بلاد الرماد تحيا بالجمر الذي تحت الرماد

نزيه خاطر قرأها 6
  

لا أدري إذا كانت توجد علاقة بين مسألتين متوازيتين لكل منهما أثرها العميق في إعادة بناء المدينة، كمختصر للبنان. الأولى ظاهرها الفاقع سياسي، وأصداؤها المادية ترنّ في ساحات المدن والبلدات والقرى، وعناوينها تموج بين "فوضى الحريات" و"ديكتاتورية الفتاوى". الثانية تطفو على سطح حوادث تتمحور ضمن فضاء ثقافي يخصّبه من جهة استذكار إنجازات يجوز اختزالها بـ"حداثات الستينات"، والتواجه الصدامي من جهة أخرى، مع الاستقراضات المتوافرة محلياً للمعارف المتداولة في "المجتمع التكنولوجي الدولي"، ومع أثر هذا التواجه في انطلاق مجمل التجارب المدوّنة في خانة "الفنون الجديدة" الفضفاضة.

يعود اليّ هنا، رأي كنّا نتداوله دوماً في باريس أيام مجاراتنا التيار الماوي، ان ثمة مرحلة في "التخلّف" توقع الجماعات، على تنوّع طموحاتها الايديولوجية، في أتون تطرّف قناعُه لبْس في المواقف، وازدواجية منظمة في القول والفعل. الكثير من هذا وصلني على نحو خام مقروناً بالعلامات الفجّة، خلال التصاق مرغوب فيه، بأجواء مكان تتوحّد فيه المدن والارياف، هو في الوقت عينه متماسك ومتفجر. أي أنه ذو جبلة، لحمتُها التناقضات، بينما الصراعات مصدر عطب دائم لها.  لكأنه في فوران لا يستكين، فما فيه وما لديه أقل مما يريده، ولذا تتلوّن اصغر تصرفاته بمحمول ثقافي، بالمعنى العريض للثقافة، حين يدل القدماء على المعمرّين بـ"العقّال" لمجرد معايشتهم الطويلة للناس والايام.

ضمن هذا الاطار يقال في لغة عاصي ومنصور الرحباني، مفرداتٍ وحنجرةً، انها الثمرة الحياتية للانصهار الوجودي الطبيعي لكل المحليات اللبنانية في حالة ثقافية جامعة تضم الجميع من دون إلغاء أحد. نعي عندئذ لماذا كان كل هذا التجاوب التلقائي من ألوف اللبنانيين لبرمجة مغناة "صح النوم" للاخوين في "البيال"، إشراف زياد الرحباني، في ايام 1 و2 و3 كانون الأول الماضي، وذلك على رغم الصخب القائم في الساحات المترافضة والشوارع المعقودة على عنف ملجوم. وكانت فيروز هي الصوت، الصوت القادر دون غيره على اختراق صهيل الشوارع الجامحة، الصوت الآتي من تجاعيد الارض، كإحدى العلامات الثابتة في توحّد الاذن الثقافية رغم الترافض العنيف لاطراف في الشارع، اليوم، يباعد بينهم الكلام بلغة المطلق.

لكأنه المختصر المفيد لسحر المسرح اذا رُفع حجاب الصمت عنه.

لديَّ ميل، وإن بين قوسين، الى اعتبار هذا الشارع بعد كل الحوادث الاخيرة، المكان الاستعراضي الاحتفالي الطقسي بامتياز. حتى انه بدا على طول سنة 2006 في حال المهرجان الدائم لأكثر من مسرحية، في أكثر من عرض، من تصميم اكثر من مخرج، وفي مشاركة ألوف الممثلين وعشرات الجوقات الكورسية، مما عطّل على نحو مفاجئ إقامة المهرجان التقليدي السنوي لعروض مسرح الشارع الذي أجّل منظموه دورته في هذه السنة من آب - أيلول 2006 الى شباط 2007، مع قول لافت لمصطفى يموت ("زيكو هاوس"): "يا ليت عندنا جمهور كهذا!"، في نبرة تشي بمزيج من التمني والاسف والاحباط امام تدفق هذه الجماهير المنتشية بين اندفاع حماسي وغضب مهتاج، لتبدو كأنها تصنع الحدث وتشاهده من داخله في آن واحد.

هؤلاء الناس هم أنفسهم تجمّعوا في "البيال" من أجل فيروز في "صح النوم"، وانما كذلك لوجود زياد الرحباني، بعدما انضمت اليهم جموع من بقية أنحاء البلاد. كأنهم، من دون أدنى شعور بغرابة الجمع بين أضداد، تآلفوا بلا عناء تحت عناوين الذوبان في "صوت" ترافقه، منذ وُجد في ذاكرة الناس، هالة من قدسية الرمز الذي لم يخيّب مرة مريديه من كل اذن وثقافة.

