أنا سارق الكتب

محمد دكروب قرأها 381
 

الصديقة العزيزة جمانة حداد عبّرت (في النهار 13/11/2006) عن عشقها للكتاب الجيد والجميل، ووصفت علاقتها به كما علاقة الحب، ثم روت كيف انها بعدما اشترت حاجيات لها تملأ عدداً من اكياس اليد، واشترت "تحويجة" عزيزة من الكتب، وجلست في المقهى ترتاح الى فنجان قهوة، ثم حملت الاكياس قاصدة بيتها البعيد في جونية حيث اكتشفت فقدان واحد من الاكياس هو تحديدا كيس الكتب العزيزة، فعادت الى بيروت، فالى المقهى، وقد انقضت ثلاث ساعات، فوجدت الكيس الأصفر لا يزال في مكانه، ولاحظت ان أحدهم قد عبث في الكتب ولم يخطر في باله ان يأخذ واحداً منها! فرحتْ جمانة باستعادة الكتب، لكنها حزنتْ جداً وغضبتْ جداً لما وصلتْ اليه حال الكتب عندنا، ولأن هذا العابث بكيس الكتب لم يخطر في باله ان يسرق ولو كتاباً واحداً من الكيس... ليقرأ!

 fawefawerwafafawerfrferfwefawe.JPG

 ***

أما انا، فقد خطر في بالي، فور قراءتي المقالة، ان اعترف الآن أمامها وأمام القراء أجمعين بأني، وبدون حسبان للعواقب، "سارق عريق" للكتب، ولي في "السرقة" هذه أساليب وأساليب، ولي أيضاً في هذه الفضيلة فلسفتي: فأنا أولاً لا "أسرق" أيَّ كتاب كان، وثانيا لا "أسرقه" من أي مكان (أقول قولي هذا ليطمئن أصحاب المكتبات التي أشتري منها خبزي اليومي من المجلات والكتب، وبخصوصاً الصديقة فاديا جحا، صاحبة "مكتبة رأس بيروت" العريقة، حتى لا تظن بي الظنون، والعياذ بالله). فقد أجزتُ لنفسي "سرقة" كتاب ما، او أخذه ببساطة، من تلك الأمكنة او "المكتبات" الخاصة، التي أعرف يقيناً ان أصحابها لا يستفيدون من الكتاب ولا يفيد منه الآخرون!.

بعض الناس يطيب له اقتناء بعض الكتب، ووضعها فوق رفٍّ او رفّين في الصالون، للتباهي او للايحاء بأن هذا البعض له اهتمامات ثقافية، دون قراءة. فاذا صدف ان وُجدتُ في بيت تزيّنه واحدة من هذه "المكتبات" الخاصة، وعثرتُ على كتاب أحتاجه، كمرجع او للذَّة القراءة، كنت أسمح لنفسي بأن "أسرقه" او "أستعيره"، وفي يقيني أني لن أعيده. وفي هذا تخفيفٌ على النفس من وطأة صفة "السرقة" الى صفة "الاستعارة" وهي نوع من السرقة المهذبة، والشريفة على اي حال، بحسب طريقة المرحوم "اللص الشريف أرسين لوبين!".

لكن ما يستفزني اكثر ان بعض سراة القوم مهووسون بأن يشيدوا في صدر الصالون الواسع مكتبة فخمة كبيرة معبأة تماماً بالكتب السميكة الكثيرة، ذات التجليد الفاخر والكعوب المذهبة، وهم مهووسون أكثر بالتباهي بصفوف الكتب هذه وأكعابها اللامعة، ويتمتعون في الوقت نفسه بإصرار غريزي على عدم القراءة، والاكتفاء بالتأمل الفلسفي في كعوب الكتب، فهي أجمل بكثير من قراءتها. ولله في خلقه شؤون وشجون!.

ألا ترون ان سرقة كتاب او أكثر من مكتبات كهذه هو أقرب الحلال الى الحق؟

أغرب من هذا، فقد علمت يقيناً ان شركات استهلاكية عالمية ابتدعت لأمثال هؤلاء الهواة، ومكتباتهم، سلعة عجيبة وظريفة ومريحة: شيء ما، يشبه الأكّورديون، نفتحه على وسعه فينكشف عن سلسلة من الكعوب الأنيقة لجميع أجزاء الانسيكلوبيديا البريطانية او ما يماثلها، توضع، عادة، في الرف الاعلى للمكتبة الفخمة، بحيث تلاحظها العين ولا تطالها اليد، وبحيث لا يكشف زيفها وفراغها الفعلي عن زيف مالكها وفراغه المتباهي جدا بمقتنياته "الموسوعية" هذه.

