المنظور الاجتماعي التاريخاني في قصص (نقوش البياض) لغسان عبد الخالق

وديع العبيدي قرأها 1,139

المنظور الاجتماعي التاريخاني في قصص (نقوش البياض) لغسان عبد الخالق 

تتألف بنية المشهد السردي في المجموعة القصصية (نقوش البياض) من مستويين رئيسين: الأول: قاعدة البناء (stage) ويعادل اللوحة/ القماش في العمل الفني. ويتضمن جملة العناصر والمكونات الحيثية (اكسسوارات) المشهد.. جوّ القرية، جوّ المدرسة، جوّ البيت.. حيث تتجمع فيها عناصر الطبيعة + عناصر المكان (المجتمع) + الشخوص المكملة (كومبارس). وهؤلاء – في الغالب- كبار السنّ: الأب، الأم، المعلم، المعلمة، العطار، الحلاق.. ويشكلون عناصر ثابتة في بنية المشهد المقتطع من الواقع.

وهنا تجدر الاشارة إلى وحدة الستاد/ stage  المعتمدة في كلّ المجموعة. وهي خلية واقع قروي فلاحي بدائي إلى حدّ ما.. تنقل المؤلف بين بيوتاته ونوازعه وهواجسه، لينقل لنا صورة مؤرشفة لنزيف المشاعر والرغبات، من خلال عيني وأحاسيس طفل. بكلّ ما تمثله الطفولة من براءة – بياض- وكلّ ما يعمل الواقع الستاتيكي المتوارث على إضافته إلى لوحة البراءة والبياض، من ضربات موجعة بفرشاة سوداء تاركة نقوشا عميقة في الضمير الانساني.. تلك هي (نقوش البياض).

الثاني: شخصية البطل [الطفل – في كلّ المجموعة]، وهو الفاعل المؤثر المحرّك لنسيج الأحداث، وتوليد البنية الدرامية اللازمة. ويمكن تمثيل دور الطفل – هنا- بقطعة (الحجر) الذي ألقي في بركة ساكنة، أو (السمكة) التي ترتفع من حين لآخر من أعماق المياه منتفضة قافزة في الهواء، تاركة حولها جملة دوائر ومدارات متعاقبة متماوجة تتباعد شيئا فشيئا حتى تتلاشى، وتعود المياه إلى سكونها بانتظار حركة جديدة.

 المنظور الاجتماعي التاريخاني في قصص (نقوش البياض) لغسان عبد الخالق

من هذا المنظور يمكن استدراج الفهم الثوري أو المغزى الفكري الذي أراد المؤلف توظيفه بالاقتصار على [شخصية طفل]، عبر الترميز إلى طاقة التغيير التي يختزنها النشء الجديد والولادات المقبلة؛ فيما لو لم تعمل رموز الواقع السلفي قولبتها ومسخها في بوادقها الدراجة.

وقد وضع المؤلف كلا من الطفل، والآخرين – المحيطين به- على طرفي نقيض. وهي إشارة إلى بذور الصراع الكامن.. مع الجديد، والذي يجسّد توقّعات المؤلف بالتغيير، وإدانة عناصر القمع والاحباط التي تخنق الواقع.

ذلك أن طابع البراءة والبساطة المقترنة بعالم الطفولة، يتضادّ كليا أو جزئيا، مع طابع المسؤولية الاجتماعية، أو القصدية وحالة سبْق الإصرار التي تكتنف الأفعال الإرادية لشخوص المستوى الأول، بحكم مسؤوليتهم الاجتماعية والقانونية عن أفعالهم.

ويمكن تلمّس القصدية الواضحة في شخصية الحلاق- الذي أقنع الطفل بالاحتجاج أو التمرد، والنكاية بالمجتمع المدرسي والفئة الموجهة له (المعلم)، وكذلك صورة (المعلمة) التي تختصم مع زميلتها وتشدّها من شعرها، لتعاطف (الثانية) مع مشاعر [طفل]، وجد فيها صورة [أمّ/ أخت/ صديقة] وربما [دمية سحرية جميلة توفر له كلّ ما تشتهي نفسه، وتختلف عن الدمى التقليدية في قريته] مما يستثير مشاعر العاشق الصغير، ويدفعه للانتفاض والانقضاض على المعتدية، التي تحاول - تدمير- دميته الأثيرة، وتشويه علاقته البريئة بها، وحرمانه من هاته العلاقة التي توفر له قدرا من الإشباع العاطفي والأمومي النفسي.

