مقاربة لأسرار الكتابة عند محمد دكروب في: "وجوه لا تموت"
مقاربة لأسرار الكتابة عند محمد دكروب في:
"وجوه لا تموت"
بقلم: حسن م. يوسف
منذ سنوات أقيمت ندوة فكرية في أحد المراكز الثقافية الدمشقية عن الكاتب الشهيد غسان كنفاني، وقد شارك في تلك الندوة عدد من الكتاب والنقاد المشهورين، من بينهم المبدع محمد دكروب.كان الطقس صيفياً حاراً، وقد زادت الدراسات المتجهمة بجملها الطويلة ومصطلحاتها المجنزرة ونصف المجنزرة من حرارة الجو، فخيم الوجوم على القاعة وأخذ الناس يتعرقون بصمت كما لو أنهم في مجلس عزاء رسمي.
كان الجو(جدياً) وصارماً لدرجة أن بعض الناس في الصفوف الخلفية مارسوا جرأتهم وانسلوا إلى الخارج، قبل أن يجيء دور محمد دكروب في إلقاء مداخلته.
بدأ دكروب قراءة نصه بصوت هادئ حي حميم، وشيئاً فشيئاً بدأت القاعة تتنفس بشكل طبيعي، ثم رنّت ضحكة خافتة من بين الصفوف تلتها ضحكات، وعندما اقترب دكروب من نهاية مداخلته، كانت القاعة قد استعادت حياتها كاملة عبر كلماته، فتحولت من مجلس عزاء إلى جلسة تضم عدداً كبيراً من الأصدقاء.
في تلك الأمسية اكتشفت سر الخضرة الدائمة في ما يكتبه دكروب، إنه يدخل، حتى إلى موضوع الموت، من باب الحياة. وقد أمتعنا دكروب يومئذ وأضحكنا حتى بدا لي أن غسان كنفاني كان يبتسم عبر صورته المعلقة على الجدار.
الثالثة ثابتة!
(وجوه لا تموت) هو ثالث كتاب من نوعه للناقد محمد دكروب، بعد (شخصيات وأدوار في الثقافة العربية) 1987، و(الذاكرة والأوراق) 1993.
يهدي دكروب كتابه هذا إلى (صديق العمر الجميل محمد عيتاني، صاحب مجموعة أشياء لا تموت). وهذا الإهداء لا تبرره صحبة العمر التي تجمع الاثنين وحسب، بل يفرضه تهذيب دكروب نظراً لأنه استلهم عنوان كتابه من عنوان مجموعة العيتاني كنوع من التحية لذكراه.
في هذا الكتاب كما في كتابيه السابقين يرسم محمد دكروب بريشته الملونة بورتريهات نقدية تضج بالحياة لعدد من المبدعين العرب الراحلين، جامعاً مادته الخام بأشكال لا حصر لها بدءاً بالمعايشة وانتهاء بالتخيل. ناسفاً بذلك كل الممنوعات والحواجز التقليدية التي تعترض رؤاه، مزدرياً بالحدود الوهمية التي أشرعها النقاد بين الأجناس الكتابية دون أي شعور منه بالحرج، مؤمناً أنه من حق الكاتب استخدام أي شكل في التعبير عندما يريد ذلك. والأهم من ذلك كله هو أن دكروب يمارس حرية التنقل بين أجناس الكتابة وأنواع الفنون بسلاسة مدهشة جاعلاً من الكتابة النقدية فعل حياة تتناغم فيه الأجناس الكتابية تناغم أعضاء الجسد الواحد على اختلاف وظائفها!
كتاب عصي على التصنيف!
إنه يستخدم الحوار المسرحي. كما يستخدم أدوات كاتب السيناريو وكل ما تطوله يده من وسائل التعبير وتقنيات الكتابة؛ بانياً مشهده بحرفية السينمائي التسجيلي صاهراً الوثائق والمشاهدات الحية والمروية والذكريات والرسائل وقصاصات الصحف، في شكل كتابي جذاب ومتناغم له حياته الخاصة المستقلة، ولا مثيل له في الأنواع الكتابية المعروفة.