فكيف لا تدفعك حاجاتك الثقافية الفعلية الى "سرقة"، او اخذ، او استعارة، كتاب حقيقي ما، من مكتبة فخمة كهذه... اذا اتيح لك هذا؟

***

في مكتبتي، التي جمعتُها فعلا بكدح اليد والذهن وعرق الجبين، وبتوفير فلس من هنا وآخر من هناك، اضافة الى بضع من "السرقات الحلال"، في مكتبتي هذه، كتاب قديم عتيق، حفرتِ الأرَضَةُ في غلافه الكرتوني أنفاقاً وأقنية ومتعرجاتٍ تشبه خربشات رسوم الاطفال. هذا الكتاب عزيز جداً عليّ، ليس فقط بموضوعه القيّم بالفعل وبتأليفه الموسوعي بالفعل، بل بالطريقة التي وصل بها الى مكتبتي، وبالقيمة التاريخية، والمعنى الظريف والطريف الذي تحمله عبارات الإهداءين الخاصين المكتوبين في اعلى زاوية صفحته الاولى. الكتاب هو "تاريخ الصحافة العربية"، الصادر عام 1913، لمؤلفه الفيكونت فيليب دو طرازي، البحاثة المدقق والمدير الممتاز والمؤسس الفعلي لدار الكتب الوطنية (قبل ان خرّبتها الحرب الاهلية اللبنانية الحضارية بعشرات السنين)، وهو اهم كتاب في مجاله منذ تلك الأعوام حتى يومنا هذا. من عبارات الاهداء الاول، التاريخي، هذه الكلمات: "تقدمة من المؤلف الى مؤسسة (...) بتاريخ حزيران 1928"، مع امضاء المؤلف دو طرازي. اما الاهداء الثاني الطريف، والتاريخي بالنسبة اليّ، فقد جاء فيه: "وتقدمة من سارقه (فلان الفلاني) الى الرفيق محمد دكروب بتاريخ 1872 "  وقال لي هذا الصديق إنه لاحظ ان لا احد يستفيد، لا من هذا الكتاب ولا من غيره في مكتبة المؤسسة المذكورة، فوجد ان من أوجب الحلال ان يسرق هذا الكتاب ويهديه الى القارىء الدؤوب محمد دكروب الذي استفاد كثيراً ويستفيد دائماً من المادة المرجعية لهذا الكتاب الموسوعي، حتى يومنا هذا. فهل تضمّني الصديقة العزيزة جمانة، مع صديقي ذاك، الى عصابة سارقي الكتب الذي ترفع الدعاء مطالبة بتزايدهم؟!

***

اعتقد ان الصديقة جمانة، بدعائها هذا، الى تزايد عدد سارقي الكتب، لا تقصد أمثالي من العاملين الكادحين في الميدان الثقافي، بل ان تساؤلها الاستغاثي يقصد، تحديداً، حال الكتاب وحال الثقافة عموماً، في مجتمعاتنا العربية كلها، وبدون استثناء، وهي حال تصل في بؤسها وكارثيتها وانحدارها الى أسفل القعر العميق: تصور ان تعداد السكان العرب في هذا العالم العربي الشاسع تجاوز بكثير المئتي مليون انسان، وتصور ان متوسط تعداد النسخ التي تُطبع من الكتاب العربي الواحد يراوح بين 1000 و3000 نسخة فقط. ونادرة جدا هي الكتب التي يتجاوز توزيعها الـ15000 نسخة، ولست بارعاً في الحساب لاستخلاص النسب المئوية لأرقام كارثية. فالكارثة لا تعود فقط الى تدنّي حال التعليم والإعلام الثقافي، بل تعود أساساً الى حال المستوى الاقتصادي الاجتماعي الحضاري للناس في هذه البلاد، حيث التداول العام للبؤس يحجب عن العقول حاجاتها الضرورية للتداول العام للكتاب.

