ياهودايزم- ج7
.jpg)
(تقنيات لعبة السلطة)
[19]
لعبة الصناديق.. ترويض النمر!..
توصيف الدكتور علي الوردي [1913- 1995م] صحيح في قواعده النظرية، ولا يخلو من رومانسية وإعجاب عاطفي بالمنظومة الغربية قبل أكثر من ستة عقود. ولكن عالم الاجتماع العراقي الذي ربط المسالك الأخلاقية بطبيعة البيئة الاجتماعية ومدى تلبيتها وإشباعها لحاجات الفرد، فاته ربط (الدمقراطية) بظروفها الاجتماعية وطبيعة البيئة الثقافية وأسس الحياة الاقتصادية.
ان الظروف الاجتماعية، المرتبطة بطبيعة البيئة وعواملها الرئيسة، هي المؤثر الأساس في تكوين شخصية الفرد وخصائصه الجسدية والنفسية، الفكرية والاجتماعية، الدينية والسياسية. فطبيعه الفرد وذائقته ورغائبه ومواقفه، تعود الى حاضنته الأموية العائلية، والبيئية القبلية والطائفية الاجتماعية. وفي ذلك يمثل المجتمع العراقي الذي خصّه الوردي بدراساته الأساسية –دون غيره من الأكادميين والمؤلفين العراقيين-، تشكيلة فسيفسائية مرتبكة، يحيث يفضّل وصفها بأنها (إشكالية متناقضة) – بدلا من (تشكيلة مضطربة)-!.
والواقع، انه بدلا من منقبة الدمقراطية الغربية، ثمة قصة طريفة من تراث الهند، من شعوب الشرق المسالمة التي تنبذ العنف ثقافاتها ومناهجها الدينية [الهندوسية والبوذية والتاوية] عامة. وذات مرة ازّمت الظروف بين مملكتين متجاورتين، وبدأت كل منهما التهيؤ لمواجهة الحرب المقبلة.
في تلك الحال، دعا أحد الملكين نظيره الى اجتماع طارئ، تخلّله سؤال واحد عن الغاية من الحرب؟.. أجابه الملك الآخر، الحرب وحدها، تقرر من هو صاحب الحقّ فينا!.. فعرض الملك الأول عليه قائلا: إذن.. بدل توريط جيوشنا في حرب مهلكة، دعنا – نحن الاثنين- نتبارز، والفائز يمثل بلده.
فاقتنع الملك الثاني بفكرة الأول حول مبارزة فردية بينهما بالنيابة عن بلديهما. فقام الملك الأول وأحضر [لوحة شطرنج] –كما نعرفها اليوم-، وفيها بيادق تمثل الملك والوزير والجنود، وجلسا يتبارزان على رقعة شطرنج صغيرة، من غير عنف ولا عضلات ولا دم ولا قرابين بشرية!..
وما يزال اسم الشطرنج الغربي يحتفظ بأصوله الهندية. ولكنها بعد بروزها ايام الاتحاد السوفيتي وسباقاتها الدولية، يلحظ انها تراجعت وتكاد تختفي في ثقافة الناشئة المعاصرة، بعد زوال الاحتقان بعد المعسكرين، وتشجيع الامبريالية الانكلوميركية نشر الحروب والأزمات الداخلية والبلدانية والألعاب الإلكترونية، بغية تدميرها من الداخل، وتهيئة العالم للانتقال الى خريطة امبريالية جديدة، تستفرد فيها الولايات المتحدة وأذرعها الأخطبوطية إلكترونيا وعسكريا واقتصاديا وسياسيا.
في الغرب الأوربي لم تنضج الدمقراطية كمؤسسات وتقاليد وأخلاقيات الا بعد الحرب العالمية الاولى، وتحوّل البرجوازيات الوطنية الى أحزاب وكيانات سياسية تتصارع من خلالها لتداول السلطة، في ظل وجود مرجعية دستورية صارمة ومركزية ثقافية أوربية متكاملة. فالصراع بين الأحزاب، أساسه المشاركة وتقنيات السلطة دون مساس بالثوابت الوطنية والقواعد الدستورية، مما يؤمّن حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي مهما كانت جهة الحكم ولون الحكومة.
