عبد العظيم أنيس أيها المتعدّد مَن أنت؟
عبد العظيم أنيس أيها المتعدّد مَن أنت؟
محمد دكروب
ربما هي مصادفة أن يتوفى الدكتور عبد العظيم أنيس، مباشرة، بعد وفاة صديق عمره محمود امين العالم، في الاسبوع نفسه (محمود يوم 10/1/2009، عبد العظيم يوم 15/1/2009)!
ولكنها ليست مصادفة ان تنعقد بين هذين الكاتبين والمناضلين الكبيرين صداقة عمر وكفاح وسجن وكتابة ومعارك مشتركة وعطاءات خصبة، منذ اواخر الاربعينات حتى ذلك الاسبوع "القََدَري" الذي توفيا فيه معاً. لا يُذكر الواحد منهما الا مقروناً باسم الآخر، بالحب والتقدير لكليهما (كانا معاً في المناخ الواحد للفكر الماركسي، ومعاً في المعتقل والسجن وتكسير صخور البازلت تحت عين الشمس، ومعاً أُبعدا عن التدريس في الجامعة وعن مصر، ومعاً تشاركا في كتابهما الأول الصادر في بيروت، ومعاً في المسيرة الطويلة وعبر مختلف التغيّرات والتحوّلات في مجالات العمل السياسي والنقد الأدبي والفكر والفلسفة والعلوم وحتى في الصراعات الحزبية). فهل هي مصادفة، ايضاً، ان اتعرّف، أنا، الى الواحد منهما بعد الآخر، في خلال عام واحد (1954) وتنعقد معهما صداقة عمر خصبة، على رغم اختلاف الاختصاصات، منذ ذلك العام السعيد حتى يومي الحزين هذا؟ انعقدت هذه الصداقة، أولاً، مع عبد العظيم انيس، بمفاجأة مدهشة تندرج، ربما، تحت عنوان من انت يا عبد العظم أنيس؟ ولأبدأ الحكاية من أولها.
عندما جاءنا عبد العظيم أنيس الى بيروت، عام 1954، شبه مُبعد عن مصر، بعدما طُرد، هو و50 من اساتذة الجامعات المصرية، كان يحمل لي مفاجأة مذهلة. كان، بالنسبة الينا في ذلك الحين، ناقداً أدبياً، من روّاد المعركة ضد القديم، خاض (هو ومحمود أمين العالم، وآخرون) معركة من أجل أدب جديد، تحت شعار "الأدب في سبيل الحياة"، فترامى الينا، في بيروت، صليل المعركة القاهرية بين اصحاب الجديد هؤلاء والمنادين بالقديم (منهم طه حسين! والعقاد)، فشمّرنا في بيروت عن سواعدنا، وخضنا المعركة تضامناً مع رفاقنا التقدميين، حَمَلة لواء الجديد في مصر، ضد طه حسين بالذات الذي سبق ان اكتسبنا ثقافتنا الحديثة على كتاباته التنويرية، التقدمية، فتغافلنا عن هذه الحقيقة، وقلنا: كان الرجل تقدّمياً، ثم تحوّل ربما الى مسار آخر.
في أي ميدان من ميادين الثقافة في بيروت تريد العمل، سألتُ عبد العظيم؟ أجاب بهدوء بديهي: في ميدان تخصّصي العلمي. تقصد علم الأدب؟ أجاب: بل أقصد تخصّصي العلمي. ألا تعرف ان تخصصي هو الاحصاء الرياضي؟
من خلال كتاباته المعروفة، حتى ذلك العام، لم يكن أتيح لنا ان نتكهن بمعرفة ان تخصصه علمي. فكتاباته التي عرفناها هي في النقد الأدبي والدراسة الأدبية، وأحياناً في السياسة والفكر السياسي.
فاجأني بقوله: جئت ادرّس الرياضيات العليا، وألقي محاضرات علمية في الإحصاء الرياضي، في "معهد الإحصاء الدولي" فرع بيروت.
