سيأتي صيفٌ آخر - قصة قصيرة لفيكتوريا توكاريفا
سيأتي صيفٌ آخر
فيكتوريا توكاريفا - موسكو
ترجمة د. مسُّوح مسُّوح
هتفت لي صديقتي "مايكا" من لينينغراد قائلةً:
- هل ستأتين إلى عرسي؟
أجبتها:
- لقد تضاربت أحلامي بالواقع.
- ماذا؟
- وددتُ أن أهديكِ معطفاً من الفرو ولكنني أستطيع أن أهديكِ فرشاة أسنانٍ فقط.
- أحضري الفرشاة. بالمناسبة لقد انكسرت فرشاتي اليوم.
تصورتُ كيف سأصل لينينغراد، كيف سيسرهم قدومي، وكم سيستغربونه.
- إن لم تحضري...
وهنا خفت صوت مايكا. فقلت لها:
- لا تبكِ.. تستطيعين التحدث معي ثلاث دقائق فقط.
- وهل ستحضرين؟
- سأحضر.
كنت أهتم بأخي "بوركا" كلّ صباحٍ قبل ذهابه إلى العمل. أجلس أمامه متكئةً على كفِّي ناظرةً إليه وهو يأكل ويشرب. عيناه زرقاوان كعيني أمي تستطيعان التعبير عن أي شيء. لكن بوركا لا يستخدم إمكانيات عينيه قط ولا يعبّر بهما عن أي شيء. يأكل قطعة الجبن ويلوح بشوكته فحسب.
أخي عبدٌ لجسده، عندما يرغب بالطعام أو النوم لا يرهق نفسه بأية قيمٍ روحية.
سألته:
- أهي لذيذةٌ؟
-كالمطاط
قال وتناول قطعةً أخرى ثم بدأ يعد نقوده الصغيرة قبل خروجه وقال:
- هل أترك لك نقوداً؟
- لديَّ القليل منها
- سأترك لكِ عشرين كوبيكاً
قرر بوركا ذلك بـ"كرمٍ عظيم"!! وخرج مغلقاً الباب خلفه.
وبهذا فإن لدي الآن عشرين كوبيكاً يجب أن أصرف منها على وجبة غذائي وعلى ذهابي إلى دار النشر وأشتري هديةً لمايكا ثم بطاقة سفرٍ إلى لينينغراد.
عندما كانت والدتنا على قيد الحياة كان اهتمامها متميزاً ببوركا لأنه نمى ضعيفاً دائم المرض. أما الآن فأهتم به أنا وهو لا يتصور قط أنني أفكر بأحدٍ غيره.
جلست أفكر. من أين أستطيع الحصول على النقود؟ أولاً من لديه النقود؟ وثانياً من يعطيك نقوداً إن كانت لديه؟ من الممكن الحصول عليها من جارتنا "تانيا" التي تسكن الشقة التي على يميننا. إن لديها نقوداً وهي لا ترفض إعطائي. لكن هذا سيستغرق ساعتين.
تانيا مناضلة من أجل الحقيقة تناقش معي مشاكلَ إنسانيةً عامة وهي تتمسك بكُمِّ سترتي خوفاً من أن أنصرف.
كانت سابقاً تحتج على تقاضي الأطباء دخلاً بسيطاً رغم صعوبة عملهم وشدة مسؤوليتهم أما الآن وقد تحسن دخل الأطباء فأن ما يقلق تانيا هو: لماذا يقابِل بعض الناس الطيبةَ بالإساءة؟
ذهبتُ لطلب المال من جارنا إيغور الذي يسكن الشقة المقابلة. لقد أنهى إيغور دراسته في معهد تصنيع الآلات ويعمل حالياً في مجلة التمساح الساخرة رساماً كاريكاتورياً ويقول دائماً نكاتٍ ذكيةً.
