"المجانين يشنُّون هجوماً معاكساً" – قصة قصيرة
إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا
تجارب قصصية ميدانية
خطيب بدلة
لازمات
ملاحظة 1:
إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!
ملاحظة 2:
نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.
المجانين يشنون هجوماً معاكساً
بينما نحن– إخوانكم بالله المجانين– نمارس حياتنا اليومية في العصفورية، إذ اعتلى زميلُنا بَرَّام أبو الخيلة كرسياً، ووضع فوقه طنجرة اصطبغ قفاها بالسخام، ولف ورقة صحيفة أومجلة فاخرة مما يصدره العقلاء المقربون من السلطات زاعمين أنها صحف معارضة (!!!!!)، لف الورقة على شكل بوق، وأعلن فينا (نفير المجانين العام).
ولأننا مجانين، بعيداً عنكم، لم نولِ هذه الحركة ما تستحق من اهتمام، بل صَفَّرنا للرجل، وطَوَّطنا له بأيدينا قائلين على نحو متداخل:
- انزل ولاك برّام الكلب.
- تُضرب في هذا الموديل البطلان.
- كُلْ هواء يا قليل الأدب.
- ...
ولكنه لم يأبه لسخريتنا، ظل ينتظر حتى سكتنا، وشرع يخطب، وأثناء الخطبة أخذ صوته يتهدج ويرتفع بالتدريج، مما يعني أنه متدرب على الخطابات على نحو ممتاز، قائلاً:
- إخواني المجانين. اسمحوا لي أن أتكلم، ولا تقاطعوني مهما كلف الأمر، فالخَطب جلل، والخطر محدق. في السابق كان العقلاء يقتلوننا إذا قاتلناهم. أقلعنا عن قتالهم، فلم يَرُقْ لهم ذلك، وأصبحوا يقتلوننا حيثما ثقفونا، بسبب ومن دون سبب، في الشارع والسوق والمقهى.. أقلعنا عن الخـروج إلى الشارع والسوق والمقهى، وجلسنا، كما ترون، في عصفورياتنا، بقصد أن نكفيهم خيرنا وشرنا. ولكن هل أعجبهم ذلك؟ أبداً، بدليل أنهم شرعوا يهاجموننا في عقر عصفوريتنا، يقصفوننا بالقنابل العملاقة ويمزقوننا إرباً إرباً. فهل نسكت؟ كلا ثم كلا ثم كلا، لن نسكت، وإنني، باسمكم جميعاً أعلن النفير العام والهجوم المعاكس. الله أكبر والنصر للمجانين!
في هذه اللحظة، انهمر وابل من الحصى والصرامي البلاستيكية على رأس الزميل بَرَّام، تعبيراً منا عن التضامن معه والاستجابة لندائه! وهو بدوره حمى رأسه ووجهه بيديه، وحينما هدأت حمى الرشق بالحصى والصرامي عاد يقول:
- نحن، يا أخوتي بالعصفورية، أبناء حضارة عظيمة، لم يسبق لنا أن سكتنا على ذل، أو نمنا على ضيم. كلا، وأنا الآن مستعد لأن أضرب لكم من الأمثلة ما تشيب لهوله الولدان. هل تريدون ذلك؟
قلنا على نحو متداخل:
- اضْرُبْ أمثلة ولاه.
- اضرب تُضرب في بوزك.
- اضرب أمثلة قبل أن يضربك العقلاء في قفاك!
قال: قبل حوالي 15 سنة، حينما صرح الكاتب عزيز نسين بأنه يطالب بإدخال الكتب الممنوعة إلى بلاده، بما فيها الكتب الدينية والكتب العَلمانية، ماذا فعلنا؟ لقد هاجمنا الفندقَ الذي يقيم فيه ذلك المارق وأحرقناه بمن فيه، قتلنا أربعة وثلاثين رجلاً من الأدباء والمفكرين، وللأسف لم يكن المارق "نيسين" بينهم!!
ويوم أصدر الحقير سلمان رشدي روايته الخسيسة "آيات شيطانية" هل سكتنا له؟ لقد خرج عشرات الألوف منا احتجاجاً على الأفكار السامة الهدامة التي تضمنتها الرواية. صحيح أننا، ومن فرط التدافع، عفسنا بعضنا بعضاً، ومات منا حوالي خمسون مجنوناً في أماكن متفرقة، وصحيح أن سلمان رشدي لم يصب بأذى، ولكن هذا لا يهم، المهم أننا لم نسكت!
وبينما نحن على أخذ وردّ مع زميلنا المجنون الذي وقف على الطنجرة خطيباً، إذ اخترق الجمع أحد المجانين وسأل الزميل برّام:
- وقف عندك برّام، وقف! هل قرأت أنت رواية سلمان رشدي ولاه؟
قال برام: أنا؟ فشر في عينه، أأنا أقرأ رواية ذلك التافه؟ لم أقرأها والحمد لله، وحتى أولئك الذين خرجوا للاحتجاج عليها- واستشهدوا في سبيلها- لم يقرؤوها. طبعاً أخي طبعاً، أم ترانا جننَّا ودخلنا العصفورية بالواسطة؟!!
* ** *** ** *
صدر للمؤلف
§ حكى لي الأخرس 1987
§ عودة قاسم ناصيف الحق 1989
§ الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990
§ امرأة تكسر الظهر 1994
§ وقت لطلاق الزوجة 1998
§ حادث مرور 2002
§ التداوي بالأدب 2006
كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.
|
رابط إلى المجموعة الكاملة |