اما في الشرق الاوسط، فالصراع الدمقراطي هو حرب حقيقية تقوم على الفوز والهزيمة والمحو والإلغاء وتصفيات المعارضين بعد الفوز. الصراع غير الدمقراطي لدينا يمسّ ثوابت الدولة [ملكية، جمهورية] وثوابت الدستور [علمانية/ دينية]، وثوابت الاقتصاد [اشتراكي/ راسمالي] وثوابت المجتمع [حداثي/ قبلي] الخ.
وما حدث في بلداننا ويحدث في تركيا الاردوغانية، دليل واضح على التخلف والفوضى وانعدام المرتكزات البيئية والثقافية لفكرة الدمقراطية والتداول السلمي للسلطة القائم على أساس ميثاق حقوق الإنسان واحترام المناهج الدستورية المتعارفة عالميا.
والا.. فما الفارق بين دكتاتورية الحزب الواحد والقائد لعراق البعث، ودمقراطية الحزب الواحد والولاء القائد لعراق ما بعد صدام؟.. ناهيك عن انهيار الثوابت الوطنية والدستورية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية، وبلوغ السوريالزم العراقي اقصى تماهياته.
بعيدا عن العواطف الحداثية والديباجات الإعلامية، نحن بحاجة للتمييز –والفصل- بين الأطر النظرية التي ساهمت فيها دوائر فلسفة الاجتماع السياسي الغربي والمؤسسات الاكادمية لتقعيد ثقافة (الدمقراطية) كنوع من أخلاق الاجتماع السياسي في هيكلية نظام الحكم/ السلطة المدنية؛ والدوافع الأساسية وراء ترويج (الدمقراطية) وتسخيرها من قبل البرجوازية الأوربية القائدة لحركة الحياة الغربية ومؤسساتها السياقتصادية الاجتماعية.
ان نظرة بانورامية اوسع لقواعد الاجتماع السياسي الغربي بين اواخر الحكم البيزنطي/ الروماني وما تلاهما حتى الحرب العالمية الأولى، نجد ثمة ثلاث فئات تعاقبت على سيادة الدولة والمجتمع -(فقه الاجتماع السياسي)- هي على التوالي: سلطة العسكر، السلطة الدينية، سلطة البرجوازية.
ففي ايام الحكم الروماني والبيزنطي، كانت القوات العسكرية هي التي تتولى ترشيح شخصية (قيصر)، وفرضه على البلاط السياسي. وعندما يتعدد المرشحون من قبل وحدات عسكرية مختلفة، تنشب الحرب بينها حتى يفوز المنتصر، او تظهر شخصية مفاجئة بعد اندحار المتصارعين.
وفي عهد بيزنطه تحولت السلطة لبابا الكنيسة وتأييده الضروري لتمكن المرشح من العرش. هذا التقسيم ليس مدرسيا صارما بالطبع، وانما تخلّلته حركة ديناميكية وصراعات داخلية متّصلة بين العسكر والكنيسة، انتهت لصالح بابا الكنيسة في حسم الموقف.
وبنفس المنظور يمكن فهم ثورة مارتن لوثر (1517م) ضد بابوات روما، وتنامي دور الإقطاع والبرجوازية التي انحاز اليهم لوثر -حينذاك- وظهور الحكومات والدويلات والممالك والإمارات الإقليمية، في مرحلة انتقالية، بين انحلال امبراطورية روما ونشأة الدول القومية في أوربا.
وقد عانت المجتمعات الأوربية من حروب الفلاحين والإقطاع –النبلاء والفرسان السابقين- لصالح ظهور طبقات نفوذ جديدة من واقع الطبقات الوسطى وطبقة المثقفين وانصار التحديث التي انتجت الدولة المدنية العلمانية الحديثة بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
هاته الحروب هي التي أوردها علي الوردي كخلفية سياسية ودافع للنظام الدمقراطي. والواقع ان تلك الحروب استهدفت اعادة تنظيم/ هيكلة وتقعيد النظام الاجتماعي الطبقي للمجتمعات الأوربية الراهنة. فهل يمكن اعتبار التناحر الطائفي وسيناريوهات العنف الديني العراقي الراهن، نظيرا للصراعات والحروب البرجوازية الأوربية الممهّدة لدمقراطية الصناديق. هذا ما حدث في لبنان بين السبعينيات والثمانينيات التي جعلت من حركة أمل وحزب الله وجماعات سمير جعجع وغيرهم كيانات سياسية مشاركة في السلطة، ولكن على حساب تمزيق الشعب اللبناني ووحدته الوطنية والتعريض بمؤسساته المدنية العلمانية الى نوع من حكم الطوائف ودول داخل دولة شكلية.