هل تغيّرت نظرتي اليه وصارت الى الاتجاه الأكثر وقاراً؟ نعم، ولا. فقد ملأتني هذه الحقيقة العلمية لعبد العظيم وشعرت باعتزاز عميق تجاه هذا الصديق العالِم والناقد. لكن شخصيته كانت تميل الى البساطة والمرح وخفّة الروح والانسان الذي يعرف كيف يقهقه. ولم تكن هذه في ذهني صورة "العالِم" من خلال سلوكيات بعض اساتذة الرياضيات، "العلماء"، الوقورين!
لكن التساؤلات التي طرحت نفسها أمامي هي: من اين جاء هذا العالم الى النقد الأدبي؟ او من اين جاء هذا الناقد الى العلم؟ ثم ما هي العلاقة، وكيف يتجلى التفاعل؟
قال عبد العظيم أنيس: "لقد واجهت مشكلة عسيرة عام 1939، إثر حصولي على شهادة الثقافة العامة، إذ كان عليّ ان اختار احدى الشعب الثلاث للسنة التوجيهية (آداب، علوم، رياضيات). فقد كنت محباً للغة العربية والأدب والفلسفة، كما كنت محبّاً ايضاً للرياضيات ومتفوّقاً فيها، ولكن نظام التعليم في جامعاتنا لم يكن يسمح بالجمع بينهما، فما العمل؟ ("التكوين"، كتاب الهلال، شباط 1998، ص 101 – 102). استطاع أخوه ابرهيم أنيس، ان يُقنعه بالدخول الى كلية العلوم لدراسة الرياضيات، وقال له ان في مقدوره دراسة الأدب والفلسفة وحده، وخلال أشهر الصيف، وبكل الوسائل المتاحة. وهكذا كان.
ثم قال عبد العظيم انه دخل قسم الرياضيات في كلية العلوم، ولم يندم على ذلك قط. ويشير الى "جماليات الرياضيات" فيروي انه في مرحلة المراهقة والنزعات الأفلاطونية وعالم المُثُل، بدت له العلوم الرياضية البحتة لا التطبيقية، ذات جمال خاص. وما أذهله بحسب قوله، هو معنى هذه الحقائق الرياضية في الهندسة والجبر التي بدت كأنها مستقلة عن أي خبرة. انه عالم المُثُل إذاً، كما يقول افلاطون.
هكذا جاء عبد العظيم الى العلم، متخصصاً في الإحصاء الرياضي، لكنه كما قال كان محباً للغة العربية والأدب والفلسفة، فرأى ان لا بد ان يجد طريقه أيضاً الى الكتابة الأدبية او النقد الأدبي. وتشاء الوقائع ان يبرز اسم عبد العظيم أنيس، ناقداً أدبياً، مع بداية الخمسينات، في ظروف معركة أدبية وُصفت بأنها "بين شيوخ الأدب وشبابه". وتشاء الارادة ان تكون هذه الكتابات في النقد الأدبي "تمريناً عاماً" لكتابات لاحقة، في مسارات العلم والعلماء، تأخذ من الكتابة النقدية بعض طرائقها وأساليبها. ففي كتاباته النقدية، وخصوصاً في كتابه المشترك مع محمود أمين العالم "في الثقافة المصرية"، الصادر عام 1955، تميّز الناقدان برؤيتهما الى العمل الأدبي عبر علاقاته بالمهاد الاجتماعي، والبحث في مدى حضور الاوضاع والصراعات الاجتماعية في العمل الأدبي، تحكمهما رؤية مستقبلية الى الحركة الاجتماعية، وحرص على مدى حضور هذه الرؤية المستقبلية في قلب العمل الأدبي الروائي وعبر حركة شخصياته وربما كانت رؤيتهما في تلك المرحلة الى الحركة الاجتماعية اعمق واكثر اتساعاً ومرونة من رؤيتهما الى بنائيات العمل الأدبي. وهذا مفهوم، تاريخياً، وفي سياق ان تلك الكتابات حملت جديد الريادة وعيوب الريادة معاً.