حين قامت حملة مكافحة الرشوة رسم إيغور مرتشياً ذا وجهٍ أحمر مدوّراً وحين نوقش أمر إطعام الخبز للخنازير رسم رجلاً أحمر الوجه مدورَه يطعم خنازيره خبزاً وكعكاً.
- مرحباً
قلت بمرحٍ. رفع إيغور عينين ملأهما الرعب:
- كم تريدين؟
- ثلاثين روبلاً
- فقط؟
- فقط
انطلق إيغور بسعادةٍ ليجلب لي النقود. لعلّه كان يظنني سأطلب ألفاً. قلت:
- ظننتني سأطلب أكثر؟
- ومن يعلم؟ مع طموحاتك هذه!!
وعاد ليجلس خلف الطاولة..
يظن الجميع أن لدي طموحات كبيرةٍ لقد أصبح معي قطعتان من النقود إحداهما خمسةٌ وعشرون روبلاً والأخرى خمسة روبلاتٍ. وبهذا أصبح موضوع سفري إلى لينينغراد مؤكداً. سألتُه:
- وكيف هي الأحوال؟
فرفع كتفيه مقارباً إياهما ثم رفع حاجبيه.
لقد فهم سؤالي وأنا فهمت جوابه. سنتان أمضاهما إيغور وهو يهيّؤ نفسه للزواج ومازال يفكر كم من المكاسب سيحقق من زواجه وما هو حجم خسائره من هذا الزواج؟. قلت له:
- يكفيك. يكفي حساباً!! وعلى أية حال لن تحسب كل شيء.
وما أن عدت إلى غرفتي حتى سمعت صوت الهاتف. ركضت قلبت الكراسي في طريقي واختطفت السماعة.
- نعم
- يتحدث إليكم دين ريد
أحسست فوراً بشيء من التعب فجلست:
- ماذا تريد؟
- تزوجيني
فهمت أن المتحدث ليس دين ريد بل هو ساشا كليموف وإن المغني الأمريكي دين ريد حالياً في موسكو في جولةٍ فنية.
كان ساشكا يهتم بأن أطّلع على كل الأحداث. فحين أجريت أول عملية زرع قلبٍ اتصل بي معرفاً عن نفسه أنه كريستيان برنار وسأل مباشرةً: هل تقبلين بي زوجاً لك؟
ساشكا يعشقني. كان هذا من دواعي سروري أول الأمر أما الآن فقد غدا يضايقني.
- ساشكا.. مُرَّ على الإدارة وأبلغهم أنني سأتغيب عن العمل أسبوعاً.
- وأين ستقضين أسبوعاً كاملاً؟
- سأسافر إلى لينينغراد لحضور عرسٍ
فقال مذكراً بأنه يمارس العمل النقابي ويعرف القوانين:
- سببٌ غير مقبولٍ
- إذن قل بأني ذهبت لحضور الجنازة
- جنازة من؟
استعرضت سريعاً كل أقاربي. لا علاقة لي بالأقارب ولكنني لا أريد لهم الموت. فرُحتُ أجادله:
- ولماذا يعتبر العرس سبباً غير مقبولٍ؟!
- لأن العرس ليس عرسك
- والجنازة ليست جنازتي أيضاً
من الغرابة أن أي حديثٍ أبدؤه مع ساشكا ينتهي دوماً بالزعل
- مالي وهذه القضية!! لستُ من يضع القوانين
أعدت السماعة إلى مكانها. فعلاً لا علاقة لساشكا بهذا الموضوع وليست القوانين مذنبةً أيضاً. كل ما في الأمر أنني كنت أنتظر هاتفاً من شخصٍ آخر ولكنه لم يتصل.
ذهبت إلى الحلاق. أردت أن أسرح شعري كي ألفت الأنظار وأنال الإعجاب. كان الإزدحام شديداً في صالون الحلاقة فالكل يسعى لنيل الإعجاب مثلي والجميع ينتظر الحلاقة الفنانة "زويا". أما أنا فلا فرق عندي من سيسرح شعري. سأعيد تسريحه على مزاجي.
