النهضوي الماركسي محمد دكروب في "جذور السنديانة الحمراء"

عبد الله حنا قرأها 831
  

النهضوي الماركسي محمد دكروب في

"جذور السنديانة الحمراء"

بقلم: عبد الله حنا  

تعود معرفتي، من خلال القراءة، بمحمد دكروب إلى مرحلة الدراسة في الجامعة السورية أيام عزها في خمسينيات القرن العشرين. وسرعان ما أخذ يتألق نجم دكروب في الحقل الثقافي، حائزاً على محبة واحترام من كانوا يتابعون نشاطه وكتاباته اللافتة للانتباه.

كانت قيادة الحزب الشيوعي اللبناني تسعى أوائل سبعينيات القرن العشرين إلى تأريخ مرحلة تأسيس الحزب الشيوعي بين عامي 1924 و1932 المجهولة، إلى حدٍ بعيد، وإعادة الاعتبار للعامل النقابي وقائد الحزب الشيوعي الوليد فؤاد الشمالي، الذي غُيّب بعد 1932. إضافة إلى إبراز دور المثقف النهضوي الماركسي الهوى يوسف إبراهيم يزبك. ويبدو أن قيادة الحزب الشيوعي لم تعثر على مؤرخ يقوم بهذه المهمة، فوقع الاختيار على الكاتب والناقد والشيوعي المخلص محمد دكروب، وهو علم من أعلام الثقافة في المشرق العربي، والناشط في ميدان الصحافة الثقافية السياسية.

وانكبّ دكروب بهمة لا تعرف الملل على إنجاز المهمة، التي كلفته بها قيادة الحزب.

وبمناسبة الذكرى الستين لتأسيس الحزب الشيوعي في سورية ولبنان أصدر محمد دكروب عام 1974 كتابه المنتظر تحت عنوان لافت: (جذور السنديانة الحمراء حكاية نشوء الحزب الشيوعي اللبناني 1924 – 1931).

كشف دكروب في مقدمته لجذور سنديانته الجانب الملحمي المتمثل بامتزاج حركة الصراع الطبقي بالمعرفة وبالوعي، وبالحلم لدى الرواد الأوائل من مؤسسي الحزب الشيوعي اللبناني (السوري) في النصف الثاني من عشرينيات القرن العشرين.

ويعترف دكروب بأنه ليس مؤرخاً، ولكنه راوٍ للأحداث أحب القائمين عليها. وأضاف أن ما يكتبه أقرب ما يكون إلى حكاية معاصرة وليس تأريخاً، مؤكداً أن كل الوقائع في كتابه هي وقائع حقيقية مسندة بالتواريخ والأرقام والمراجع. وما أعطاه الراوي (دكروب) خلال الصياغة هو، عدا المونتاج، محاولة رسم الجو، الذي تحرك فيه الحدث. فالكتاب، كما ذكر، ليس تاريخاً بل هو حكاية أحداثها حقيقية.

احتوى كتاب محمد دكروب (جذور السنديانة الحمراء) في طبعته الأولى الصادرة عام 1974 على مقدمة، وهي ما لخّصنا محتواها، وكتابين (بابين) وملحق تضمن عدداً من الوثائق المتعلقة بتاريخ نشوء الحزب الشيوعي اللبناني (السوري).

وقد أولى (الراوي) الاهتمام في الباب الأول إلى إرهاصات تأسيس الحزب الشيوعي. وأهم ما في الباب الثاني التفاصيل الشيّقة عن جريدة (الإنسانية) وتأليف لجنة مركزية، أخذت على عاتقها دعم الثورة الوطنية السورية عام 1925. ولكن سلطات الاستعمار الفرنسي كانت بالمرصاد لنشاط اللجنة المركزية، التي اعتقل أعضاؤها وسيقوا إلى المعتقلات والمنافي. وعلى الرغم من قوة الضربة فإن انطلاقة الحزب الشيوعي لم تتوقف وكان من تجلياتها أن الأعلام الحمراء كانت تخفق فوق الشوارع متحدية سلطات الاحتلال.

بعد عشر سنوات صدرت عام 1984 الطبعة الثانية لجذور السنديانة الحمراء. ما يهمنا منها المقدمة، التي تشير إلى أن كاتبها عثر على وثائق جديدة كانت مجهولة، مما دفعه إلى تفسير جديد أغنى به الطبعة الثانية وسدّ فراغاً في معرفة تاريخ الحزب خلال مرحلة التأسيس.