ليس هذا موضوعنا، هنا. على انني أحب ان نرى معاً مدى حضور الكتابة النقدية الأدبية في الكتابة العلمية (او في الكتابة عن مسارات العلم والعلماء) التي مارسها عبد العظيم أنيس لاحقاً، وجمع بعض كتاباته هذه في كتاب قيّم صدر عام 1983، عن "مؤسسة الأبحاث العربية"، في بيروت، عنوانه "علماء وأدباء ومفكرون". ففي هذا الكتاب استخدم المنهج نفسه، مع نضج اعمق في استيعابه واستخدامه، واستفاد من "الأسلوب"، مع اهتمام اكثر بجمالية التركيب البنائي للكتابة العلمية، وابتكار طرائق لتوصيلها الى الناس، غير العلماء، من القراء. فلم يكن أنيس يضع سوراً صينياً بين تكوينه العلمي وتكوينه الثقافي الأدبي السياسي، بل كان يحرص، وهو العالِم، ان يستزيد من ثقافته العامة، الأدبية والفلسفية والفنية الموسيقية، ويختزن الخبرات من نشاطه السياسي العام. فكانت ثقافته العلمية/ الأدبية، متدامجة مع نشاطه السياسي العملي، الكفاحي، ومع ضرورات الوصول في الكتابة التعميمية الى الطرف الآخر: الناس. وقد أفادته الكتابة الأدبية كثيراً في مجاله العلمي هذا.
بدأ عبد العظيم كتابه "علماء وأدباء ومفكرون" بمقالة عنوانها "إحياء التراث العلمي العربي"، وفيها يبدو واضحاً تأثّره المنهجي بما كان اتخذه في دراساته من رؤية الى علاقات العمل الأدبي بالحركة الاجتماعية وبالزمن، وكأنه بمقالته هذه يعيد صوغ اسسه تلك ليدرس في ضوئها ما سيأتي من دراسات علمية. لاحظ عبد العظيم في مقالته، ان المنهج الذي اعتُمد في اكثر الدراسات العربية حول تراثنا العلمي العربي أحادي الجانب، يركز على الإنجازات العلمية في ذاتها، من دون اهتمام كاف بتوضيح الصلة وتقديرها بين هذه الإنجازات والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات العربية آنذاك، او من دون اهتمام على الاطلاق بأثر التيارات الفكرية والفلسفية المختلفة في إنجازاتنا العلمية، ولا التأثير العكسي للعلم العربي في هذه التيارات الفكرية والفلسفية (راجع ص 17). ورأى من الناحية المنهجية ان كل دراسة عن العلم العربي وتراثه مطالَبة بأن تضع هذا التراث ضمن اطاره الاقتصادي السياسي الاجتماعي والفكري العام، وان تشير الى "الاضافات الجديدة" التي راكمتها اكتشافات هذا العالِم او ذاك الى التراث العلمي العربي والإنساني الواسع، وان تضيء التفاعل المتبادل بين هذه العوامل المختلفة.
في هذا السياق المنهجي كتب أنيس دراسة ممتعة عن عالم البصريات العربي ابن الهيثم الذي عاش قبل الف عام من أيامنا هذه، فصوره ضمن حوادث عصره، وكيف انه أعلن، وهو في العراق، ان من الممكن عمل شيء ما على النيل، يُشبه السدّ، بحيث تستفيد مصر من ايام الزيادة او النقص في مياهه، فاستقدمه الحاكم بأمر الله الى القاهرة، فتفحّص هذا العالِم مجرى النيل في مناطق عدة، فوجد ان ما وصفوه له هو غير ما رآه على الأرض، فألحقه الحاكم بوظيفة ما. وكان العصر عصر تدهور سياسي وفكري واحتدام صراعات وتزايد فقر، فامتلأت القصور بالمؤامرات، مما يحبط اي خلق في مجالات الثقافة كما في مجالات العلم. وفكّر ابن الهيثم ان يبتعد عن هذه الجحيم التآمرية، بأن يبتكر طريقة نضالية تُخرجه من ظروف عصره وتجعله هو وأبحاثه العلمية في مأمن من الوشاة والحسّاد والمتآمرين، فادّعى الجنون، وانعزل، وأنتج في عزلته "الجنونية" هذه أبحاثاً وكتابات مارست تأثيراً هائلاً في علم البصريات في أنحاء اوروبا لمدى قرون، أهمها كتابه الشهير "المناظر" وأبحاثه في تركيب العين.