جلست أمام مرآة طويلةٍ كنت أرى بها نفسي والسيدة التي تقوم بتسريح شعري كانت بدورها أيضاً تنظر إلى المرآة ولكنها ترى نفسها فقط وكانت راضيةً عما ترى كانت تلف شعري باللفافات الخاصة بذلك بدون أي تناسقٍ أو ترتيبٍ. وخجلاً لم أكن أود أن ألفت انتباهها إلى ذلك. كنت أعرف أن السماح لي بالجلوس إلى هذا الكرسي كان منحةً وعطاءً لي مع أنني لا أساوي شيئاً بالمقارنة بهذه الحلاقة. نبهتني الحلاقة إلى ذلك كي لا أفكر قط بالاحتجاج على أي شيء:
- يتطلّب تنسيق الشعر أربعين دقيقةً من الانتظار.
كان الجو تحت جهاز التجفيف خانقاً لكنني لم أعره انتباهاً. بدأت أنظُم شِعراً. هذه مهنتي الأساسية في هذه الأيام وفي أوقات فراغي أدرس لأصبح طبيبة كما يقول بوركا. وأنا على العموم أحب أن أساهم في حياة الآخرين.. أنصح بعضهم، أدبِّر أمر زواج آخرين منهم وأعالج البعض أيضاً وحتى الآن لم أحصل إلا على المتاعب.
إنّ في تقديم العون للآخرين شيء من الأنانيةٌ ذات الخصوصية. لا أعرف من يحتاج هذا العون أنا أم الناس. لعل بها فائدةٌ متبادلة. ونظم الشعر وفرض الأنا الخاصة بي أيضاً أنانية لها خصوصيتها.. ولكن المستفيد الوحيد هنا هو أنا ولا همَّ للناس بي ولا هم يعرفون أي شيءٍ مما أكتب وعن أي شيءٍ أكتب.
لم يتضح لي بعد مستوى أشعاري. ففي دار النشر يقولون عنها "جيدة" ولكنهم لا ينشرونها.. ربما لا يستطيعون رفع مستوى مجلتهم إلى مستوى أشعاري.
بعد أربعين دقيقة عدت إلى مقعدي أمام المرآة. سألتني الحلاقة بشيء من الحزم:
- مع غرّةٍ تريدين التسريحة أم بدون غرّة؟
فأجبتها وأنا أقوم بحركات جريئة بكفّيّ حول رأسي:
- هكذا وهكذا
أجابت بفظاظةٍ:
- هكذا لا أعرف
- إعملي إذن ما تعرفين
عملت الحلاقة كما تعرف. دمدمتُ شاكرةً وتركت بخشيشاً ثم اتجهت نحو مكان خلع المعاطف. سحبت مشطي وبدأت أخرّب غرتي الناعمة.
كان الناس ينظرون نحوي باستغرابٍ وكانوا جميعاً بكامل وعيهم ينتظرون الحلاقة الفنانة زويا التي كانت حينئذٍ في فرصة الغداء.
كانت زويا تتحدث إلى المحاسبة وهي تأكل كعكةً دسمةً وتشرب الحليب من زجاجةٍ. لو كنت مكانها لوضعت الزجاجة والكعكة على الطاولة وأطلقت ساقيّ للريح نحو شركة السينما الموسكوبية /موسفيلم/ لآخذ فوراً دوراً رئيسياً في أفضل فيلم. حقاً لم أر قط فتاةً جميلةً مثلها.
