فقلت له شكراً

جلاء عزت الطيري قرأها 438
  

فقلت له شكراً

جلاء عزت الطيري

يطالعني كل صباح كشمس بهية أبادره أنا بصباح الخير يغض الطرف ويتمتم "صباح النور".

ما أن أتحرك من أمامه حتى أشعر بنظراته تنفض خجلها على جسدي، ألتفت حتى أتأكد من هذا الإحساس القابع فيّ أرى عينيه مصوبتين نحوي أعمدة من كهرباء تشعل أعينا.. يتوارى ببصره بعيداً، يجبر عينيه على العتمة، ربما التفاتتي قد اشعرته بالخجل، تسقط عنه أشياؤه.. دفتر التحضير، كراسة الفصل.. يعدو بعيداً بعد أن يلملم أشياءه التى افترشت أرض الطرقة المؤدية إلى الفصل ”ثمة أحلام تراودني. ”

لو أني أفعل كما فى الأفلام القديمة فألملم عنه أشياءه الساقطة، يلمس يدي فترتعش تحط على كفي العصافير، لن أغض الطرف.. سأدع يده تمارس حريتها على كفي، أتلصص على وجهه، أكتشف ملامح أخرى تختبئ خلف نظارته وذقنه التى تناثرت عليها شعيرات غير مرتبة (أنا لا أحب الرجل حليق الذقن).. سأقولها له وأنا أخفي نظرة مواربة إلى وجهه.

"ابتسم لنفسي.. ربما هذه الأفكار تناسب رجلاً".

وحده العشق الذى دحرج على رأسي هذه الأفكار... حين يصارحني بعشقه هل سأقول له أني كنت أفكر فيه؟ وأن الكون يُختصر فى فضاء يديه... وأنه مالكي ومملكتي... أم سأضع يدي على فمي المرتعش وأتصنع الدهشة وأقول: لقد فاجأتني.

أطفال أشقياء يتصايحون يجبرون أحلامي المجنونة على التعقل والركود فى مخزن الذاكرة.

على السبورة أكتب شعر عنترة العبسي.

ولقد ذكرتك والرماح نواهل منــّي  وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل الســيوف لأنها      لمعت  كبارق ثغرك المتبسم

أحاول أن اشرح البيتين.. وكيف أن عنترة تذكر حبيبته عبلة وسط غمار الحرب، فود تقبيل السيوف لأنها لمعت كثغر حبيبته. يتعجبون من هذا الأبله الذي ينسى السيف ويتذكر امرأة ربما هي الآن مرتبطة بآخر.

أحاول إسكاتهم.. يخرجون عن سيطرتي... الحصة أوشكت على الانتهاء... احتمى به منهم... يحتل مساحة كبرى من عقلي، يتصارع الطلبة عند خروجهم... أتباطأ فى الخروج، علّي أقابله عند خروجه من الفصل، أبحث عن حجة مناسبة أوقفه بها كي أتطلع إلى عينيه، يقترب مني، أستوقفه، تبخرت حجتي وطارت فى الهواء، ما أحوجني الآن لبعض ذكاء يخرجني مما أنا فيه.

الصمت بيننا أصبح جسراً تمر عليه نظرات خجلى تخشى البوح. أحتاج الآن لألف حجة كى أحبك بطريقة لائقة... ما تزال رائحة الطباشير عالقة بيدي.. أفركها بمنديل الكلينكس.. بينما هو يعبث فى حقيبته.. طال الصمت بيننا، ربما شعر بحرجي.

أنقذني ولد عندما سألهُ عن درس لم يفهمه.

انتهزت الفرصة وهربت حاملة معي عشرات الأسئلة تنقر بابي.

لماذا لا يتكلم؟

هل يريدني أن أجثو على قدميّ وأقول فى ذلة العبد "أحبك"؟

هل أفعلها؟ إن لم يفعلها ويقول "أحبك"؟ انا أيضا لن أفعلها،،،، سألقى بكل حجارتي العتيقة فى وجهه وأمضي.

ربما لا تشغله أسئلتي، ربما أنا أيضا لا أمر بشرفات قلبه. ويلي لو كان قلبه قد أغلق بسياج غير سياجي.

هذا الذى أحب... ألم يعلم أن الحب إذا دخل قلباً استبد به واستباح أحلامه... وها هو يجبرني أن أقضم أظافري.. أن أنادي على كل رجال العالم باسمه.. أن أخطئ وأوقع فى دفتر الحضور باسمه!! يتلاشى اسمي تحت وطأة تملكه... هذا الذي استباح قلبي، جعلني امرأة مهزومة فصرت كشجرة تكسرت أغصانها.