الحروب والصراعات الطبقية العسكرية في أوربا استنفدت أغراضها، ولا مجال لتجددها وحصولها. ولكن حروب المجتمعات الشرق اوسطية يمكن ان تستمر قرنا دون تبلور فكر سياسي او منهجية حضارية او وعي مجتمعي بأهمية التعايش والتعاون وطيّ الخلافات ومعالجتها عقلانيا وسلميا. وفي تاريخ المنطقة وفرة من حروب، طائفية، قبلية، دينية، سلطوية، تتجدّد وتتكرّر، وتمضي، بغير تغيير او تجاوز لأسبابها.
ان طبقة الأغنياء/ الملاك السائدة لليوم على هرم المجتمع الأوربي، لم تكتفِ بجعل اقتصاد البلد –أداة استثماراتها المتنامية-، انما اتجهت خارج الحدود القومية والأوربية –الحركة الاستعمارية-، لإشباع حاجاتها، مسخِّرة الدولة والجيش، لخدمة الاستيلاء على بلدان المواد الخام وأسواق التصريف وطرق التجارة والتسويق الضامنة لها.
هذا يعني.. ان الدولة الأوربية ليست هرم السلطة الاجتماعية، انما هي حلقة وسيطة بين المالكين والمعدمين، بين الأغنياء والفقراء، وهي وسيلة لخدمة احتياجات الطبقة البرجوازية وتلبية رغباتها، من خلال تحويلها الى سياسات وقوانين وقرارات وقواعد سلوك سياسي او اجتماعي.
وفي الأوراق الستّ التي تقدمت بها رئيسة الحكومة البريطانية: [الاثنين:27 مارس 2017م] لزعامة الاتحاد الأوربي تضمّنت اشتراط الخروج المنظم لبلدها من الاتحاد بضمان الاتحاد الأوربي للمصالح الاقتصادية البريطانية والشراكة التجارية مع دول الاتحاد، بما لا تتضرر معه المصالح التجارية للبرجوازية البريطانية. وهذا يعني ان بقاء حكومة تيريزا ماي او هزيمتها رهين بنجاحها الدبلوماسي والتعاقدي –حكومة ديل/(deal)- ومدى خدمتها لتطلعات البرجوازية فوق الحكومية.
وهذا يعني وجود فارق جوهري بين الاجتماع السياسي الأوربي وبين بلداننا، وفارق هيكلي بين بناء الدولة الأوربية والدولة العربية. مجتمعاتنا الشرقية تغلب عليها مكانزمات الدين والاعتقاد والخلافات العرقية، ولا وجود فيها للصراعات الطبقية وعوامل الإنتاج والفوارق الاقتصادية، حيث تستمر مظاهر السلوك البدائي والقبلي لاستحصال القوت وإشباع حاجات المعيشة والترف.
مازالت السلطة السياسية العربية ممثلة بالدولة اليوم، هي رأس المجتمع، وتتولّى باستمرار تهشيم مراكز النفوذ الاقتصادي قبل نموها الى درجة تهدد كيان الدولة ونفوذها، كما حصل في فجر جمهورية قاسم، عند رفض الاقطاع في جنوب العراق وشماله قبول تطبيقات قانون الاصلاح السياسي، فنشبت الثورة الكردية (سبتمبر 1961م) وتدخل المرجعية الدينية في الجنوب.
لقد فات الدكتور الوردي غياب التقسيم الطبقي الاقتصادي في المجتمع العراقي، ناهيك عن التخلف الثقافي لطبقة الاقطاع القديمة في العراق، وعدم شرعية استحواذها على الأراضي الواسعة بفرمانات سلطانية منافية لقناعات الناس المقيمين فيها.