وضعت زويا الكعكة والحليب جانباً واتجهت نحوي. سحبتْ من جيبها مشطاً معدنياً وبدأتْ تجمع شعري من الخلف والجانبين. كنت أنظر إليها بالمرآة وكانت تنظر إلى شعري صففته عشوائياً كما في صور الغلاف في مجلة الشاشة البولونية. فقلت لها:
- شكراً
فأجابت وهي تخفي مشطها:
- عفواً
كنت أسير في ممر دار النشر وأقرأ ما علق على أبواب المكاتب /رئيس النشر/. ليس هذا من أريد أو بالأحرى ليس هذا من استدعاني. ثم وصلت إلى مكتبٍ كتب عليه /الإستشاري الأدبي ترافيموف/ إنه هو.
فتحت الباب لكني لم أجد ترافيموف بل وجدت شابين جالسين على كنبة كان أحدهما طليق اللحية والآخر يرتدي كنزةً نسائيةً غليظة الحبكة. إنها مواهبُ شابةٌ.
- تفضلي بالدخول واجلسي. سيصل ترافيموف قريباً.
دخلت وجلست على كرسيّ مقابل النافذة. كنت أرى خيال شعري وكتفيّ.
دخل ترافيموف وبدأ يتحدث إلى الشباب. سحبت من جيبي جريدة /البرافدا/ وبدأت قراءة العناوين لأبعد نظري إلى مكانٍ ما.
ذهب الشابان. فجأةً نظر ترافيموف إلي وقال:
- كم أنت موهوبةٌ!
لعلها بدايةٌ جيدةٌ. خفضت نظري. انتظرتُ منه أن يقول "حسناً.. إنما لن ننشر لك". قال:
- إنه مثيرٌ للاهتمام ولكننا لا نستطيع نشره.
لم يعد هناك ما يستحق الإنتظار.
نظرت إلى وجهه. لاحظت المسافة الطويلة بين أنفه وشفته العليا مما يسهّل عليه الحلاقة حتماً. سألته:
- ولماذا؟
- مشاكلُ صغيرةٌ
- صغيرةٌ وكبيرةٌ أيضاً
باعد ترافيموف ما بين يديه وقال:
- من غير المفهوم أين يعيش بطل عملك
أجبت:
- بطلي عاشقٌ. والعشاق حيثما وجدوا متشابهون
فرقع ترافيموف بأصابعه وبدأ ينظر من النافذة.
لا أعرف لماذا لا يعمل شعراءٌ حقيقيون في لجان الاستشارات الأدبيّة.
خرجت من دار النشر متجهةً نحو محطة قطار لينينغراد. سأشتري بطاقةً وفي المساء أغادر إلى المكان الذي أعتبره الأكثر راحةً على الأرض لينينغراد حيث ولدت في جزيرة /فاسيليفسكي/ هنا بيتي الذي كنت أتأخر وأنا أركض منه إلى المدرسة كل صباح. كانت والدتي تمد رأسها من النافذة وهي تناديني: "لا تركضي". كانت تخاف أن أتعرق وأمرض وحين كنت أعود إلى البيت تصرخ: "أسرعي". كانت تخشى أن يبرد الطعام. دائماً تخاف شيئاً ما.
في لينينغراد تعيش صديقتي مايكا. كانت الصداقة التي تجمعنا عاديّةً كصداقات جميع النساء. أعظم الأعياد عند مايكا عندما كنت أرسب في امتحانٍ ما.. وكنت أبادلها هذا الشعور، وبما أنها كانت مقصرةً في دراستها أكثر مني فإن أعياداً كهذه كانت تتكرر عندي أكثر مما تتكرر عندها.
لقد عشت حبي الأول في لينينغراد. كنت في الثانية عشرة من عمري. وكان هو في الثالثة عشرة. كان الصبية في ساحة الحي يدعونه /بوني/ كالفرس الصغير وذلك لصغر جزعه وكبر رأسه.
لعل هناك حباً أول أكثر بريقاً، وصداقةً أولى أكثر إخلاصاً ولكن لم يكن لدي غير هذا الحب الأول وتلك الصداقة الأولى وكل مابعدهما عندي هو ثانٍ.