***

ايام الاتحاد السوفياتي، اتيح لي ان أعيش زمناً في موسكو، وكنت أعرف ان المستوى الثقافي في روسيا، قبل ثورة اكتوبر والنظام السوفياتي، كان عالياً. وبعد انتشار التعليم المجاني العام خلال النظام السوفياتي، صار المستوى الثقافي اعلى، وكذلك مستوى القراءة والاقبال على القراءة. لكن حشْريَّتي كانت تدفعني للتعرّف الملموس الى المستويات الثقافية لمختلف الناس الذين ألتقيهم وأحادثهم ولو بلغتي الروسية البدائية "المفشكلة". كنت في موسكو أتعاطى الدراسة الأولية في الكتب الماركسية، في معهد حزبي خاص، خلال النهار. وفي المساء كنت وبعض الرفاق نقصد الساحة الحمراء للتعرّف الى الناس الروس بحجة إجراء تمرينات (براتيك) في اللغة الروسية، ولم يكن هذا "البراتيك" يحلو لنا الا مع الفتيات، حيث نضطر الى الكلام بالروسية للتوصل عبر الكلام الى ما هو أبعد من الكلام! وفي الطريق الى الوصول، كنت أسأل الفتاة، التي أتعرّف اليها، عن قراءاتها، وما هو الكتاب الذي تقرأه الآن، وكان يدهشني ما ترويه حول تعدّد القراءات: من الأدب الروسي العريق، الى الأدب السوفياتي الحديث، الى العديد من القراءات في الآداب الاجنبية، الأوروبية بشكل خاص. وخشية أن يكون تعداد عناوين الكتب نوعاً من "الرعاية الشيوعية"، والعياذ بالله، كنت أسأل عن تفاصيل هذا الكتاب أو ذاك، فكان يدهشني، الى حاسّة التذوّق الأدبي، نوع من العقل الاستيعابي وأحياناً العقل النقدي لدى الفتاة التي أسألها، وأعرف منها انها تستعير الكتب من المكتبات العامة، وتشتري ايضاً بعض الكتب ذات التوجّه الحداثي والانتقادي. وكانت الاحاديث عن الكتب توصلنا الى طريق الشقّة للتعرّف، مثلاً، الى المكتبة في هذه الشقة، والى... التعمّق في الحديث الثقافي، على أنواعه.

في القطارات، والأوتوبيسات، ومقاعد الحدائق العامة، وحتى في الصفوف الطويلة لشراء الحاجيات، وكما في عديد من المجتمعات الاوروبية، تجد الكثيرين جداً وهم يفتحون كتاباً يقرأون فيه، واكثر القراءات كانت في الرواية وفي الشعر.

صديق روسي، من عشاق الكتب، روى لي طرفة في الموضوع، قال: كنت أهبط الدرج الكهربائي الموصل الى قطارات المترو، والمستعجلون، عادة، يسابقون الدرجات نزولاً. في فسحة تُترَك لهذا السباق، شخص طويل عريض يقف سدّاً في وسط هذا المجاز، ويقرأ! خلفه شخص آخر يرجوه: يا رفيق، يا (تَفارِشْ)، أرجوك، اني مستعجل، افسح لي قليلاً، أجّل القراءة قليلا. وكأن الطويل العريض لا يسمع. يا رفيق، أرجوك، أرجوك! ضاق صدر الرفيق العريض، التفت الى الآخر، خلفه: ولماذا هذا الاستعجال؟ ثوان فقط، ونصل! - ولكن يا رفيق، انني أسرع الى المكتبة! - وماذا هناك؟ - ديوان جديد يا رفيق للشاعر أندريه فوزنيسكي. أخاف أن تنفد الكتب، ويطير فوزنيسكي قبل أن اصل. - ديوان جديد لفوزنيسكي؟ سامحك الله! ما تْقول كِدَه مْنِ الصُّبْح يا رفيق! وهبط الدرج أمامه بسرعة، ثم شنكله بذراعه، وأخذا يركضان معاً، قبل أن تنفد الكتب، ويطير فوزنيسكي!.

أيتها "الرفيقة" جمانة، شنكليني لنركض معاً، نشتري فوزنيسكي، مثلاً، قبل أن يطير.

متى نركض هكذا، في بلادنا، لنشتري ديوانا لشاعرٍ نحبه، أو شاعرة نحبها ونقرأها، أو روائية نحبها ونحب كتاباتها، معاً؟

سرقة الكتب... أو استعارتها... أو شراؤها لقراءتها... انها نعمة كبرى نرجو أن تعمّ ويتزايد انتشارها في الانحاء العربية التي يسكنها أكثر من مئتي مليون انسان، يتزايدون، باستمرار! آمين!