- يفضل في هذا المفصل الاطلاع على روايات الكاتب العراقي الرائد ذو النون ايوب [1908- 1988م] وسيما روايتاه الأوليتان: [الدكتور ابراهيم، اليد والأرض والماء] حيث كان معظم الملاك يقيمون في المدن، ويقيمون وسطاء/ (سراكيل) يقومون بمتابعة الاملاك وجمع (الوارد)!.
وفي فجر الاسلام اشترى تجار الحجاز اراضي عراقية وعرضوها للايجار لكي تدر عليهم مواردها، وهم في الحجاز او الحواضر. وكان لدهاقنة الفرس املاك في العراق، يستخدمون عليها وسطاء لجمع الريع، وهو ما استمر لحد ما خلال الحكم العثماني والعهد الملكي.
واقع الحال، ان العراق الملكي [1920- 1958م] قام على أسس مدنية علمانية لبرالية دمقراطية، هي اية ما ينشده مجتمع ثقافي. ولم تنقطع ممارسات التربية الدمقراطية، بدء من تشكيل المجلس الوطني التأسيسي عام 1920م بالترشيح وتمثيل الفئات النافذة وبعض المثقفين البارزين، الى تشكيل المجالس النيابية بعدها، رغم تخلُف المجتمع يومذاك وانتشار الأمية والتقاليد البالية.
وبدل ان تنضم القوى السياسية والمثقفة لإنجاح الممارسة الدمقراطية وسياسات التحديث المدني والتثقيف الاجتماعي، فضّلت الهروب من المسؤولية الوطنية بخدمة المصالح الإقليمية والدولية- امس كما اليوم. فناصبت الحكومة العداء وناجزت سياساتها بالاستعداء، وقامت بتشويه سياسات الحكومة ورجالاتها خدمة لهاته الجهة الأجنبية او تلك، محوّلة – العراق- الى ميدان تصفيه صراعات اقليمية وانعكاسات الحرب الباردة. وأمس كما اليوم، كان العراق – وطنا وشعبا- غائبا عن الخطاب السياسي، الا بما تقتضيه قشور الإعلام.
وعندما نشر كتاب (وُعَّاظ السلاطين) عام (1954م)، لم تكن الدمقراطية غائبة كنظام استفتاء صناديق، رغم احتدام الأزمات السياسية بين الأحزاب والحكومة، وتغير قواعد اللعبة السياسية الدولية والإقليمية لما بعد الحرب العالمية الثانية، التي بقيت خارج وعي ساسة العراق الملكي. ففازت بعض تيارات المعارضة بفرس الطراد الذي استبق التغيير، تماشيا للعبة الجديدة.
وما تعرّض له علي الوردي من مضايقات ومطاردات واعتقال، لم تكن بسبب دعواته الدمقراطية، وانما لتعرضه لطبقة رجال الدين – وُعَّاظ السلاطين- على مرّ الزمن، فكانت كاظمية بغداد – مسقط رأسه- بؤرة اضطهاده ومحاولة تصفيته ومصادرة كتابه يومذاك.
أما (جلاوزة القلم) التي قصدها من اصطلاحه التراثي السالف، فهي التي سادت في العهد الجمهوري، متصدّرة المؤسسات الإعلامية، لتشدّ من ازر الحكم الجمهوري وسياساته الايديولوجية -[تعريب- تبعيث- عسكرة]-، في تعبئة الشعب وتدجينهم ثقافيا لخدمة أهواء السلطة وميول الحكومة.
وفي مصر عبد الناصر التي شهدت ظهور طبقة (جلاوزة القلم) قبل العراق، بقيادة محمد حسنين هيكل، فقد تعورف عليها بتسمية (الاقطاع الثقافي) – بديلا للاقطاع من ملاكي الارض-. وقد بقي المثقفون الستينيون هم سدنة نظم الجمهورية منذ ستينيات القرن الماضي حتى نهاية القرن.