أحبُّ تمثال الفارس النحاسي في لينينغراد وأحبُّ سياج القصر الصيفي ويعجبني التسكع في الشوارع.. أذكر بعضها وأتعرف من جديد على البعض الآخر. كم يحزنني هذا آهٍ كم أرغب في عيشة أفضل وأكثر بريقاً من التي أعيشها الآن.
في طريقي نحو محطة لينينغراد كنت أفكر.. أتصور كيف سأدخل راكضةً بيت مايكا المعتم المليء برائحة القطط.. كيف سيفتحون لي الباب وبضجيجٍ وفرحٍ يستقبلونني مستغربين قدومي.. كيف سيقدمون لي الطعام والشراب ناظرين بعيونٍ مليئةٍ بالإعجاب وأنا سأرى في نظراتهم نفسي تغمرها السعادة وكأنني في مغطس ماءٍ ساخنٍ وفي غمرة هذه النشوة سأحدثهم كيف أعيش في موسكو على معاش زوجي وكيف أن دار النشر ترفض أن تنشر أشعاري وكيف يجتاحني جنون حبٍّ لرجلٍ متزوجٍ والجميع سيستمع ويضحك ويغمره الحسد فهم أيضاً يريدون أكل الجبن المطبوخ ومتعة حبٍ بلا مستقبل.
اقتربتُ من المحطة مبتسمةً.
فجأةً.. وكأنها خرجت من ورق اللعب، ظهرتْ أمامي غجريّةٌ سمراء الوجه سيئة الأسنان ليست كارمن قطعاً.
- لماذا أنت مسرعة هكذا أيتها الجميلة لن تكون طريقك طويلة.
فسألتها وأنا أنظر بإستغرابٍ إلى عينيها المدورتين:
- ومين أين لك أن تعرفي هذا؟
قادتني الغجرية بسرعةٍ نحو جدار المحطة. بدأت تحدثني كم أنا بسيطةٌ وقليلة الحيلة وأن كل مشاكلي ناجمة عن بساطتي وقلة حيلتي. كنت أستمع أليها وأنا عابسةٌ من جهدٍ أبذله لألتقط حديثها السريع الذي لم أفهم أكثر من نصفه. كانت تتكلم دون توقف.. دون نبرةٍ أو لحن وبلكنةٍ غير واضحةٍ. خلتها لا تفهم ماذا تقول وسألتها مكررة السؤال:
- ماذا؟ ماذا؟؟
- هل معك نقوداً؟
قالت ذلك باهتمام وبطء مع أنها قبل ذلك كانت تدمدم شيئاً آخر فأخرجت من جيبي نقوداً بسيطةً.
- ألن تندمين عليها؟
فكرت بصمت ثم أجبت هازةً رأسي بالنفي وما قيمة هذه النقود إن كنت سأحصل مقابله على معلوماتٍ موثوقةٍ- ما حصل وما سيحصل معي وما الذي سيهديء روع قلبي.
بدأت الغجرية تدمدم شيئاً ما وأنا أنتظر. كنت أرى حولي البعض من ممثلات هذه القبائل المحبة للحريّة بقاماتهن النحيلة بسبب طريقة الحياة المفعمة بالحركة يتسكعن بفساتين وتنانير طويلةٍ مزركشةٍ وهن تبحثن عن مغفلةٍ أخرى مثلي.
انتهزت الغجرية فرصة استغراقي بالتأمل وشدت غرتي مقتلعةً بعض الشعرات منها وبدأت تنفخ فيها ثم سألتني:
-من تريدين أن تري؟ عدواًً أم ملكاً؟؟
فكرت ملياً. ليس عندي أعداء جديّون أما الملك فحسنٌ أن أرى وجهه لأعرفه حين ألتقيه ثانيةً كي لا أحسبه شخصاً أكثر بساطةً. قلت:
- ملك
قامت الغجريّة بحركةٍ غامضةٍ مفاجئةٍ رأيت بيدها الناشفة مرآةً صغيرةً. كانت المرآة على مستوى وجهي نظرت بها فوجدت أنفي وفمي وزاوية خدي.
