في العزلة كمن يريد آخر الوقت

-1-
على كتف الوقت أنام وفي الطريق تبلّلني حجارة الكنيسة، حيث تتحدّ الأسوار والعصافير والأغصان، من ضوء ظلي أرتجف... من حزن الكلمات، – أعطنا كفاف خبزنا – لنمضي كما الماء.. نقّبل الحصى ونحرسعند قدميك نافورة المعنى والخط الفاصل بين الرعشة وصرخة الخلاص.
-2-
من أفق شارد يطوف، أغيّرمن آخر الطقوس أوردتي، حولك كلمات مخمل.... رماد برّية، كهف آثام ونحيب غيلان، حولك طيش أسماءتجثو وحنجرة المتأخرينعن ليلالوليمة، حولك تغور الأرض عن نصف أسرارها... شبح الفلوّات وشغف القادمين همسا، مثل كومة تومئ جزعت، هرب العشب وانتحرت النار.. وفرّ في القاع إيهامي ونام بين النهدين خرز الحرّاس.
-3-
يأكلعمري في ثانية ويغتال المكان، هو هو المألوف المعتاد... تلك العتمة وأوار نار، أيتها الكائنات المرعبة أرقصي كالغريبة وعاقبيني بنعمة الترحال.
-4-
الفراغ وصف اللعنة، يستهوي سؤال الغزالة والقصيدة بوح وجه البتول، صمتا للقيامة والحضور، فوضى الحروف نبيذ، وتعب الفناء عشق المصابيح، تتمرى شرفة العمر خطوة واهنة، تذر الأشياء أهواء الأفول، الأصداء تجّف في الزحمة ملايين الوجوه، التماثيل مصقولة كالضباب وأوتار العازف عنق الجرح لون الغياب، أروقة الضوء انتحار العاشق بين خنجر الخاصرة وبستان شبق أعياه السكر ببحر هواه، تطفح ريح الأجراس سنابك خيل ونار الأعراس جثث تدور!! من تعب الجدران أجنحة الشرود ومن توهج الرؤى جوع الحقول ذاكرة القرى والخرائط مذهلة، مدارٌ مزركش يعصف بنا رغوة لسان الآخرين، يفّت شوق الأهل مرايا تنتحب طائر الزمن الموعود.
-5-
وجهي رعاف مساء مبتل.. وريح بنفسجه غابرة، وأشجار النعاس وكر المدائن خيل أنثى الانتظار، فصل نبيذ ينهض وغواية نداء أول.. شمس آخر الطقوس قرى السفح، تعب العشب ممرﴽ للخروج الأخير، حقول أحصنة وارتحال الدفوف من ثنايا الجسد، فضاء وعود لم تنتبه.
-6-
من يوقظ الغبطة والرؤى متحف الفجيعة، الليل عرش كلام عابر، يتوسد زهوة الجنون، إلى البعيد إلى البعيد يا برق، يا قوس النهايات. ثمة لهاث دمي والأشجار جداول النشيد وهج، بسملة العطايا محراب أفق لا يصحو وخلاصي ترّقب المنفى أرصفة، طعام العري وفاكهة الوعود الكاذبة.
-7-
في تلك اللحظة لم تنحّل الصلوات والأحقاد انهماك أعوام وحشية، لم تبارك البيارق سورة الفاتحة. في تلك اللحظة الموتى خشب الياقات ودمي ما توارثه بدو العشيرة في صيف مذبوح، أقبع في ارتيادي نبيّا، المدى رؤيا حصاري ليل الإنشاد، اشتعال بوح المشتهى وانتحارعطش الأجراس خصلة شعر غجرية.
-8-
قامت ساعة الإحتفال، فاسعفني يا صوت الكمنجة، أمي تزنر تجّهمعظامها بخيطان العزلة وأبي يرصف بحذائه بقع الماء الآسن على أطراف المخيم.. ويشعل النار.
-9-
كنت في العتمة وحيدا كفضاء الله على الفقراء، باكياً رؤى الفداحة وشم البدايات، أحدّق في الورع القادم من بعيد، خيطا من وجد الرحمة زنّرني، وحدي كما كنت في أول مغارة، حروبا صغيرة وصبر حنّاء.
-10-
من يكشف للريح أسرار الخطوة الأولى وللمزمار صمت الأشجار في عبق الغيمات اليتيمة، ومن يجرؤ على أحاديث النار ويختفي كحلم أزلي مسروق، ومن يقول حكايا العزلة كتفريعة الشمس بين أخيلة الأحجار، ومن يسابق الوقت في أنينه ليجتاح الماء غربته الأخيرة، ومن يكتسي صبر الصّبار كحمار وحشي أغبر ويغطّي ستائرالنوم ظلال كشف وقلائد قش. من تبّلله الألوان في نزوتها وتمضي كالنبلاء خيطا رفيعا تلفه في تيهها وتنام، ومن يصطاد طيف التنهدات وفي الفناء نعي والخرائط معدن، ومن يمنح الفراغ وحشة الانطلاق وطيش فتنة، ومن يوقظ من قمحي ليلك العصافير ومن حمى المكان أزمنة الهواء. من من ألف عام سبق القادمين وجد رحمة وأقام في الصبوة عشب طين وحصد نافورة فراغ، من في المغارة الأولى زّنر البدايات وشما في ازدحام الصلوات !!!.