وقرر عبد العظيم أنيس ان "ليس هناك أدنى شك حول الاهمية البالغة لكتاب ابن الهيثم، "المناظر"، وحول الاثر البالغ المدى الذي تركه هذا الكتاب على العلم الاوروبي في عصر النهضة، وعلى تطور فن الرسم الاوروبي بما قدمه من مفهوم المنظور" (ص 27). وأورد قولاً للعالم البريطاني، من اصل بولوني، ج. برونوفسكي، يضيء فيه جانباً من جديد ابن الهيثم وإضافته، حيث قال: "لقد ظن اليونانيون ان الضوء ينطلق من العين الى الاجسام، ولكن ابن الهيثم أدرك، للمرة الأولى، اننا نرى الجسم لأن كل نقطة عليه ترسل شعاعاً الى العين وتعكسه فيها" (ص 24). هذا الكشف مارس تأثيره الكبير في تطور علم البصريات، والفلك، وفي فنون الرسم أيضاً.
ووافق عبد العظيم أنيس القائلين بأن ابن الهيثم "كان من فرقة الواقعيين من العلماء الذين يصحّ ان نُجمل مذهبهم في انهم يرون العالم الطبيعي موجوداً في ذاته وجوداً عينياً، خارج الذهن او العقل، وان الحواس ادوات إدراكه" (ص 31). ولا تنحصر هذه الرؤية في انها مقولة علمية، بل هي مفهوم فلسفي ثارت حوله مجادلات في شأن الفهم الفلسفي، المادي او المثالي، للكون ولحركة العالم. وهذه الرؤية مرتبطة بكشف ابن الهيثم ان صورة الاشياء ليست إنتاج ضوء من العين الى هذه الاشياء بل بالعكس هي إشعاعات من الاشياء الى العين.
ربما أطلنا في هذا المثال لنوضح مدى استفادة الكتابة في العلوم من طرائق الكتابة في النقد الأدبي، كما من منهج النظر نفسه الى مكان الإنتاج الأدبي والعلمي في حركة المجتمع والكون.
استفاد عبد العظيم، أسلوبياً، من الكتابة الأدبية فطلع علينا بالأسلوب المشوّق في سرد حكايات العلماء وفي عرض نتائج ابحاثهم واكتشافاتهم العلمية. هكذا، مثلاً، في مقالته المشوّقة عن العالم الفرنسي افرست جالوا، بدأ من العنوان "عندما تجتمع العبقرية والنضال السياسي وسوء الحظ"، ثم تابع: "افرست جالوا، واحد من أعظم من أنجبت اوروبا – وفرنسا بالذات – في علم الجبر في القرن التاسع عشر. عاش حياة اغرب من الخيال، ومات في الحادية والعشرين مقتولاً بصورة تفوق خيال السينمائيين" (ص 71). ثم أخبرنا ان جالوا لم يترك وراءه غير ستين صفحة، و"لكن هذه الصفحات الستين ظلّت تشغل أذهان الرياضيين لأكثر من قرن من الزمان بعد وفاته". هذه البداية للمقالة تثير، عند القارئ، العديد من التساؤلات، والتشوّق للتعرّف الى إجاباتها خلال القراءة. كيف صار جالوا من أعظم من أنجبت اوروبا في علم الجبر وهو مات في الحادية والعشرين من العمر؟ وما الحياة الأغرب من الخيال التي عاشها؟ وما وقائع مقتله التي تفوق خيال السينمائيين؟ وما طبيعة النضال السياسي الذي خاضه؟ وما مضمون هذه الصفحات الستين، فقط، التي تركها فشغلت أذهان الرياضيين وقدّمت مساهمة كبيرة في تقدم العلوم الرياضية في العالم؟.
في المقالة هذه، التي تشبه القصة في تركيبها المشوّق وسلاسة كتابتها، والتي يتّضح فيها مدى استفادة الكتابة العلمية من طرائق الكتابة الأدبية، إجابات عن هذه التساؤلات، واكثر. فلا بأس اذا اتيح للقارئ ان يعود الى هذه المقالة العلمية المشوقة في كتاب عبد العظيم.