لم أر في المرآة ملكاً. أردت إعلان استغرابي إلا أن برنامجاً آخر ظهر لدى الغجريّة فقالت:
- ألديك أوراق نقدية؟
كان في محفظتي ورقةٌ من ذات الخمسة وعشرين روبلاً إلا أنني لم أرد إظهارها.
لاحظت الغجريّة ترددي. قرأت ذلك على وجهي وفهمت حقيقتي. قالت:
- أنت لا تثقين بي
فقلت بتردد:
- لا نقود لدي
- لما لا تثقين بي؟
فتحت الغجريّة عينين سوداوين حارقتين. صرتُ في موقفٍ حرجٍ. مددت يدي وأخرجت النقود. كان كل ما بي يقاوم تلك الحركة، قدمتها للغجريّة أخذت طرفها إلا أنني لم أتركها من يدي مرّت لحظاتٌ ونحن نقف هكذا.. تشدّ الورقة نحوها وأنا كذلك. ما الذي لاحظته الغجريّة؟ لا أعرف. تصارعَ في داخلي الظلمة والنور.. الثقة بالناس والحذر منهم. تغلب النور ورجحت الثقة.. فتحتُ أصابعي فاختفت الورقة النقديّة في القبضة السمراء.
لسببٍ ما بدأت الغجريّة تدعك الورقة الجديدة. دعكت ودعكت حتى بدت الورقة أصغر لم أنظر قط هنا وهناك ولم أفكر بأي شيء آخر ولم أبعد ناظريّ عن كفيها.
أوقفت الغجريّة تحريك أصابعها. فتحت كفاً كانت أغلقتها على الورقة المدعوكة وأرتني إياها فارغةً. لقد أرتني سحراً. وخوفاً من أن أقتنع بما رأيت سألتها:
- وأين النقود؟
- طارت
- إلى أين؟
-إلى هناك
وأشارت إلى مكانٍ ما فوق. نظرت إلى المكان فلم أجد نقوداً بل أحرفاً مضاءةً كبيرةً "محطة قطار لينينغراد". قلت بهدوء:
- إسمعي.. أعطني النقود أرجوكِ
وللحال، امتلأت عيناي بدمعٍ لم ينهمر. مددت يدي أمام صدري كنت أشبه مغنيةً أوبيراليّةً. فجأةً قالت الغجريّة لي كلمةً وقحةً نابيةً لم تثر استغرابي بل أثار استغرابي التغيّر المفاجىء لتلك العينين. فكرت: هل يستطيع وجه إنساني احتواء مثل تلك العينين؟.
بدأت الغجريّات الأخريات القتراب من غجريّتي مع أن واحدةً كانت تكفي لي وتزيد. استدرت وابتعدت عن جدار المحطة كنت أستدير برأسي يميناً ويساراً بين الحين والآخر كالحصان وبدا لي كلُّ من ظهر أمامي في المحطة غجريّاً.
كنت في السنين الماضية أذهب إليه بين فترةٍ وأخرى حيث يسكن في ساحة "سمالينسكي" أما الآن فأنا ذاهبةٌ إليه في مشغله في "تاغانكا". قرعت الباب وأنا خائفة ألاّ أجده إلا ّأنه كان في الداخل. فتح الباب ونظر إليّ. فقلت له:
-ألا تسلم عليّ؟
صمتَ. كان وجهه كمن يسمع "سوناتا ضوء القمر لبتهوفن". عبرتُ جانبه ودخلت الغرفة.
كانت لوحاته ملقاةً على الأرض جانب بعضها البعض. لعلّه كان يجفف ألوانها بهذه الطريقة أو أنه كان يستمتع بالنظر من ارتفاعِ طوله الذي يتجاوز المترين إلى فنه ونتاج يديه.