-11-
من منّا يستطيع!! نحن البشر الأقوياء الضعفاء... أن يجاريها، تسّور عزلتها حفنة من حصى، ومن حين قلّما تمرعلى قلتها الزواحف. وحدها تتنفس الغيمات وتصافح الشمس في الجبين لا تقتلعها الزوابع ولا يقترب منها قطيع. رفيقها أصابع التعب، جندي غادر غفوته وأشاد من لوحة الرمل رسما لبندقية وفي كل ثلج تهاجر ثقب خوذته لتنام على سرير صخرتها المطلية رؤى الهاربين شهداء، من منّا يستطيع أن يجاريها، تقّلم الحنين في اشتهائها وتعبر وميض الزفرات في انتظارعودتها، وردة الجبل البرية المنسية زهوا هناك على القمة.
-12-
كيف لا نعيد التفاصيل نفسها، نداء آدم تفاحة وجنّة مفقودة صهيل حواء. هكذا نحن منذ بدء الخليقة دمعتين في قعر إناء.
-13-
ها أنا وحدي في الغيب مطويا انطفأت، تمر نجمة الحكاية سارحة تلطم عطرها، من نحيب التراب أشدّ سمائي ومن خرافة لم نعشها مازالت عظامي تنكرني، وترعلى جبين الغريب وعيون الأسئلة على قمح الظلال، صدأ الصمت طواغيت وغيمة من ألف زورق تتوسل رغوة ملح، في أي بوح يرتعش حزيران وفي أي نشيد وعد التلال، طال ليل الأهل وانسلت بيادر الجوع، دمي ما تساقط سدى، ربما على أهدابكم يطرّز الأفق شهوتي وعلى الجرح غداً نصنع عجينة الكلام.
-14-
لا شيء سوى العدم، خراب الغبار صارم والقسوة نشيج جداول الذاكرة، والخطايا فضاء الصمت خائن، ظلام أمكنة تتكسر، وصدى وجنتين ينابيع لهاثٌ خائب... نعيب تاريخ مطمئن ورياء حمقى يتلون ميراث الموائد بالآيات القدسية، ويشترون النقاء بعلف قواقع الأزمنة، أنياب سياط تندح غيمة والمرارة غابة المشاعر التالفة، تبهت كل النوافذ عن عالم أوهن جيوبه، مديح الأحذية الفارغة.. لا السماء صافية ولا شبع دمي أضغاث النور خلاص الشمس أوان الهاوية، لا شيء سوى الدنس يأكلنا ثوبا لجموح العاهرة، إرث الحاكمين في نشرة الأخبار والتراب خلايا مفسدتي يخمش وجهي بالتكاثر والحنين، أيّ السراب أشتهي أقل، دفء الحزن يبتسم والمأساة ألغازمآثرتمضي، أنامل الصلوات تمتمة وأنا المختال صباح فجيعتي -عطش خيل الأعالي- أعاقر ملايين الجثث وأسأل كيف على الجسر نامت وجوه الأرض وفي المخيم البعيد أمي ماتت.
-15-
مِن الألم أصابع ثلج أحمر كفيّ اليمنى، ووجنتيّ تفاحة وتوّرد نار، فجأة أن يتدحرج القلم الرفيع على الكلمات (لمن تقرع الأجراس)، الوردة التي وضعتها بين الصفحات يبست، ماؤها الأصفر غطّى فضاء جميع الحروف.
-16-
آخر الكلمات معطف العاشق، ظمأ النوم عنابر عرفان، مرايا الفصول منزل الصوف وشغب المصابيح في ليل الغربة خوف الطرقات الأليفة، أمتعة رصيف لا يستأذن، ونبيذ صفحة الأسماء.. أصداف ريف الدفلى وجراح القيامة على النعاس الأول. من هنا مرت عواصف عرس في الشتاء ومن هنا كل الأحاديث وشاية في ثنايا الاحتفال، تعب العائدين لنخب المهرة، لليدين الأقمار شذى الحنين وللعناق حزن كحل مضى، خاصرة ريح تهبط في الأسفار قامة المذبحة القادمة.
-17-
حين تصافح الظلال نجوم رماد يهتز، أتفقّد صباحي الأعزل وأقطف من جرحي خوف مرارة تخشى، الشمس مازالت لي مأوى، عياء أسماء تتوثب، المنفى أصل الأرض وقلب الشعب حافر آثام يتنزى.. يقتات على الرصيف الآخر متحف الدهر. ماذا بعد الخروج الحذر ننتظر؟ هواجس أشباح تقترب! كهف عتبات تنكر في الشوق مرمى مراياها وتغزل أنفاس الوميض الهارب روح بكاء يجتر. يضمحل من حولنا الترقب ونرتمي في إغراء ثوب الفطام رغوة عدم، هدم المهاجع البغيضة والبحث في سوق الأباطرة عن مقابر جديدة.
-18-
الصمت خشب العتبة والأولاد صياح ورد ذابل، ومن القيظ يتلوى غريب الخيمة، صوت المؤذن غيمة ووجه مجدلية يحرس أول الزقاق، نام الحرس على أجسادنا والخوف ريح فجر أعمى، تصّلي الأجراس وحدها وعلى القوافل الخطى حجر وعلى النشيد الأخير عباءة البدوي رماد حضن العاهرة.
-19-
أبكي مثل رعب الماء موتي وأحفر ظل جلدي عن خمر الحقيقة، ألتهم جسدي وألعن الأسماء كلها، لا الآلهة قامت من نتفي ولا ثمة راحلين خطو هدوء الاحتفال، كل الغبطة مأواي وأناي اكتراث الوقت أنثى الخليقة.
-20-
أحدّق في الفراغ الذي يشبهني، تغتالني الموسيقى وعصافير الظهيرة، عويل قطار يمضي وظلُّ المرأة غريب، وجوه لا أعرفها والكلام سنديان القطط، عكازة المكان صدر ركعتين وصهيل نعمة مبحوح، العناق في أول الغياب وآخره أراجيح قصص.
ابراهيم زهوري – مخّيم النيرب -حلب
1/3/ 2010