"بوبيل" و "صديق" - (مهداة إلى أختي كاتيوشا) - سرغي يسينين
"بوبيل" و "صديق"
(مهداة إلى أختي كاتيوشا)
سرغي يسينين
ترجمها عن اللغة الروسية د. مسُّوح مسُّوح
عاش بوبيل الشيخ على حدود القرية، في كوخٍ متواضعٍ خاصٍ به، وكان عنده كلبٌ يجوب معه المناطق، يجمع قطع الخبز، هكذا كان يتغذى. لم يفارق يوماً كلبه الذي كان يدعوه بتحبب "صديق". كان بوبيل يطوف في القرية، يقرع النوافذ وصديقٌ إلى جانبه يهز ذيله وكأنه ينتظر حصته. يقول له بعض الناس، وهو أمام نافذتهم : - "يا بوبيل اترك كلبك هذا، أنت أساساً لا تجد لنفسك ما تأكل". ينظر بوبيل بعينيه الحزينتين، ينظر ولا يقول شيئاً. ينادي صديق ويبتعد وإياه عن النافذة دون أن يأخذ كسرة الخبز التي أعطوه إياها.
كان بوبيل دائم العبوس، ونادراً ما تحدث لأحد ما.
أتى الشتاء، وها هي العاصفة الهوجاء تعصف بغضب، والريح الثلجية تكنس الأرض وتجمع أكوام الثلج.
بين هذه الأكوام يمشي بوبيل متكئاً على عصاه، متنقلاً من ساحة إلى ساحة، وصديق يركض حوله، يشد نفسه إلى بوبيل ناظراً بحنانٍ إلى وجهه، وكأنه يريد أن يقول له "لا أحد بحاجة لنا، لا أحد يدفئنا، أنا وإياك وحيدين". ينظر بوبيل إلى كلبه، ينظر- وكأنه يفهم بدقة ما يفكر به- وبهدوءٍ بهدوء يقول له:
- المهم أنت يا صديق! لا تتركني.. أنا الشيخ.
يخطو بوبيل جارّاً قدميه بثقل ليصل مع كلبه إلى كوخه العتيق البارد. ينظر حول المدفأة، يدور بنظره في زوايا الكوخ، لا يجد قطعة حطبٍ واحدة. ينظر نحو صديق، هاهو يقف إلى جواره منتظراً ما سيقول له صاحبه.
يقول له بوبيل بصوتٍ ناعم محبّب:
- سأشد إليك الزلاجة الصغيرة ونذهب معاً إلى الغابة لنجمع بعض عيدان الحطب، نجلبها ونشعل ناراً ندفئ بها هذا الكوخ ونتدفأ وإياك في هذا الفراش.
يشد بوبيل الزلاجة إلى صديق، يجلب بعض الحطب، يشعل ناراً، يضم صديق، ينحشر وإياه في الفراش ويلاطفه. يفكر بوبيل الشيخ متذكراً أيامه التي تحمّلها ويحدثه عن حياته، يروي له عنها حكاية حزينة، وبألمٍ يدمدم:
- لن تجيب بأي شيء يا صديق، بأية كلمة لن تهمس، لكن عينيك الرماديتين ذكيتان... أعرف، أعرف... إنك تفهم كل شيء...
تعبت العاصفة من البكاء. خفّت حدة الزوابع. بدأ رنين نقاط الماء المتساقطة عن السطح. بدأت الثلوج بالذوبان، بدأت تختفي.
لاحظ بوبيل، - الشتاء ينقضي، لاحظ - وبدأ يحدّث صديق:
- سنعيش يا صديق وإياك إلى الربيع.
رقصت الشمس لعوباً حمراء، وركضت السواقي ناشرة طنينها كأجراس صغيرة. نظر بوبيل عبر نافذة الكوخ..
لقد بدأ التراب يُظهر سواده..