* * *
وهل تعرف ان الشاعر الالماني الكبير غوته جرّب ان يصير عالماً؟ روى عبد العظيم، ان غوته، بهرته الوان الريف الايطالي، وتراكيب الوان الرسامين الكبار في اللوحات الفنية، فأراد ان يصل الى سر الألوان، علمياً، فأنشأ كتاباً ضخماً عنوانه "نظرية الألوان". ليس المهم ان نظريته العلمية كانت خاطئة، بل المهم، كما بيّن أنيس، رؤيته الى مسألة التفاعل بين العلم والفن، وهل هو حقيقي؟ عنوان المقالة "غوته، شاعر عظيم وعالم فاشل"، وفيها حديث عن الجانبين، وخصوصاً الجانب "العلمي" في إنتاج الشاعر. ففي مسرحيته العظيمة "فاوست" مناقشات علمية فنية مؤدّاها ان حقيقة الحياة هي في الفن، هي في الذات، وليس في الموضوع!
ولكن عبد العظيم يختلف هنا عن غوته ومعه، من حيث رؤيته ان التفاعل هو أساس الحركة، والحياة. وأشار أنيس الى ذلك الانقسام بين تصوّرين متناقضين لا يزالان يحومان حولنا حتى اليوم: التصور الميكانيكي للكون الذي تعود جذوره الى نيوتن، والتصوّر العضوي للكون الذي تعود جذوره الى أرسطو (ص 157).
وأشار عبد العظيم، في مقالته "جاليلو: الحقيقة والرمز"، الى تداخل آخر بين الأدب والعلم، وذلك لدى الكتابة عن مأساة جاليلو وقضيته: هل جاليلو بطل ام متخاذل في مقاومته محكمة الكنيسة ثم في خضوعه لها؟ وهل هو بطل من أبطال التقدم أم هو في موقفه من معرقلي حركة هذا التقدم؟.
وروى أنيس كيف كان المسرحي الألماني برتولت بريخت يغيّر ويطور في مسرحيته عن جاليلو وموقفه، بحسب تحولات العلم في عصره، ومسؤوليات العلماء في العالم وعنه. فليس من وجهة واحدة للعلم ولا من وجه واحد او موقف واحد للعلماء. واذا كان العلم، بذاته، يحمل التقدم، فان اليد التي تستخدمه هي التي توجهه نحو التقدم او نحو التدمير. وتظل على العلماء مسؤولية اخلاقية من حيث مواقفهم وواجبهم في ادانة الاستخدام التدميري لنتائج ابحاثهم، او عرقلة هذا الاستخدام.
وتتكرر مأساة محاكمة جاليلو، في ظروف عصرنا، مع محاكمة العالم الأميركي روبرت اوبنهايمر. فهو كان العالم الأول والأساسي في صنع القنبلة الذرية. ولكنه بعد تأمله في النتائج المأسوية لإلقاء القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما اليابانية، وبعد انتهاء الحرب العالمية، رفض ان يشارك في صنع القنبلة الهيدروجينية، ووقف ضد إنتاجها، فكان ان قدِّم الى المحاكمة أمام مجلس الشيوخ الاميركي بدعوى انه كان، في السابق، منتمياً الى منظمات يسارية، ولهذا فإنه يقف الآن ضد إنتاج القنبلة الهيدروجينية. اما هو فلم يُنكر انتماءاته، وأعلن كذلك ان جميع المسؤولين عنه في المختبرات العلمية كانوا يعرفون هذا، عندما وصفوه بأنه "ابو القنبلة الذرية"! لكن اوبنهايمر تردّد في أواخر وقائع المحاكمة، وعبّر عبد العظيم عن عدم تأييده هذا الموقف، وكأنه هنا يحدد موقفاً لم يحدّده صراحة من موقف جاليلو، فأشار الى ان اوبنهايمر الذي وقف ضد انتاج القنبلة الهيدروجينية لم يكن موقفه خلال المحاكمة بهذا الوضوح. لقد اختار أن يتردد ويتذبذب في ردوده على أسئلة اللجنة ولم ينفعه هذا التردد كثيراً لأن اللجنة أدانته في نهاية الأمر (ص 97). وقال عبد العظيم ان اوبنهايمر فقد شجاعته في اللحظة التاريخية الحاسمة. أي انه لم يدافع بصلابة وحتى النهاية عن موقفه وعن رأيه السياسي الذي لم يتنكّر له ولم يسبق يوماً ان تنكّر له في حياته!.
