بين نقطة تقاطع وبؤرة تفجير! - قراءة - جلاء عزت الطيري في "قصتين من زمن الإنفجار العذب"

محمد باقي محمد قرأها 413
  

بين نقطة تقاطع وبؤرة تفجير!

قراءة

جلاء عزت الطيري في

"قصتين من زمن الإنفجار العذب"

محمد باقي محمد

فقلت له شكراً

لأجلك خضَّبتُ شفتيّ

تنجز جلاء عزت الطيري نصَّين بالغَي الحساسية والرهافة بدلالة العلاقة بين الرجل والمرأة بما هما قطبا الوجود، وتسمهما بـ"قصتان من زمن الانفجار العذب"، فإذا تذكّرنا بأنّ العنوان ينهض بوظيفة سيميائية ومعرفية، وذلك من خلال نظام إشارات تشي بعوالم النصّ، من غير أن تفضح أسراره دفعة واحدة ما يقتل لعبة التشويق، التي تروم توريط القارىء في قراءة المتن، حُقّ لنا أن نتساءل عن الجدوى من توصيف نصيها بالقصّ، وعليه ألم يكن الاكتفاء بـ"زمن الانفجار العذب" أكثر جاذبية، وأدعى للتأويل!؟ وفي التصريف ألم تكن مُفردة "التفجير" أكثر دقة في التعبير عن تفجّر عواطف بعينها!؟ ربّما لأنّ العنوان – في الخواتيم – إن هو إلاّ عتبة مُمهّدة للمتن..

حيثما توضّعت الإجابة فإنّ "الطيري" اشتغلت على الحياتي الحميم والدافىء على انكساره، ربّما لأنّ الانكسار الذي يتوّج مثل هذه العلاقة في مُجتمع ذكوريّ ذي مُرتكز سلفيّ رثّ، نتيجة منطقيّة لحسّ العيب الاجتماعي، ناهيك عن حسّ الإثم الدينيّ اللذين يحكمانها!.

ولأنّ الحزن صنو الانكسار تلفّ القاصّة متنها بشجن أصيل وعميق، شجن ينتمي إلى مقام التشوّف، ثمّة امرأة ورجل تجمعهما المدرسة التي يعملان فيها، لتولّد العشرة مشاعر حميمة في قلب المرأة، ولتفاجأ في النهاية بأنّ الرجل المُتمنّع على البوح قد ترك قلبه في محطة أخرى، ومع امرأة أخرى!

السرد جاء على لسان المرأة، الشخصية المحورية في النصّ الأول، نحن إزاء ضمير المتكلم، أي إزاء أحد أساليب القصّ الحديثة، ما يمكن أن يُصنّف في خانة السرد الذاتي لا الموضوعيّ، ولأنّ القصة قصة تفاصيل، تحايلت "الطيري" على زمن القصّ، لينسجم مع توليفتها السردية، فأعفته من نسق التعاقب، مُتكئة في ذلك على زمن استعاديّ حيناً عبر التذكّر، ومتدرّج حيناً آخر بالاتكاء على كشف مُتدرّج لحساب التشويق، أي لحساب تمتين البنية الدرامية في المتن، يتقدّم الحدث في عمومه مُحتكماً إلى تفاصيل بالغة الرهافة والعذوبة في تفصيل علاقة الأنثى بالذكر، ما يشي بعلاقة القاصة اللصيقة بعلم النفس، فتلعب تلك التفاصيل دور مُحفّزات القصّ التي تدفع حركته إلى الأمام، ولأنّ علاقة كهذه تأخذ بمجامع الجميع بسبب من الكبت الاجتماعيّ، تقفل القاصة نصّها على المدهش والمُباغت، الذي يُناقض الرغائب الجمعيّة الدفينة، فإذا بالشابة تنطوي على انكسارها، ومن بين دموعها المُرافقة لاكتشافها بأنّ قلب الرجل في مكان آخر، تشكره وتنزوي سريعاً في مكان ما لتلمّ جارحها!.

المقام هنا مقام شاعريّ، ولذلك فإنّ القاصة أوكأته إلى لغة شاعرية، فحضر المُجنّح ذي الأفياء والظلال والتوريات، ولأنّ المشاعر إذ تحتدم تسمح بشيء من الإسهاب في التفاصيل للوقوف بها، تحلّلت "الطيري" من مبدأ الحذف والاصطفاء بحدود، من غير أن يغادرها حذرها من مطبّ الترهّل، لتنجز نصاً محكماً، فهل كانت "الطيري" مُطالبة بأن تشتغل على المكان بدلالة النفسيّ أكثر، لتكسبه حضوراً نفسياً إلى جانب حضوره الواقعيّ!؟.

أمّا في نصّها الثاني الذي وسمته بـ"لأجلك خضّبت شفتي”، فإنّ "الطيري" توغل في مقام العذوبة، حتى أنّ الشعر يلصّها قليلاً من مقام القصّ، وتتقارب المناخات في النصّين على وجه العموم في الموضوع وتقانات القصّ، إلاّ أنّ الشخصيّة المحوريّة – هنا – تتجاوز الخطاب الشعبويّ المُؤنّث الذاهب جهات التشكّي من ظلم الشريك الرجل، في ظلّ علاقات بطريركيّة فظّة، تتجاوزه نحو تماه كامل بالشريك، إذْ في الوقت الذي تلتزم شخصيتها المحورية – في نصّها الأول – بقواعد اللعبة – إذا جاز التعبير – لتدفع الذكر إلى البوح، تبادر الشخصيّة المحوريّة – في نصّها الثاني – إلى الاحتكاك بالآخر، ولو أتيح لها الوقت – إذن– لباحت هي بمكنونات القلب ولواعجه، بيد أنّ القاصّة أدارت الدفّة بذكاء لتنسجم الخاتمة هنا مع تلك التي جاءت عليها في نصّها الأول، ومرّة أخرى تحقّق لها المدهش والصادم.

وعلى الرغم من أنّ هذه القراءة تعاملت مع النصين كحقل اختبار، إلاّ أنّها تسجل للقاصة انضواء نصّيها على نقطة تقاطع وبؤرة تفجير بآن، ما اقتضى التنويه!.

جلاء عزّت الطيري

فقلت له شكراً

لأجلك خضَّبتُ شفتيّ