البيروقراطيا الثقافية لا تتحكّم بالعقلية والمسالك والأهواء والميول المجتمعية، وانما تتحكّم في توجّهات الإنتاج الثقافي والنشاط العقلي والتوجّهات الأكادمية ايضا. مما يجعل كل نظام يبدأ بتأميم الجامعات ويتصرّف بالأساتذة وتنقّلاتهم وتغيير مراكزهم، كما تفعل السلطة العسكرية بقادة الفرق والوحدات العسكرية، بما يضمن لها تأمين عرشها واستقرارها.
وحتى في الغرب الأوربي، لا تخرج المؤسسات الإعلامية ودور النشر والدعاية من قبضة البرجوازية التجارية وخطابات أحزاب السلطة. ولا غرو ان تجد تخصص دور النشر ووسائل الإعلام بحسب مراجعها الاقتصادية والسياسية والدينية، كل جهة لحالها.
الثقافة ووسائل الإعلام الغربية – بما فيها شبكة النت- لا علاقة لها بجوهر الثقافة والتنوير، بقدر علاقتها بترويج برامج وأفكار وسياسات الجهات المموّلة لها والمشرفة عليها: [اقتصادية/ سياسية/ دينية]. ويلحظ ان الطرف المختزل في معادلة السياسة الغربية، هم (العسكر) المتوزعة أعمالهم بين الأمن الداخلي والأزمات الخارجية.
وفي الحالين يخضعان خضوعا صارما لمؤسسات حكومية مدنية، لا تسمح لهم باي نشاط سياسي او ثقافي خلال ذلك. ان فكرة [الترويض/ التدجين/ التجحيش] منافية لجوهر فكرة (الدمقراطية المتمثلة) بمبدأ الحريات الأربع [حريات الارادة والحركة والاعتقاد والنشر] دون تدخل خارجي.
ان كتاب علي الوردي، كان خطابا مبكرا، تضمن إنذارا وتنبيها لبرامج الأنظمة الايديولوجية الجمهورية –العسكرية والحزبية-، التي تبنّت البرجوازية الثقافية، واستخدمتها لضرب التيارات الاقتصادية ونقاط التركز والنمو الاقتصادي من خلال سياسات التأميم الفارغة، وشعارات الاشتراكية الدعائية؛ جاعلة منها انظمة شعارات وقرارات، ملحقة بالمجتمع وتبلوره التاريخي، مزيدا من هزائم هيكلية مجتمعية، ناهيك عن هزائمه السياسية والثقافية والعسكرية.
وخلاصة القول.. ان مجتمعاتنا – شرقأوسطية- لم تعرف السيرورة والصيرورة الاجتماعية التي تضعها على عتبة الديالكتيك التاريخي الذي يقودها لمنصة الأمم والمشاركة الحضارية. لقد هدم الحكم الجمهوري منجزات النظام الملكي المدنية والحضارية. وهدم نظام صدام وما جاء بعده البقية الباقية من آثار التنمية الاجتماعية والثقافية للعهدين الملكي والجمهوري الاول.
وما نيل المطالب .. بالتمني!!..
[20]
منظمة (امم متحدة) جديدة..!
من حق كل فرد او جماعة او بلد، اختيار طريقه ومنهجه واحتمال مسؤوليته الخاصة، وذلك بالاستناد الى بنود الميثاق الدولي للامم المتحدة، التي تنصّ على مبدأ حق تقرير المصير -الوطني والقومي-، وعدم التدخل في شؤون الآخرين!.
في هذا السياق تبدو فكرة العولمة/ العالمية/ [Globalization]، هي الفكرة الأسخف التي كبّدت البشرية – حتى الآن- أفدح الفواتير- ودمّرت حكومات ودولا ومجتمعات، وأخرجت أمما وثقافات من مجال الفعالية التاريخية وحق الوجود والمصير الذاتي.
سقوط موسكو، أطلق مواهب الناتو والبنك الدولي لاختراق البلدان وربطها بعجلة خلفية للبيت الابيض، ثم أضاف لها، الكنيسة الأميركية، مسيحية بيلي غرام [1918م- ؟] وجيري فالويل [1933- 2007م] الصهيونية المنحرفة، فصارت البندقية بيد، والبايبل بيد، شعار البلدوزر الاميركي وطائرة الشبح نحو الشرق، بما فيها الصين وعالم جنوب شرقي آسيا والشرق الاوسط(*).
