍ نِـعْمَـةٌ،

وتَسـاقَطَ العُشـَّاقُ، وانْتُهِكَ الكَثِيْـبُ

وعلى ثـَرانا أَمْطَرَتْ سُحُبُ الهَـوانِ  وأنبتَتْنا ليس نُشْرِقُ أو نَغِـيْبُ

مـا عـادَ في رأسٍ أَذًى  مِنْ نَخْـوَةٍ،

ما عـادَ في عَـيْنٍ قَذًى، وخَلَتْ قُلُوْبُ

وتَرَهَّـبَ الثَّـاوونَ فـي أسـلافِهِـمْ

واسْتَرْهَـبَ الغـاويـنَ رَبُّهُمُ القَشِيْبُ

أولـم تَكُـنْ في (شِـعْبِ بَـوَّانٍ) على

مَرْأَى المصائِرِ، يافَتَى، تَرعَى شَعُوْبُ؟!

ارْجِـعْ  فليسَ لنا بشِـعْرِكَ  هـا هنا

أُذُنٌ، ومـاتَ الشِّعْرَ،  وانْتَحَرَ الخَطِيْبُ!

أَطْفِـئْ قَوافِيَـكَ التـي أشْـعَلْتَـهـا

مُدُنـًا، وهاكَ قنـاةَ شَـعْوَذَةٍ تَنُـوْبُ!

اكْـتُبْ رِوايَـتَـكَ العَجِيْبَـةَ إنْ تَشَـأ

فبِحِبْرِهـا  يَتَلَـوَّنُ الحُـلُمُ الكَـئِيْـبُ

دَوِّنْ بها مـا شِـئْتَ مِـنْ مَلْهـاتِـنا

فبـها تَرُوْحُ قَـوافِلٌ (وبـنا) تَـؤُوْبُ

يَتَحَـدَّقُ الأُدَبـاءُ  في حَـدَقِ السُّـهَا

كَـيْ لا تُرَى أسماؤُهُمْ فتُـرَى ثُـقُوْبُ

أو  فلـتَكُنْ أُنـْثـاكَ خَمْـرَ مُسَلْسَـلٍ

خَـدَرًا تُتَلْفِـزُ حـاضِرًا خَطِرًا يَطِيْـبُ

تَسْـقِيْ العُيُوْنَ عُيُوْنُـها  في مَهْمَـهٍ

مِنْ سُـكَّرِ الآثـامِ فـيهِ  تُـقًى نَذُوْبُ

صُـغْ مِنْ ريـاحِ الشَّـرْقِ أُغـنيـةً

ولكنْ لا غِـناكَ شَجَا  ولا فينا طَرُوْبُ

ذُبِحَ البَيـانُ، وأُحرقتْ خَيلُ القـوافي، قيلَ: قاتلـةٌ، وفارسُها رَهِيْبُ!

لا شِعـْرَ في الشِّعْـرِ، ولا النَّثْرُ بـِهِ،

وتَحَرْبَـأَ المَوْهُـوْبُ فـينا  والكَذُوْبُ

أُفٍّ لكـُـمْ! قـامَ المُغَـنِّي مُغْضَـبًا،

ومَضَى يَلُـوْكُ حُروفَهُ، ورَنَا الرقيبُ!

أَسَـفًا على تَصْـهَالِ أحلامـي  التي

دلّهتُهـا بشَـبابِ أُنثـى لا تَشِـيْبُ!

أسـفي على أسـفي علـيكُمْ  أُمَّـةً

لا تَسـتحقُّ مدامعـي!  فبما أجيبُ؟!

***

1.   رؤية المتنبي من قِبَل الشاعر حقيقة. ومن رؤياه استيقظ وهو يذكر مطلع النصّ، على الأقل، وقوافيَه البائيّة.

2.   يبدو أن المتنبي نسي عَروض الخليل حين أنشدني في المنام! لأنه لم يَرِد قطّ للبحر الكامل التامّ ضربٌ مرفّل، بيد أن بناء القصيدة الموسيقيَّ- الذي لا أعرف له نظيرًا في الشِّعر العربي- سَلَك مع أبي الطيّب، واستمزجتُه منه!