هنا تتداخل المواقف العلمية بالمواقف الفكرية والانسانية، ويصير الفكر عنصر إدانة إنسانية للاستخدام التدميري لإنجازات العلم.
ولا بأس من أن نشير هنا الى الموقف الانساني، والرفاقي، من العلم يمارسه عبد العظيم نفسه داخل السجن. هذا الموقف حدّثنا عنه محمد سيد أحمد، في مقالة له نشرها في جريدة "أخبار الأدب" (8 تموز 2001)، ويكشف العمق الانساني، والمعرفي، لفهم عبد العظيم أنيس لدور العلم، وإشاعته، ولو داخل السجون. قال محمد سيد أحمد: "ان علاقتي بعبد العظيم توطّدت بالذات بعد دخولنا سجن الواحات، مجموعة مناضلين، عام 1959. وتعايشنا في زنزانة واحدة لفترات طويلة. كان عبد العظيم يعطي لي دروساً في علم الإحصاء، وفي مجالات اخرى من الرياضيات العليا. وكنّا، في ظروف كثيرة، لا نملك ورقاً ولا كتباً على وجه الاطلاق، فكنا نستخدم مسامير للكتابة على الحائط او طباشير لفرش المعادلات الرياضية المعقّدة. وكان هو يعيد اختراع النظريات التي كان يدرّسها لي ابتداء من بدايتها ثم من نهايتها، ثم تكملة قوام النظرية بالذاكرة، بدون وجود مرجع يعود اليه. وظللت هكذا أتتلمذ على عبد العظيم طوال سنوات السجن".
في شخصية عبد العظيم يتدامج العلم، بالفكر، بالنقد الأدبي، بالموقف السياسي النضالي، طوال مسيرته العلمية والسياسية. وقد رأينا كيف ان كتابته عن العلم والعلماء أخذت الكثير من طرائق النقد الأدبي والقص الأدبي المشوّق. وفي حين لا يغيب الأدب والأعمال الأدبية الفنية عن كتاباته العلمية، لا يغيب ايضا المثال العلمي عن تجديد وتجدّد الموقف السياسي. فعندما سئل عبد العظيم عن موقعه من الماركسية وموقع الماركسية من فكره، بعد انهيارات الاتحاد السوفياتي ومعسكر البلدان الاشتراكية، والتصدع التراجيدي في الكثير من الحركات الماركسية في العالم، قال قولة الكاتب، والسياسي، والمناضل، والعالم والمنتقد معاً: "برغم الانهيارات التي وقعت، فانا لا ازال على اقتناعي بشكل عام بالماركسية ولا ازال اعتبر نفسي ماركسياً. ولكن حينما نتأمل ماضينا الطويل سنجد اننا عاملنا الماركسية بشكل دوغما كنظرية جاهزة، فيها إجابة عن كل الأشياء وحلول لكل المشكلات، بحيث لم ننظر الى هذه النظرية كمقدمات قابلة للتطوير والإضافة والتعديل، ولم ننظر الى نسبية كثير من قوانينها". وشرح هذا الموقف الفكري النضالي بمثال من النسبية والتحولات في ميدان العلوم: "وانا اشبّه هذه المسألة دائما بقوانين نيوتن الثلاثة، ونسبية هذه القوانين بعد ظهور النظرية النسبية لأينشتاين. فالنسبية لم تلغ قوانين نيوتن، ولكن أظهرت محدوديتها وبيّنت الشروط التي ينبغي توافرها ليتتابع التقدم. لكن نجد انه حتى الآن لا تزال قوانين نيوتن مفيدة في ما يتعلق بعلم الصواريخ، بحيث يمكن اعتبار علم الصواريخ تطويراً لقوانين نيوتن" (مجلة "أدب ونقد": هكذا تكلم عبد العظيم انيس، آب 1993، ص 27 – 28).
ولعلنا، بهذا كله، قد قاربنا ذلك التعدد والوحدة، والتجدد والتطور والتطوير، وتكامل ثلاثية العلم والفكر والأدب في شخصية عبد العظيم أنيس نفسها. فهل استطاعت مقالتنا هذه ان تجيب عن جوانب من سؤالنا، في عنوان المقالة أعلاه؟.