من نقطة الحدث التاريخي لسقوط الامبراطورية السوفياتية، وانعكاس نتائجها على المصالح الاميركية، نبعت فكرة كتاب سامويل هانتنغتون: [تصادم المدنيات وتصنيع النظام العالمي]* حيث يقول: (الفكرة الرئيسة التي تحوّلت الى مقالة ثم هذا الكتاب، تناولت تفسير تطور السياسات الدولية عقب الحرب الباردة، في محاولة لتأطير نموذج معاصر، يصور السياسات الدولية، بحيث يحظى باهتمام الباحثين الستراتيجيين وينفع صناع السياسات). والذي سوف يتطور بين السنوات [1992- 1995م] بفضل معهد اولين في جامعة هارفارد ومؤسسة سمث رتشاردسن، ليضم أبحاثا وأبوابا حول تفاوت المدنيات واختلاف الثقافات وظاهرة العنف الاسلامي واحتمالاتها على مستقبل السياسات الدولية [global politics].
لم يتوقف احد عند ما جرى في العراق.. سواء ما قبل الثمانينيات، أو ما بعد التسعينيات، الى ما بعد (2003م). كيف انتشرت ظاهرة (دمار العراق الشامل) اقليميا، ومازالت تتّسع وتفترس بلدانا ومجتمعات اخرى. لا أحد توقّف وتفكر في ظاهرة ارتفاع نسبة اللجوء لموجات مليونية في 2016م، وما يعنيه ذلك من تفريغ البلدان وتدمير العوائل والإنسان، وتفكيك الهويات والثقافات والدمغرافيات، وإعادة تشكيل وإنتاج مجتمعات وهويات – محلية وامبريالية- جديدة، البقاء فيها للأقوى والأذكى.
ومازال السؤال، كيف تمادت منظمة الامم المتحدة-منذ عهد بطرس غالي وكوفي عنان-، في الخروج على بنود ميثاقها الخاص، باقتراف التدخل العسكري في دول مستقلة، اعضاء كاملة العضوية فيها، وفي سواها من المنظمات والهيئات الدولية.
لماذا توقّفت وتردّدت واستسلمت للعقل والقانون في أزمة خليج الخنازير في الستينيات، بينما تمادت بليّ عنق القانون الدولي في سبتمبر 1991م؟.. وسيما القرار الخاص بإباحة التدخل العسكري الخارجي باسمها في دولة مستقلة عضو فيها.
وكل السلوك العسكري الغربي بعد 1991م، وحروب تفتيت الاتحاد اليوغسلافي وتدمير كيانات السلاف، حتى غزو افغانستان والعراق والتدخل العسكري في ليبيا وسوريا، هو خروجٌ فاضحٌ على الميثاق الدولي، وتصرُّفٌ منافٍ للقوانين والأعراف الدولية المقرّرة دوليا.
فكانت تلك التخرّصات الانكلوميركية السياسية والعسكرية والاقتصادية، شهادة خروج الولايات المتحدة وبريطانيا على المجتمع الدولي، ومعارضتها الأعراف والقوانين الدولية التي يتم تدريسها في الكليات والمعاهد السياسية، والعمل بها في الهيئات والوزارات المعنية في كل العالم. والبَلَدان السابق ذكرهما، هما أول من أعلن شهادة وفاة منظمة الامم المتحدة وخداع المجتمع العالمي المستمر في أروقة المنظمة، بينما تصدر قراراتها الدولية من أقبية البيت الأبيض والدواننغ ستريت.
ولا غرابة بعد ذلك، رغم التأخر الملحوظ فيه، تلويح دونالد جون ترامب، بانسحاب الولايات المتحدة من المنظمة الدولية(*)، تمهيدا لإعلان تشكيل منظمة دولية جديدة، تناسب طبيعة المتغيرات والمستلزمات الدولية، سيما بعد سقوط العالم القديم.
وذلك نتيجة عجز المجتمع الدولي [الاشتراكي والعالم الثالث سابقا]، وخموله في الأخذ بمبادرة دولية تستبق التغيرات العالمية، بتوجيه إنذار لكل من حكومتي لندن وواشنطن، على تخرّصاتهما ومنافاتهما المواثيق الدولية وارادة المجتمع العالمي*.