لذا يأتي كتاب دكروب (وجوه.. لا تموت) فريداً من نوعه مستعصياً على التصنيف، فهو ليس نقداً أدبياً بالمعنى الشائع للمصطلح، كما أنه ليس تاريخاً أدبياً لحياة عدد من المبدعين انطلاقاً من سيرهم الذاتية وأعمالهم الإبداعية، وهو ليس بكتاب مذكرات أو ذكريات رغم أن دكروب يروي في هذا الكتاب الكثير من الذكريات والمواقف والتفاصيل التي كان شاهداً شخصياً عليها. وهو ليس كتاب انطباعات وشهادات رغم أنه ينطوي على العديد من الشهادات، والكثير من الانطباعات. إنه مزيج من كل ما ذكرت، وهو لا ينتسب إلى أي نوع مما ذكرت.
ولد دكروب في مدينة صور اللبنانية عام 1929 لأب فوَّال، درس في الثانوية الجعفرية وأطلق عليه لقب (شيخ الصف)، وكان معه في نفس الفصل الفنان المرحوم محمد سلمان، الذي مثل وأخرج العديد من الأفلام السينمائية التجارية.
سحبه والده من المدرسة (قبل سنتين من وصوله إلى صف السرتفيكا) ليعمل معه في المحل، وعندما ترك والده المهنة تنقل بين مهن عديدة: بائع ياسمين، بائع ترمس، بائع حمص أخضر مشوي، بائع خبز، بائع فلافل، عامل بناء... وفي النهاية عمل سمكرياً في دكان أخيه العبد في (شارع ضيق جداً أسميناه سوق الفشخة). وقد بقي هناك إلى أن تعرف على المفكر الشهيد حسين مروة (وهو أخذ بيدي من دكان السمكري في صور إلى دكان لبيع الورق في بيروت... هو الذي عرَّفني على العديد من الأدباء والكتاب الذين يؤمّون صالونه الأدبي، شبه اليومي، في بيته) وقد انغمس دكروب في طريق حسين مروة، وعندما استشهد المفكر حل دكروب محله رئيساً لتحرير مجلة (الطريق).
نفس روائي مقنَّع!
في حفل التكريم الذي أقيم لدكروب في نادي الكلية الجعفرية في صور قبل أعوام، قال كريم مروة إن دكروب تطوع في جيش الإنقاذ، لكنه لم يدخل في الحرب. وقال أيضاً إنه كان يطمح لأن يكون روائياً، لكنه لم يحقق طموحه.
نحن لا نعلم ماذا يخبئ لنا دكروب في المستقبل، وهو رجل المفاجآت بحق، لكن من يقرأ كتب دكروب الثلاثة هذه سيكتشف النفس الروائي فيها دون أي عناء. فدكروب يركز على الملامح الإنسانية للمبدعين الذين يكتب عنهم، ويحاول في كل ما يكتب أن يجد نقطة انطلاق شخصية للدخول إلى الموضوع، وعندما لا يتاح له ذلك ينطلق من حدث مواز جرى أثناء ذلك الحدث، وعندما لا يتاح له ذلك أيضاً فقد يلجأ إلى ما تناقله الناس والصحافة عن الموضوع في حينه، وهدفه من ذلك كله هو ربط موضوعه بالحياة، لأنه يعلم أن أقصى أشكال الإبداع لا تتمتع بجاذبية أبسط أشكال الحياة.
ميزة دكروب هو أنه يبني موضوعه بحب واهتمام لكنه لا يجامل البتة، وهو عندما لا يجد طريقة لتمرير رأيه من خلال الوثيقة، فقد ينشئ منولوجاً على لسان الشخصية التي يكتب عنها، ويمرر على لسانها رأيه، كما فعل مع الجواهري عندما دعته لجنة تأبين الزعيم الوطني اللبناني عبد الحميد كرامي، إذ يقول:
"هذه فرصتك يا أبا فرات...أنت في الشعر صنو الصدق، وخارج الشعر لك حالات وتحولات وتناقضات وعلاقات ومطامح... ومطامع... إلخ"
صحيح أن جل هذه البورتريهات كُتبت عقب رحيل أصحابها، لكن دكروب يحاول أن يتحرر من ظروف كتابة المناسبات، فيرسم الناس كما هم في الواقع حقاً، لا في ضوء اللافتات التي يرفعونها، ولهذا تراه يمجد شيخاً مثل عبد الله العلايلي ويعدُّه (من علماء الدين المستنيرين والمجددين في الفقه الإسلامي وعلوم اللغة ومن كبار المفكرين العرب المنوِّرين). وفي الوقت نفسه ينتقد بصرامة بعض المحسوبين على خطه السياسي، كما فعل مع إميل حبيبي... إنه يمارس النقد بنزاهة ودقة حتى ليمكن القول إن كتابه هو بحق: "توحيدٌ لأسماء عربية متفرقة وإعلان عن وحدة الثقافة الوطنية العربية في أقلامها المتفرقة"، كما يقول د. فيصل دراج. فهو (... مشغول بقيم الكتابة ومحاصرة النسيان، قبل أي شيء آخر)... (غايته حراسة الكلمة النزيهة، وهدفه ربط النسق المضيء في حلقاته المتعددة...) إنه (يرسم الزمن بوجوهٍ مبدعة منه، ويرصد الوجوه في معالم الزمن التي تعيش).