وتكتسب صورة الافعال المكتسبة الآنفة، بالأنانية والانتفاعية، الخبث والنفاق، النكاية، التي تعجّ بها حركة المجتمع في إطار دائرة محددة.. وما يتضمنه من تنافس على الماء والهواء والمال والأرض والشهرة والجاه والسلطة- متجاوزين شيئا فشيئا، وتبعا لدرجة التطور المدني، مدرجا للمعايير الخلقية مغرقا في وحل الجشع والاستبداد وحبّ الذات.. عائدين بالمجتمع القهقرى إلى المرحلة البدائية [الرعي- الزراعة- الريف]- [قصص: الكلاب، رؤيا، الأولاد، ابن القابلة، الرجال، أضغاث أحلام].. مشتقا من خلل هذه المقارنة، معادلا موضوعيا لمغزى القصّ.. ملمّحا من خلاله إلى شيء من طفولة البشرية.

ونظرا لكون هذه القصص، مستوحاة من ذكريات طفولة الكاتب، فإن تصنيفها الزمني – تاريخيا- يسبق الراهن [بداية التسعينيات] بعقدين من السنين أو أكثر.

ان بساطة النشاط الاقتصادي الزراعي والرعوي لمجتمع الريف تنعكس على خارطة العلاقات الاجتماعية في صور البساطة- العفوية- الطيبة- روح المشاركة- السذاجة- المباشرة- فتميزت معظم أحداث القصص باقترانها بالمراتب الأولية على صعيد النشاط الاقتصادي أو الانعكاسات الاجتماعية [الحافز/ الدافع- الغرض/ الغاية]. مثل ذلك: مشاعر الحبّ البريء في قصة (حبّ): راعني جمالها.. كانت أجمل امرأة رأيتها في حياتي/ ص51 ؛ واكتشاف اللذة الجنسية في سنّ المراهقة: قصة (ابن القابلة): اكتشافهم المثير لذلك المنجم السحري المخبوء في أجسادهم/ ص26؛ الصدق والإخلاص والنزاهة في (أضغاث أحلام)؛ الحيازة في (مصباح علاء الدين، أولاد): أخبرتني أمي أكثر من مرة أن الأولاد يذهبون إلى المدينة ويعودون ببعض المال، وأن الجارات يتساءلن لماذا لا أفعل مثلهم/ ص21.

وفي سلسلة التراتب المعيشي توقف عند نقطة الفقر (كلاب، رؤيا) حيث يدخل الطفل مبكرا ميدلن العمل.. ويتعلم أو تعلمه أمه كيف يعيش ويشقّ طريق الحياة، ويتنافس مع أقرانه ليحظى بنصيب أكبر ولا يتردد أو يخجل.

بينما يظهر – على الجانب الآخر- أثر التخريب التربوي في قصة (رجال): تتسلل إلى المدرسة ليلا، وتنشرها في الساحة ثم (..) فكرت كثيرا في الورطة التي أوقعت نفسي فيها. وراودتني أكثر من فكرة لإعادة المظروف إلى محمود/ ص36. مما يمثل نقطة سوداء في ذاكرة طفل أو على صفحة روحه النقية.

وفي قصة (كلاب) يتوجب على الطفل أن يسلك كرجل: إنهض.. أبوك لم يعد للآن.. يجب أن تذهب لتستفسر عنه. من المؤكد أن حماد يعرف عنه شيئا ولكن الطريق والليل و.. خجلت أن ألفظ كلمة (كلاب) فهي تعلم أن الطريق إلى بيت../ ص10.