كمن يقول: يكفي هذا الصوت أن يطل من علوّ أي منصة، خشبية، اذاعية، تلفزيونية، لتصمت الجماهير، والى السمع. في المقابل: كم من منصة، وفي الوقت عينه كم من حدث ثقافي لبناني، عربي، أجنبي، جرفه الشارع كمكان للاحتفال، فبدت اليوميات الثقافية في العاصمة وفي المدن المهرجانية، بعلبك، بيت الدين، جبيل، صور، في إجازة، رغماً عنها.

لكأننا امام صنف من مسرح الشارع يبتكر ثقافة على قامة منصته وبحسب مزاجية جمهوره. الكلام بالمفرد قد يتحوّل كلاماً بالجمع، اي الى شوارع وثقافات ومنصات وجماهير. وقد يملأ المدينة احتلالاً، فيؤدي، كما الوضع في الأشهر الاخيرة، الى إلغاء مواعيد عدة لأنشطة ظلت حبراً على ورق، ولتشاكيل لتصاميم لم تنفّذ. وقد تبلغت أكثر من مرة، وفي اللحظة الأخيرة، خبراً من إدارات المسارح وأماكن العرض، عن تأجيل مرغم لبرنامج سيحدّد افتتاحه لاحقاً.

نذكر جميعاً ما أصاب مهرجان اللقاء المسرحي الفرنسي - اللبناني، المعروف بـ"لقاء الرون بوان الباريسي البيروتي"، من عمليتي بتر ضربتا يوميه الأولين في 23 و24 تشرين الثاني، والثلاثة الأيام الاخيرة في 1 و2 و3 كانون الأول الجاري. جليٌّ عنصر الارباك السائد بين الناس بمن فيهم جميع المثقفين الناشطين، فيما فريق يؤجل عروضه بضغط من الشارع ويعلن فريق آخر انه يؤكد موعد عرض "صح النوم" (زياد الرحباني) مهما يكن الوضع في المدينة.

يمثل الشارع، ايقاعاً وعصباً ونبضاً، الحدث الثقافي الأعنف دلالة في مدينة تشعر أنها بين زمنين، فيما هي تعمل من خلال جزء منها على تجاوز إرث مضيء من الحداثات التي ما برحت فيها وحولها، رغبة منها في محاورة الفنون الجديدة النابعة من حضور تصاعدي للتكنولوجيات الأكثر عصرنة، من دون التغاضي عن وجود تيارات تراثية سلفية تتقاطع هنا وهناك وحيث لا ينتظر احد، مع بعض الركائز الخصبة التي تصنع ثقافات القرن الحادي والعشرين في بداياته. هذا لندلّ على وجود أكثر من مدينة في المدينة التي يتصرّف سكان، كأنهم جميعهم يرغبون في الهرب منها الى أجواء عالمية، رغم تلوّن لفظية العالمية بمحتوى القرن العشرين. حتى ان البعض يدخل الى الانترنت للسباحة في بئره فتبتلعه، مما يقود الى التساؤل: هل توجد اكثر من ثقافة في ثقافة المدينة، والزمن يعيش نهاية يقينيات وتلاشي تيارات وولادة تصوّرات ما ان تطل حتى تتبخر، متفلّتة من كل قيد سلفي في العلوم والفنون.

لمدينة من مدن، ثقافةٌ من ثقافات، مما يفسّر الى حد بعيد الكلام على مسرح من مسارح، ولكل من هذه الاخيرة نماذج تدل عليه في "اليوميات"، كما في برامج المهرجانات من البستان وبعلبك وبيت الدين الى تلك المعنية بفنون محددة كـ"مهرجان بيروت الدولي للرقص المعاصر" في "مجمع مونو" الثقافي، من تنظيم الكوريغراف اللبناني عمر راجح (في النصف الثاني من كانون الثاني 2005)، او كـ"المهرجان الدولي للحكاية والمونودراما" في "مجمع مونو" أيضاً (في الاسبوع الاخير من شباط 2006). كأن ثمة تعاضداً معنوياً يوحد بين جميع الافرقاء، وإن اختلفت الأشكال واللغات والينابيع. لكأنهم يواجهون المنع ذاته، إذ يواجهون الصعوبات ذاتها. فقد عمّ نوع من التحدي بين برمجة هذا العرض او ذاك، في مدينة تغلي بألف حكاية وحكاية، ومعظمها الى أفق مقفل، ولم يتوقف البعض عن تقديم عروضه، كما أبقى الجمهور حضوراً لم يتجاوز مراراً قلة من الأفراد.