وأستغرب من العالم غير الاميركي، انتظار بركات الامبريالية العالمية –حاميها حراميها-، لتقرير خطوات العمل المقبلة، كما لو ان عقل العالم معطّلٌ عن الفعل، خارجَ محور واشنطن ولندن. وهكذا يكمن عالمنا بكلّ حكوماته وجيوشه وموارده ومثقفيه، كأنه بلا حكومات ولا جيوش وموارد ولا شعوب فاعلة، بانتظار القرار الاميركي، ليعقبه اللهاث والصراخ، والوعيد الدونكيشوتي السابق للانبطاح والردح.
لقد فات على العالم الحرّ غير الاميركي، الاحتجاج او المطالبة بطردهما من المنظمة الدولية، ووضع أسس ومبادئ إنسانية جديدة للقانون الدولي، تكون قاعدة وميثاق لمنظمات دولية جديدة. ومن المهزل، ان تقوم الامبريالية الاميركية نفسها، -التي سبق ووضعت اسس ومبادئ عصبة الامم عام (1918م)، ومنظمة الامم المتحدة عام (1945م)-، بوضع اسس ومبادئ منظمة دولية جديدة تستجيب لمصالحها ورؤيتها السياسية الدولية، يتيح لها الإشراف والتجسّس والتدخّل المباشر في الدول الاخرى.
وبناء على وضعها الامبراطوري، ترسم واشنطن خرائط الدول وتصنّف الهويات والثقافات، وتختار رؤساء الدول والوزارات وتصادق عليهم، او ترفضهم وتطردهم من حظيرة الامبراطورية!.
هذا النظام العالمي الجديد الذي يتناول تغيير المفاهيم وتجديد (الغرب) هو ثورة عالمية شاملة، تقلب مفاهيم وآليات الحضارة والتكنولوجبيا والتنوير والتقدم، ضد الإنسان والإنسانية، في إطار مشروع عصر عبودية جديدة وقنانة جديدة يتسلط عليها ويقودها آلهة بشرية جدد، أكثر شقاء ووحشية وخبثا من الفراعنة ومن صور الشيطان.
وفي هاته النقطة تحديدا.. تظهر خباثة اللعبة الإعلامية السياسية الجديدة، التي بدأت مع ترشيح ترامب وبريكست ماي، القائمة على ترويج النكات والفضائح والسخريات التافهة، واستخدام نجوم الفن وعارضات الأزياء في تسويق النّكات والنيل من قادة البيت الابيض، لغرض تحويل اهتمامات الرأي العام عن التفكير والتعمق والبحث عن معنى ما يجري في حياتهم اليومية وعلى الصُّعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، وبشكل ينتهى بهم الى سحب البساط من تحت الأقدام والأوطان، ورميهم في عرض صحراء العبودية والاستجداء.
الحديث هذا، يتعلّق بالمسكوت عنه تاريخيا والملطّف لاهوتيا، والمحذوف من العبارة في بلاغة ملايين الوعّاظ المبشرين باسم المسيح –المخلص والمبرر- حتى اليوم. لكن المسيح المقصود بلغة الوعظ الفضائي والكنيسة الرأسمالية الامبريالية اليوم، ليس يسوع الجليلي المصلوب، ولكنه يشوع خليفة موسى على جبل طور الامريكي!..
بعبارة اخرى، ان المسيحية التي اعتبرت في بداياتها، طائفة يهودية جديدة، اعتنقها بعض اليهود وأضافوها لعقيدة موسى، تعود اليوم بعد عشرين قرنا، الى أصولها اليهودية كتابيا وثقافيا. والشعب الذي رفضها وصلب قلبه في البدء، هو الذي ينسخها اليوم، ويتصدر لواءها، معيدا تشكيلها وتشذيب تعاليمها وإطارها الكتابي بجسب التوراة. فيكون يهوه هو (الأب)، ويسوع هو يشوع موسى، القائد العسكري الذي خلفه وقاد شعب اسرائيل الى أرض الموعد.