توقفت ناظرةً إلى اللوحات فلم أجد سوى بقعاً سوداء وبيضاء.
- اتيت لآخذ نظارتي.
قلت وأنا أنظر إلى الأرض. كنت منذ شهرٍ قد نسيت نظارتي الشمسيّة عنده. ها قد حلّ الخريف ولا حاجة للنظارة بعد الآن. كان يفهم ذلك وكنت أعلم أنه يفهم ذلك.
صمتنا معاً. كان ينظر إليّ وأنا أنظر إلى الأرض.
فجأةً رأيت في تلك البقع السوداء والبيضاء المغطاة بالثلج ظهر صبيٍّ. كان الصبي ذاهباً إلى المدرسة يحمل بإحدى يديه حقيبته وفي الأخرى كيس حذائه الرياضي. من مباعدة يده والحقيبة ومن استرخاء الكيس في يده الأخرى كان يبدو وكأنه لا يودّ الذهاب إلى المدرسة.
-هل أعجبتك؟
أجبته:
- غير مفهومٍ. وأين يعيش ولدك هذا؟
- الأولاد في كلّ البلدان متشابهون لا يريدون الذهاب إلى المدرسة
لم يكن من الضروري أن أنظر إليه. قلت:
- أحضر لي نظارتي
ابتعد عن الجدار واقترب مني طوّقني بذراعيه.
كان خدّي يتذكر خدّه ويدي تتذكر كتفه وكأن موقفاً كهذا كان منذ ألف عام. حين ولدت أول مرةٍ كانت الغرفة نفسها وساد نفس الصمت الرهيب. أخذ يقبلني.. تذكرت هذا أيضاً، أبعدت وجهي وقلت:
- لا لزوم لذلك
- ولماذا؟
- لا لزوم
كان هذا من فرط أنانيتي واعتدادي بنفسي. ومَن تلزمه أنانيتي الآن؟
- اعذريني لم أتصل بك
- ولما هذا الإعتذار؟ لم تتصل وفقط.
كنت أنظر إلى أذنه وحافة خده المضرّج احمراراً وإلى خطٍّ يصل نقرته بظهره ويشير إلى عدم نضوجٍ كامل. كان يلف حول سبابته خيطاً ثم يتوقف عن لفّه لينظر عبر عينيه داخل روحي.
- وهل صحيحٌ أنك لا تفهمين؟!
أفهم كل ّشيء ففي منطقة "سمالينسكي" التي نحتاج للوصول إليها عشرين دقيقةً سفر بقطار الأنفاق يعيش صبيٌّ غريبٌ. إنه ابنه.
- أنا أفهم كل ّشيء. أنت تريد أن يكون الذئب شبعاً وأن يبقى القطيع كاملاً
وقف ثم ابتعد نحو النافذة. يبدو أنني حصلت على ما لا أريد. فلقد بدا ممتعضاً ولم تكن حالي أفضل.
حلّ الغسق خلف النافذة وفي الغرفة سادت ظلمة ومن خلف النافذة أرسل مصباح ما ظلاً متراقصاً على أرض الغرفة. بدا لي هذا هو منزلنا الذي تلاقينا فيه كل مساءٍ بعد أن ينهي كلٌّ منا أعماله ولا حاجة لأي ّفراقٍ في أي وقتٍ كان.
أدركت الآن أنني لو أشعل الضوء سيختفي الظل وستظهر الجدران العارية. ليس هذا بيتي نعم ليس هو. إنه شعورٌ آنيّ. لا أريد إشعال الضوء، أريد أن يبقى كل شيء كما هو الآن. إلا أنني قلت له:
- أشعل الضوء
فقال:
- لا لزوم لذلك.. هكذا أفضل
- أصبح الوقت متأخراً
رافقني إلى البيت. كانت سيارتنا تسير بين السيارات الأخرى ولا تختلف في ظاهرها قط عن غيرها. كان يدخّن صامتاً وقد علا الفتور وجهه. بدونا متخاصمين. نظرت إلى جانب وجهه وأكمامه، كنا كأننا نسافر للمرة الأخيرة. داعبته بخيالي بأرقّ الكلمات. لكن بخيالي فقط، تلك الكلمات التي لم يسبق أن قلتها له ولن أقولها مستقبلاً.