وفي قصة (حبّ) يجد نفسه أيضا في حكم الرجال، مندفعا لحماية الفضيلة والمحافظة على معشوقته: في المرة الأولى ضربت ذلك الصبي.. إلخ/ ص53.

أما النتيجة التي تسفر عنها مسيرة التحوّل والاكتساب والتلقين هذه.. فهي واحدة تتلخص في قرار إدارة المدرسة "ر قلئدة يا سيّد!".. لم يعد لدي وقت.. هذا قرار نهائي.. خذ ولدك إلى مدرسة أخرى، وعلّمه الأدب./ ص52.

فإذا انتقلنا من خانة التلقين والاكتساب في تحليل السلوك الاجتماعي إلى السلوك والرغبات والمشاعر الذاتية، يضعنا المؤلف أمام أبواب مفتوحة لمدارك الطفولة وأحاسيسها، وذلك في غير قصة ومن غير مناسبة. "كانت ملحمة (من لحم) أشعلت في رأسه نارا كلما خبت، نفخت – رؤياه- في رمادها، فتعود تحرق.. خضراء أجمل امرأة في قريته.. الكلّ يعرف ذلك ويحسد سلمان"./ ص16. " وأعني جمالها. كانت أجمل امرأة رأيتها في حياتي. كان كلّ ما فيها ناصعا وذا رائحة تبعث على النوم"/ ص51.

في قصة (حبّ) يتجاوز هذا الاحساس مجرد الشعور العاطفي إلى استشعار اللذة الحسّية و"تناول المزيد من الخبار المهموسة التي جدّت"/ ص26. " لن أنسى ذلك اليوم الذي اندفعت فيه من بيت والدها عارية كما ولدتها أمها (..) تساءل رابح بحرقة حقا! هل رأيتها عارية؟.. أعني هل حقا ما يقال عن جسدها؟"/ ص28.

ولكن كلّ هاتيك المشاعر ما تفتأ تنتهي بحركة ذكية من المؤلف إلى مسارب الخوف والتشنيع في نفق الفضيحة والخيانة والخروج من السياق العام للمجتمع.

*

ولا يخفى على القارئ.. ان قصص (نقوش البياض) رحلة استرجاعية [backwards- tale] في ضمير الماضي، وحدائق طفولة لذيذة، في محاولة تدشين سيرة ذاتية أدبية، تمنح نفسها فضاء غير محدد من حرية التحليق والابحار، بنفس المستوى الذي يجعل منها وثيقة تاريخية تؤرشف صورة الحياة الاردنية لزمنها، وتسجل حجم التغيير والتطور الاجتماعي في سحابة ثلاثة عقود. فبالاضافة لمجمل ثيمات رئيسة، لم يفت الكاتب تسجيل وصول المذياع للقرية، وقصة دخول أول جهاز تلفون، كان مقره في بيت شيخ القرية، بما يؤشر الملامح الأولى لدخول الحداثة في القرية الأردنية والعربية على السواء. فالحسّ الاجتماعي/ التاريخاني يرادف هنا الحسّ الأدبي السردي على مستوى واحد، بل قد يتقدم عليه، وذلك في صالح النصّ والذائقة الاجتماعية.

* غسان اسماعيل عبد الخالق (دكتور أدب عربي) مواليد الزرقاء/ الاردن (1962)، باحث أكاديمي وناقد أدبي وقاص. صدر له: نقوش البياض- قصص/ 1992، ليالي شهريار- قصص/ 1994.

* سبق نشر هذه القراءة في الملحق الثقافي لجريدة الرأي الأردنية  في يوم الجمعة المصادف للخامس من مارس 1992/ ص15، [كان محررها الثقافي الأديب ابراهيم العجلوني]. وأعيد نشره هنا بعد المراجعة والتعديل. يذكر ان هذه القراءة هي القسم الثاني من دراسة موسّعة، نشر قسمها الأول في "ملحق الخميس الثقافي" لجريدة الشعب الأردنية (1992)، [كان محررها الثقافي الروائي ابراهيم نصرالله]. وذلك للعلم رجاء.