وفي خدمة منظور هذه الرؤية البعيدة زمنيا، كان لابدّ، أن يكون المخلص الجديد، مولود الجليل الشمالي، متطابقا مع البناء الجينولوجي والنبوي الكتابي/[رو1: 3]، نبتا من شعب موسى [تث 18: 18]. وبعد كل ما حصل من انقلابات شمولية وجذرية في حياة الأفراد والبلدان –سيما في الشرق الاوسط-، ليس غريبا ان يكون ترامب الامريكي قسطنطين الثالث، مؤسس امبراطورية الالفية الثالثة!.
حتئذ.. يلزم الذين لم يدرسوا الكتاب المقدس جيدا، ولم يعتبروا بتوراة موسى، استثمار الوقت، بما يساعدهم في السلوك الجديد في النظام العالمي الذي يتمخّض..
· سبق للكاتب ان طرح فكرة التغاء منظمة الامم المتحدة بعد تعطيل ميثاقها بقرار امريكي والدعوة لبناء منظمة دولية جديدة، عام 1998م وذلك في مقال نشرته جريدة الزمان اللندنية يومذاك.
· شكل ظهور جمعيات تبشيرية ومنظمات اغاثة إنسانية بغطاء ديني في العصر الحديث، حركة مرافقة لظهور الاستعمار، توزعت جغرافيا في مناطق المستعمرات والتوتر وتحت حماية ورعاية قوات الاحتلال وحامياتها العسكرية. والغريب ارتباط التبشير الديني باقطاب الاستعمار والقوى المتنفذة. منها جمعيات المساعدات وحقوق الإنسان المرافق للتواجد العسكري الامبريالي في اسيا وافريقيا. ومن بين تلك الجمعيات الناشطة في العقود الاخيرة جمعية السامري الصالح [Samaritans Bruse] التي انشأها الداعية الانجيلي بوب بيرس [1914- 1978م] الذي سبق له العمل في التبشير في سنوات الحرب العالمية الثانية، وبعد الحرب عمل في منظمة (فتوة المسيح)/[Youth For Christ/YFC] في لوس انجلز، ومن خلالها زار الصين عام (1947م). السامري الصالح تعمل في اكثر من مائة بلد وتبلغ ميزانيتها ثلاثمائة مليون دولار اميركي، ويزيد عدد العاملين في فروعها على مائة الف عضو. ويعود انشاؤها لعام (1970م)، خلفا لمنظمة [World Vision International] التي انشئت عام (1950م). وفي عام (1973م) التقى بيرس فرانكلين غراهام واتركا في جولة حول العالم وتبادل الرؤى، وفي عقب وفاة بيرس ترأس فرانكلين المنظمة منذ (1979م) اضافة الى ادارته منظمات تبشيرية اخرى. تتولى المنظمة بشكل رئيسي تقديم الخدمات الصحية والمساعدات الغذائية في افغانستان والعراق والسودان وغيرها. ومنذ (2914م) للمنظمة مراكز رئيسة في اربيل ودهوك وفروع متعددة لاغاثة المتضررين من ممارسات (داعش). ويلحظ غياب اسم منظمات الصليب الاحمر والهلال الاحمر من وسائل الإعلام مع الموجة الاستعمارية الاخيرة منذ تسعينيات القرن الماضي.
· The Clash of Civlizations And The Remaking of World Order, By: Samuel P. Huntington, Pub. By: Simon & Schuster UK Ltd, 1997
· في تصريح مقابل اعلن ناثانياهو مساس الحاجة لمنظمة دولية جديدة لعدم تناسب المنظمة الحالية مع التغيرات الدولية المستجدة.
· ما يزال ثمة مخاوف بريطانية من صدور ادانة قضائية ضد توني بلير الذي واجه حملات عنيفة مع زميله بوش الابن، وصفتهما بالاجرام ضد الإنسانية. وقد اختفى الاثنان عن وسائل الإعلام، بينما ظهر بلير في لقاء مع الملكة التي امتدحت سياسته بشكل عام دون ذكر الحرب. هذا الخمول والتناحر الداخلي لبلداننا هو الذي يمنح الامبريالية قوة مضاعفة لسحقها وحرمانخا من أي اعتبار دولي.
-انتهى-