لا يشمل هذا الكلام مجريات تموز 2006، وأصداءها التي أقفلت المدينة بعدما دمَّرت الوطن، وقد أخذت برمجة "صح النوم" في "البيال"، على أيدي زياد الرحباني ومهرجان بعلبك، طابع المواجهة لإحباطٍ يتعارض ومعنى الانتصار الذي لوّن لدى البعض حرب الثلاثة والثلاثين يوماً. أنشطة عدة جرت في الشهرين الأخيرين من السنة، انْضوتْ علناً او عملياً تحت العنوان عينه وأهمها ثلاثة: "بوابة فاطمة"، اخراج روجيه عساف في مجمع "دوار الشمس" عند مستديرة الطيونة. "الجرس 2"، ارتجال لحظوي معنوي ومعبّر للمسرحي رفيق علي أحمد في صالة الجيب في "مجمع مونو". و"الطريق الى قانا" للمسرحي جلال خوري في الصالة الكبرى في "مونو". كأن فورانا لا ينقطع، يحكي مدينة لا يترمّد جزء من بدنها حتى تستعيد حلّتها كمن يولد من تعب. كم من مثقف حكم عليها، في حين انه مدين بركائز قامته لأخذه بعض ملامحه من بواطن بدنها، فمرّ ناسياً تجاعيده، كمن أصابه الزمن.

هذا المزيج اللذيذ والمفجّر للمقارنات المفتوحة على الاسئلة كلها، والذي يقفل طرقاً وتجارب ورغبات، ويشق هنا بعد هناك، المداخل والمعابر في الأرض "البور"، يهب المحتوى التفصيلي والمعنى الدرامي والافق الابتكاري لعروض مسرحية لم تغب رغم الحواجز وأجواء الحذر والاقفال المفاجىء، عن واجهة مدينة تعاند إنزال حجاب الصمت على ملامحها الحميمة والعلنية. فلم ينقطع عن منصاتها المخرجون ذوو الصيت اللامع، أمثال الباريسي بيتر بروك في عرض جوال خفيف بعنوان "سيزوي بانزي مات" (في 27 ايار 2006) في "مونو"، او العراقي جواد الأسدي في "حمّام بغداد". كأنه، كحمّام، مختصر فجّ لبلد تصادره المأساة (في 30 نيسان 2006 في مارينيان)، او التونسي توفيق الجبالي مع فرقة "التياترو" في عرض ساخر النبرة بعنوان "هنا تونس"، يعلن فيه انهيار الخيمة العربية على الجميع (في 3 آذار 2006 في مونو).

يؤكد هذا الكم من العروض الأجنبية والعربية، ولم نذكر منها سوى الأعمال المثيرة للاهتمام، الطابع الحيوي والمغامر والجريء لثقافة تقاوم الحصار الذي يحاول خنق عصبها ولا يبلغ مراده، حيث تتزيّا هذه الثقافة بالمعطيات النابعة من بيادر تمدها بالرغبات الصانعة للحدث الذي يخترق بلباقة جدار العنف المزمن المنساب بوجوه عدة في شرايين المكان وفي جماهير ناسه. وتحمل أهم الأعمال المسرحية للبنانيين، الأصداء الفاقعة لأجواء مدينة ومجتمع تحت الإرهاب الخبيث. البعض يصوره من دون تجميل وبالكلام العالي، والبعض بالمفردات ذات الدلالات العادية، فيقول ليصيب ويصيب ليجرح ويجرح ليقتل إما انتقاماً وإما اغتيالاً. وضمن هذا النوع ندل على عملين بارزين لكل من نضال الاشقر مع ايلي كرم ورنا علم الدين في "تصطفل ميريل ستريب" عن رواية لرشيد الضعيف وحوار لمحمد القاسمي (مسرح المدينة في آذار 2006)، وغبريال يمين مع رندا الأسمر في "النشيد"، في نص للمؤلف المجري جيورجي شوازدا. العملان ثمرة تصور لا سقف له للابتكار، بالوسائل المعبرة والأدوات الفقيرة وبالتعبير الأصلي الذي كأنه على العظم، لمسرحيين في واجهة مدينة غابت عنها نخبتها.

يدخل ضمن هذا الاطار، عنفٌ مادتُه لغةٌ خام ومفردات الرصيف، وموضوعه كل الحالات الأنثوية الممنوعة من القول، الى ورودها على لسان أربع ممثلات حضرن بكل أجسادهن، حيث بدتْ إفرادياً بأكثر من جسد: "حكي نسوان" للينا خوري كتابةً واخراجاً، عن صراع دائر حول حقوق المرأة في التصرف بجسدها (في 15 نيسان 2006 في "مسرح المدينة")، ويبرز الحضور الفاعل للمرأة في بناء ثقافة عصرية لمدينة غارقة في التراثيات، فيما طموحاتها تتوق الى الاندماج التكنولوجي في عالم كالقرية الصغيرة . ويقع المتابع على الجو عينه وبلغة مبتكرة صائبة وممسوكة بصلابة، مع عرض "ممنوع اللمس" لعايدة صبرا في "مسرح مونو" (3 حزيران 2006). وهنا اشارتان سريعتان الى عرض "يوم الحشرة" لسوسن بو خالد في "دوار الشمس" (12 نيسان 2006)، وللايمائية الشابة خلود ناصر في "ستة مشاهد ايماء" في "مسرح مونو" (شباط 2006.(

ومع سوسن بو خالد وخلود ناصر يطل رعيل من الفنانين الجدد الذين يبنون على رماد في مدينة تعيش على ما تحت رمادها من جمر.


nazih.khater@annahar.com.lb