تحت شجرة البونسيانا فى فناء المدرسة جلست... من بين وريقات الأشجار أتابعه من حين لآخر أراه يختلس النظر إلي.

لي الآن أن أحلم بيوم يجمعني وإياه.. ألفّه بدفء الروح فى الصباحات الماطرة.. أنزع عنه قميصه اشم فيه رائحة تفاح يزهر. أؤنسه فى المساءات الموحشة... أنفض عنه غبار التعب... أنام على ذراعيه نلوك سويةً أخبار النجوم الهاربة... نسترق السمع لهسيس الأشجار وزقزقة عصافير ضلت أعشاشها.

حلمي فتح شرفاته وهرب تحت أقدام أطفال يتقاذفون الكرة ويتصايحون، ومدرس التربية الموسيقية يتثاقف عليَّ، ويسألني إن كنت سمعت السمفونية التاسعة لبيتهوفن.

(يا الله.. ليته لا يقترب مني، فأنا فى غير حاجة إلى وجهه الذى يشبه لوح الثلج وشعره المغسول بدهن الفازلين).

صباح الخير والياسمين الراقص على أنغام الراب والروك اندرول

أم نقول صباح الزمخشري وسيبويه وكلٌّ يحي بما يفهمه.

(ياإلهي ما أثقله!! لو أن للسخافة اسماً لكان هو).

-       لماذا تجلسين بمفردك مع أن زميلاتك مجتمعات فى حجرة المدرسات!!!

مالي أراك شاردة؟

هل تفكرين فى شيء؟

قالها وهو يمسح على شعره

(هذا السمج هل يظن أنه يأخذ مثقال ذرة من تفكيري؟)

-       أم ستكتبين لنا قصيدة شعر.. فأنا أعلم أن معظم مدرسي اللغة العربية يكتبون الشعر...

(يا أرحم الراحمين.. فلتخمد هذا الذي نزل بأسئلته على رأسي كمطرقة"

-  لا يا سيدي أنا لا أكتب الشعر أو غيره كل ما هنالك أني أشعر بالصداع فأردت الجلوس بعيداً فى هدوء.

-       ما رأيك لو نتحدث قليلاً

-       أعتـذر

-       لماذا؟

-       قلت لك أني اشعر بصداع والكلام سيضاعف من حدته

-       ولكن!!

(انقذنى يا رب من هذا المتطفل).

استجاب ربي لدعائي حين دق جرس الرابعة. استأذنته فى القيام وحين هم بالقيام عدت مرة أخرى، ربما شعر أنني لا أريد التحدث معه.

ماذا يحدث لو جلس بجانبي هذا الذى يحمل فى عينيه قطيعاً من الأحلام الهاربة، أو تسرسبت إليه بعض من ثرثرة مدرس الموسيقى فعرف أن هناك قلباً يدق نافذتي مثل جرس صلاة ويقول فقط "اعشقيني".

ألا لو أن خجله ارتوى بماء عشقي لنبت فى فمه أخضر الكلام.

من البعيد يأتيني صوت ماجدة الرومي تغني.

" تكلم.. لماذا الرجل الشرقي حين يلقى امرأة ينسى نصف الكلام"

جالسا في حجرة المكتبة وحيداً... تشرد أصابعه فتداعب وردة سقطت بعض أوراقها... ينزع أوراقها الباقيات، يلقي بإحداها بينما تنعس الأخرى بين طيات دفتره.

لو كنت أنا الوردة لنعستُ بين ذراعيه وأطبقتُ جفوني... أفاق من شروده إثر خبطات حفيفة على باب المكتبة.

استأذنته فى الجلوس.

طلبت منه دفتر الدرجات لكي أنقل منه أسماء الطلبة المشاركين معي فى نشاط الخطابة والشعر..

"وحيدين كنا أنا وهو"

هذه فرصتي، حاولت الضغط على زناد جرأتي ولكني فشلت بعد الطلقة الأولى... أعطاني دفتر الدرجات... سقطت منه صورة لفتاة... مددت يدي ألتقطتها من على الأرض... أتوارى ملمومة على نفسي... أفتش فى ملامحها التي تشبهني...

مدّ يده ليأخذها...

هويت كفراشة انكسر جناحها

تثلجت.

تحجرت دمعة على وشك النزول..

تناولت دفتره، بعد أن أخذ منه صورة حبيبته التى تشبهني، بكلمة تحاول أن تشق طريقها إلى الخروج. استأذنته فى الخروج.

وقلت له "شكراً".

من مجموعتي القصصية الأولى الصادرة طبعتها الأولى عن هيئة قصور الثقافة وطبعتها الثانية عن دار الحوار

galagala19@yahoo.com