وأهم ما جاء في مقدمة الطبعة الثانية لجذور السنديانة الحمراء تأكيد دكروب على حريته في الكتابة، بما يصطدم، كما سنرى، مع مقدمته للطبعة الثالثة من سنديانته الصادرة عام 2007.

ودارت الأيام دورتها واختفى الاتحاد السوفيتي، وزلزلت الأرض بالأحزاب الشيوعية ولاحقتها الانقسامات المتتالية، وكان ما كان من تعاظم وتيرة الهجوم الكاسح للعولمة الرأسمالية بصيغتها الإمبريالية الجديدة ومضامينها البربرية. ومقابل ذلك تصاعد دور التيارات الدينية وعادت الأصوليات الإسلامية لتحتل مكان الصدارة وتزيح من طريقها التيارات القومية العلمانية أولاً، ثمّ التيارات الماركسية. كل هذه العوامل أرخت بظلالها، كما سنرى، على رؤية الأديب المرهف محمد دكروب وعلى مواقفه من الأحداث، وعلى شطب تاريخه النضالي أو بعضاً منه.

وإذا وضعنا جانباً من التجأ من الماركسيين إلى التيارات الدينية، ومن ألقى منهم عصا التسيار في مروج المؤسسات البحثية المتخمة بالبترو دولار، يهمنا أن نشير هنا إلى مجموعة من الماركسيين الأتقياء الأنقياء (ومنهم دكروب) ممن هزّتهم (الانكسارات) وأصابت من أفئدتهم مقتلاً، وخُيّلَ إليهم أن ما اعتنقوه من أفكار ماركسية ذهب أدراج الرياح.

ونرى أن تلك الأجواء هزّت الأديب النهضوي الماركسي محمد دكروب هزّاً عنيفاً. فعاد، لأسباب عديدة، بعد مرور عقدين ونيّف من الزمن إلى جذور سنديانته الحمراء وأخذ ينبش في ترابها بفأس أديب مرهف المشاعر، وقلم راوٍِ للأحداث تضغط عليه قوى الرأسمالية الهمجية من جهة وتهدده الأصوليات المتزمتة والمتحجرة وما رافقها من صعود للطائفية والعشائرية وانتكاس لمفهوم الوطنية. ولم تسمح زحمة الأحداث وهول الفاجعة لقلم الراوي الأديب النظر، بتروٍ وعقلانية، إلى الوقائع التي ذكرها في سنديانته، نظرة المؤرخ الواثق من المصادر التي اعتمد عليها.

وهنا، كما نرى، تكمن مأساة قلم الأديب الرقيق المشاعر محمد دكروب في جنوح قلمه لكتابة مقدمة ثالثة نشرها عام 2007 مع نصوص سنديانته. ولم يكن ثمة ضرورة لإعادة نشر جذور السنديانة الحمراء، بل كان واضحاً من تلك المقدمة الغريبة الوصول إلى غايات أخرى نترك لدكروب كشف أسرارها. وغاصت المقدمة الثالثة في بحار تمخر فيها سفن من ناصبهم تيار دكروب الفكري السياسي العداء.

والسؤال المطروح هو: هل نشرت جريدة (النهار) المعروفة الاتجاه مقدمة دكروب حباً به؟.. وهل استضافته محطة العربية إكراماً لسواد عينيه؟

يتساءل دكروب في مقدمته الثالثة على النحو التالي:

(كيف يمكن أن أكتب هذا الكتاب لو كلّفت الآن بكتابته!).

إذا كان هذا التساؤل يدل على مرونة عقل كاتب أديب وقدرته - كما كتب أحدهم - على التفاعل مع المتغيرات واستعداده لتغيير الموقف أو الفكرة وفق المستجدات. فإن هذا الرأي يصحّ على كاتب رواية أو مسلسل تلفزيوني يعدّل به الكاتب ما جادت به مخيلته على هواه. أما الوقائع التاريخية الدامغة والوثائق المنشورة في السنديانة فهي أحداث جرت لا يمكن نسفها إذا تغيرت الأحوال وانهار الاتحاد السوفيتي واستأثرت أمريكا بالعالم. وإذا طرحنا جانباً الكلام الإنشائي والأسلوب الأدبي، الذين يمكن أن يتصرف بهما دكروب حسب مزاجه، فهل يستطيع أن يغيّر في مقالات جريدة (الإنسانية) والبيانات الصادرة في تلك الفترة؟.