قاد السيارة بسرعةٍ كبيرةٍ ثم أسرع أكثر. كنت أخاف السرعة أما الآن فأريده أن يسرع أكثر وأكثر. أريد أن نصطدم بشيءٍ ما علنا لا نستطيع التفكير بعد الآن. سألته:
- هل ستحضر جنازتي؟
- إن سمح وقتي بذلك
قالها وهو يلقي بعقب السيجارة عبر النافذة المفتوحة.
وقفت السيارة قبالة منزلي. كان بودي أن أسافر طويلاً لكننا وصلنا. قال لي:
- وهكذا لم تفهمي شيئاً
فسحبت يدي وخرجت من السيارة قائلة:
- إلى اللقاء
هناك تعبيرٌ يقول "باذلاً قصارى جهدك" ويستعمل حين يسحبك الجهد في إتجاهٍ ما وأنت تشدّ في الاتجاه المعاكس.
دخلت الغرفة وجلست عل السرير دون أن أخلع معطفي وغطاء رأسي. أنزل أخي بوركا جريدته ونظر في وجهي.
- وماذا؟
- لا شيء
كم في الحياة من خلل اقتصادي. إن فستاناً قديماً لا يلقى جانباً بل يقطّع إلى مماسح صغيرةٍ ويستعمل لأغراضٍ منزليّةٍ أما الحبّ النادر العظيم فإن لم يكن بحاجة إليه ذاك الطرف المقابل فلن يحتاجه أحدٌ آخر وسيلقى به جانباً. ليس هناك من يحتاج حبي وعبقريّتي وإخلاصي.
قلت له:
- كفّ عن التدخين. أكاد أختنق
-وأين سأذهب لأدخن؟
سحب بوركا عدّة دفعاتٍ من سيجارته وأطفأها داعكاً أياها في المنفضة. أحاطه الضباب الأزرق متمايلاً.
- إفتح النافذة أرجوك
- سيتجمّد ظهري
- أنانيّ
أحسست كيف احتقنت عيناي بالدموع وأردفت:
– لماذا أنتم جميعاً أنانيون؟
- أهذه أنت تنادينني بصيغة الجمع؟
تأكد بوركا من ذلك. في هذه اللحظة سمع في المطبخ ضجيج كصوت طلقٍ ناريّ ومن تجاربي السابقة فهمت أنه صوت سقوط طنجرةٍ عن المدفأة سقطت على زجاجة لبنٍ من الزجاجات المصفوفة قرب المدفأة على الأرض.
- لعل من الأفضل ألا ّتضع الزجاجات هناك أو أن تجد مكاناً آخر للطناجر. لقد عاد كلّ شيءٍ يتطاير لديك
كان يوركا يحب كلمة "عاد" كأن يقول: "عادت جواربي وثقبت" أو أن يقول: "عدتَ تعمل كل شيءٍ بالمقلوب".
ها أنا ذا أسافر ليلاً إلى لينينغراد. لقد أعطتني تانيا نقوداً بسرعةٍ ودون شرح لمعنى الحياة. شكرتها فأجابت: عفواً
هكذا يحصل في الحياة عندما يساعد أحدٌ ما أحداً آخر يقول الآخر "شكراً" ويجيب الأول: "عفواً".
أنا مسافرة إلى مدينتي لأحضر عرساًغريباً. أحمل هديّةً نظارات شمسيّة نادرة. نحن الآن في فصل الخريف ولا حاجة حاليّاً للنظارات الشمسيّة.. ولكن.. صيفٌ آخر سيأتي حتماً...