انتفخت براعم الأغصان، ونشرت رائحتها الربيعية. لكن السنين خانت بوبيل وأوحال الربيع عبثت به.
أصبحت رجلاه ترتجفان تحته، وخنق السعال صدره، هدّه ألم الظهر، وغشّى الضباب عينيه.
ذاب الثلج، وجفت التربة. وخلف النافذة تفتحت البراعم. أما الشيخ بوبيل فلم يعد يخرج من كوخه. تراه مستلقياً على فراشه لا يقوى على النهوض.
يحاول النهوض فلا يجد القوة لذلك، ينهض عبر الألم والسعال، يجتاحه الحزن، يقول لصديق:
- لقد استبقنا وإياك الأمور يا صديق. ها قد اقتربت كما أرى نهايتي. لكن أن أموت - وأتركك وحيداً- لا رغبة لي بذلك.
مرض بوبيل، لم يعد يستطيع الوقوف، حتى أنه لم يعد يفارق فراشه، أما صديق فلازمه ولم يخرج من الكوخ. يحسّ بوبيل – ها هو الموت يقترب – يحسّ به، يضم صديق ويبكي بمرارة:
- لمن أتركك يا صديق. كل الناس غرباء بالنسبة لنا. عشنا وإياك عمرنا وها هو الموت يفرّقنا. وداعاً يا صديق، يا عزيزي وداعاً، أحسّ الموت يقترب، وأنفاسي تخمد في صدري. وداعاً... تذكّر رفيقك القديم، وزرني في قبري!...
شد بوبيل صديق إلى صدره، أقرب ما استطاع إلى قلبه، ارتعش - وسلمّ الروح.
استلقى بوبيل الميت على فراشه. فهم صديق أن صاحبه قد توفى. دار صديق من زاوية إلى زاوية – دار طويلاً والحزن يغمره. اقترب من الميت، شمّه مراراً، وعوى بحزن عميق.
بدأ الناس يتساءلون ويسألون بعضهم: لماذا لا يخرج بوبيل هذا من كوخه؟. اتفقوا، قرروا. ذهبوا إلى الكوخ، وما لبثوا أن نظروا داخله حتى ارتدوا مبتعدين. إنه بوبيل الميت مستلقياً على فراشه، ورائحة الموت العفنة تملأ الكوخ. على حافة الفراش كان الكلب يجلس والاكتئاب يلفه.
أخذ الناس الميت، غسلوه ووضعوه في تابوت، أما الكلب فلم يبتعد عنه. أخذوا الميت إلى الكنيسة، رافقهم صديق، سار إلى جوارهم. طرد الناس الكلب من الكنيسة، لم يسمحوا له بالاقتراب من الهيكل. اندفع صديق محاولاً اقتحام مدخل الكنيسة، وهو يعوي من الجوع والحزن، يهتز فوق أطرافه الضعيفة.
نقل الناس الميت إلى المقبرة، ودفنوه في التراب. مات بوبيل لم يكن أحد بحاجة إليه، ولم يبكه أحد.
يعوي صديق على القبر، يعوي بحسرة، ويحاول حفر تراب القبر. يريد أن ينبش صاحبه القديم، ويستلقي قربه. لم يبتعد الكلب عن القبر، ولم يذق طعاماً كان الحزن يغمره. خارت قواه ولم يعد يقوى على الوقوف. ينظر إلى القبر ويئن بحسرة. كم يريد أن يحفر هذا القبر ولكن كفّيه لا تقويان على ذلك. انقبض قلب صديق، واعترت ظهرَه رعشةٌ عميقةٌ. حنى رأسه، ارتجف بهدوء... ومات.
مات على قبر بوبيل.
همست الأزهار على القبر للعصافير، حكت لها القصة العجيبة عن الصداقة. كان طائر الوقواق، يحط كل يومٍ على الصفصافة الباكية فوق القبر.. يغرد لحنه الشجي بحزن.
1917