اعترافات سارق آخر!
قرأت ما كُتب في صفحة "أدب فكر فن" حول مسألة سرقة الكتب و"لطشها"، وها أنذا أراني اليوم محرَّضاً لكي أدلي، بدوري، باعترافاتي، مؤكداً اني من أضعف خلق الله أمام "الكتاب". كنا نردد دوماً مقولة شعبية قالها بعض عشاق المطالعة، وعشاق الكتاب، مفادها: "غشيم كل من يعير كتاباً، والأغشم منه من يردّ هذا الكتاب"، لذا، لا يحاولنّ احد من أصدقائي استعارة كتاب من مكتبتي، لكني مستعد الاستعداد كله لأن أستعير كتابا منه، والبقية تأتي.
كنت دائما أعتبر "شفط" الكتاب لقراءته والاستفادة منه حلالاً، وخصوصاً اذا كان مالك هذا الكتاب من الذين لا علاقة لهم بالقراءة ولا بالكلمة وبالحرف. من نوادر ما حدث معي، ان والد احد أصدقائي توفى ذات يوم وكانت لديه مكتبة ضخمة في منزله، تضمّ أروع دواوين الشعر والموسوعات والكتب التاريخية والسياسية القيمة، وكان صديقي من عشاق السهر، ومطاردة النساء الجميلات، ومعاقرة الخمر، ولا علاقة له بكل هذه الكتب التي يجهل عناوينها ومضامينها، فبدأت رحلتي معه، حيث كنت أقوم "باستعارة" الكتب من مكتبة والده المرحوم، التي بدأ الغبار يحتلُّ رفوفها، وصارت العناكب تتمطَّى بأرجلها فوق موسوعاتها ومجلداتها، الى أن صارت المكتبة شيئا فشيئا ضيفة دائمة في منزلي.
في أحد الأيام كانت فرحتي كبيرة عندما عثرت في مكتبة مدرسة راهبات القلبين الأقدسين في بعلبك، والتي كنت أدرِّس فيها مواد الاجتماعيات، على كتاب نادر وبات مفقوداً، عنوانه "تاريخ بعلبك"، للمؤرخ البعلبكي ميخائيل موسى ألوف. وبغية السيطرة على هذا الكتاب، وضعت مخطَّطاً يقضي بإجراء تحقيق لنشره في مجلة "النهار العربي والدولي" يومذاك عن تاريخ بعلبك، وعن ارتباط هذا التاريخ مع مدرسة القلبين الأقدسين، فأقنعت الأم الرئيسة المسؤولة عن المدرسة بفكرتي وبحاجتي الى هذا الكتاب، ثم أجريت تحقيقي ونشرته في المجلة، وكان ثمنه ان صار الكتاب من سكان مكتبتي ولا يزال (يا خوفي من ان تكون الام الرئيسة تقرأ مقالتي اليوم، فتتذكر تلك القصة وتطالبني باعادة الكتاب الى مكتبة المدرسة.
يؤلمني ان المكتبات في منازلنا باتت في طريقها الى الانقراض، واذا وجدت فإن أكثرها للزينة والديكور، او لاستكمال مسيرة الدجل الاجتماعي، كما فعل احد الظرفاء في بعلبك الذي كان يقتني الكتب ذات المجلدات المذهبة الفاخرة كديكور في منزله، عندما قام بنشر رؤوس بعض الكتب بالمنشار لتصبح متساوية مع الكتب الاخرى على رفوف المكتبة، و... مستقيمة، على ما قال!
سقى الله يوما كنا فيه نقصد المكتبة العامة لنقرأ أروع الكتب التي لم نكن نملك المال لشرائها، قبل ان يقوم بإقفالها يومذاك( غازي كنعان)، حتى يتسنَّى لأصحاب المنزل الذي استأجرته البلدية كمكتبة عامة استرداد منزلهم، في وقت لم يعمد القائمقام الذي كان مكلفا أعمال البلدية (قبل عودة البلديات) الى استئجار منزل بديل فضاعت المكتبة وضاعت كتبها، لا بل سرقت وتبخرت. وما يؤلمني ان مكتبة عبده مرتضى الحسيني في بعلبك، وهي اكبر مكتبة في الشرق الاوسط يملكها شخص، تبعثرت هنا وهناك وبيع قسم منها، وبقي الآخر، فيما التَهم العفن بقيتها، لأن الدولة والجمعيات والمؤسسات لم ترد على نداءاتنا التي أطلقناها في السابق لانقاذ هذه المكتبة التي كانت من أثمن كنوز المعرفة في لبنان.
السؤال: هل دخلنا عصر الجفاء المكتبي؟