ونحن نسأل العزيز محمد كيف يمكن أن يكتب سنديانته، التي اقتلع جذورها في طبعته الثالثة، إذا قُيّض له اليوم أن يكتب مقدمة رابعة بعد الزلزال، الذي ضرب النظام الرأسمالي البنكي والأزمة التي تعصف بعالم الدولار هذه الأيام... من خلال التاريخ الثر المشرّف لمحمد دكروب نعتقد أنه سيعود إلى سنديانته الحمراء ليتعهدها بالرعاية والحنان ويمسح ما لحق بها من أدران في مقدمته الثالثة.

يؤكد دكروب في الطبعتين الأولى والثانية أنه راوي أحداث وليس مؤرخاً، وإذا به فجأة يتحول في الطبعة الثالثة إلى مؤرخ. فقد كتب في الطبعة الثالثة مخاطباً نفسه: (كيف لك أيها المؤرخ الشيوعي أن تقرأ الآن أو تعيد قراءة تاريخ الحزب الشيوعي كما كُتب، أو كما كتبته أنت). ولا حاجة للتعليق على هذا الكلام.

يخلط دكروب في طبعته الثالثة عام 2007 لسنديانته، وهو في سن الشيخوخة، بين مرحلة التأسيس في أواخر عشرينيات القرن العشرين وبين ما آل إليه وضع الأحزاب الشيوعية في الثلث الأخير من القرن العشرين.

ثمّ يتساءل عن تأثير ضعف حرية الباحث والمفكر الشيوعي في المراحل السابقة. ويصل دكروب إلى أن ثمّة شرطاً ينبغي أن يتوفر عند الكتابة والبحث ألا وهو الديمقراطية. ويبدو أن عزيزنا دكروب نسِيَ عام 2007 أنه كتب في مقدمة الطبعة الثانية عام 1984 ما ينقض رأيه في الطبعة الثالثة. فقد كتب دكروب عام 1984 ما يلي:

(ولو لم أُعطَ - في تلك الفترة السعيدة من عام 1974 - حرية الكتابة وحرية التقييم، والمساعدة الجدية، والثقة أساساً... لما استطعت - على الإطلاق - أن أكتب حرفاً من هذا الكتاب).

يرى كاتب هذه الأسطر أن دكروب كان صادقاً فيما كتب، في سنديانته الحمراء حول مرحلة التأسيس قبل 1931 فلم تكن ثمة حاجة، وهو ابن الحزب الشيوعي اللبناني، للضغط عليه والحد من حريته في التعامل مع الوثائق وتحليلها، في مرحلة لم يكن للدولة السوفييتية تأثير عميق في مجرى أحداثها. وإذا كان ثمة، كما يعتقد دكروب، تسليم أو خضوع للفكر الرسمي العام للحركة الشيوعية فهذا جرى بعد الحرب العالمية الثانية.

وعلى الرغم من ذلك نوجه تحية نابعة من أعماق القلب إلى الأديب المبدع والمثقف الوطني الأصيل حامل هموم المظلومين والمستضعفين في الأرض طيلة نصف قرن من الزمن.

تحية إلى المناضل بالقلم طوال النصف الثاني من القرن العشرين، الذي رفع مع رفاقه في مجلة (الطريق) علم التحرر الفكري والانعتاق من الظلم بشتى أشكاله وألوانه.

فبعد الأزمة العالمية للرأسمالية وانهيار أوهام الليبرالية الجديدة، وبعد تضييق الأصوليات المتزمتة والمتحجرة على حرية البشر، وبعد ترسخ أقدام دويلات الطوائف في لبنان، هل لا يزال الأديب الماركسي دكروب شاهراً معوله في سنديانته؟

وإذا كانت الطبعة الثالثة مجرد سحابة صيف ستنجلي عن قريب، وإذا كان واقعياً المثل المعروف (لكل جواد كبوة)، فهل تسمح الظروف الصحية، التي أجهلها، لمحمد دكروب وهو من مواليد صور عام 1928، أن تخطّ يراعه مقدمة جديدة لطبعة رابعة تعيد إلى السنديانة الحمراء ألقها ؟.. ألسنا بحاجة اليوم إلى العزيمة والتفاني من رجال ينهلون من معين رواد السنديانة الحمراء ؟.. رجال يكتبون صفحات جديدة لإنسانية مشرقة رنا إليها بأبصارهم المنادون بالتحرر والمساواة في مسار الدروب المجيدة لتاريخ الإنسانية.