سيرة ذاتية بالواسطة
للوهلة الأولى قد يبدو لنا أن دكروب معني بالكتابة عن الآخرين فقط، لكن من يدقق في التفاصيل فسيجد أن دكروب يؤرخ لأحداث شارك في بعض منها وكان شاهداً على بعض آخر، يقول: "وما أذكره تماماً أننا، الكاتب القاص محمد عيتاني وأنا، كنا معاً نوزع بيانات الشيخ العلايلي".... "بل نهتم بالاستماع إلى تعليقات الناس والتحاور معهم لنشر أفكار الشيخ والحديث عن شخصيته ومشروعه، ولرصد نبض الشارع".. وهذا يعني أن دكروب يقوم بكتابة سيرته الذاتية بشكل غير مباشر من خلال كتابته عن الآخرين.
من يتعمق في قراءة دكروب يلاحظ أيضاً أنه لا يؤرخ للناس فقط، بل يؤرخ للأمكنة أيضاً ويسجل ذاكرتها المتحولة من زمن إلى آخر. يقول: ".. فوق التلة العالية قرب مقهى ديب أقيمت المنصة، وفي سفح هذه التلة وعلى امتداد الأمكنة التي تشغلها الآن، مدينة الملاهي والمسابح والمقاهي"، وأكثرها لم يكن في ذلك الزمان، بل كان المكان واسعاً أقرب إلى أن يكون أرضاً بوراً شاسعة.. "على امتداد هذا السهل، احتشدت الجماهير...". مَن يتعمق في هذه الفقرة يستطيع أن يضع يده على الذاكرة المتحولة لذلك المكان البيروتي. وهذا برأيي يكسب كتابات دكروب قيمة إضافية ويجعل منها نوعاً من التأريخ للمكان عبر الزمان.
في الفصول المخصصة للمبدع الراحل محمد عيتاني صديق عمر دكروب، يصل الكتاب إلى ذروته، ومع أن كل العناصر التي أشرت إليها سابقاً تستمر في التفاعل عبر هذه الفصول، إلا أن النفس الروائي يبدو هنا أكثر وضوحاً وعمقاً وتأثيراً.
لا يكلف دكروب نفسه عناء مدح صديقه ولا إلصاق الصفات به، بل يكتفي بوصفه بطريقة تجعلنا نراه ونحبه ونقدر سلوكه الإنساني. يقول دكروب واصفاً عيتاني: "يتحدث عن إبداع المبدعين بإبداع عظيم، فيه حرارة الحب لما قرأ، وحرارة الحب لعملية الإيصال الثقافي هذه بحد ذاتها، إضافة إلى حبه لعمل الخير". والحقيقة أن الفصول المخصصة لعيتاني هي سيرة مزدوجة للصديقين، يمارس دكروب فيها الاعتراف الجريء إلى مداه الأقصى.
تفاصيل مأسوية!
يستخدم دكروب الوصف الروائي المشحون بالصدق والخبرة المعيشه كأجمل وأعمق ما يكون، وهو يلتقط التفاصيل المأسوية بحساسية روائي مبدع، يقول: "عينا محمد عيتاني الصغيرتان فيهما لمعان الذكاء الشعبي، وسحر التواصل الأليف والصداقة التي تشعر أنها تولد في كل لحظة. وفي عمق هاتين العينين، في الأغوار البعيدة يلوح ذلك المزيج العجيب من حب عارم للحياة والناس والأشياء، إلى ملامح حزن شاحب يحاول أن يخفي نفسه بالسخرية والمرح والأحاديث التي يتوالد بعضها من قلب البعض الآخر في تشابك غني وخصب ومتنوع، وطريف باستمرار".
في فصل (مابقي من رواية الجدران لمحمد عيتاني)، ينغمس دكروب في اللغة الروائية أكثر ويروي لنا حادثة مأسوية من حياة العيتاني: "فقد حمل العيتاني أوراقه: بدايات روايات، وقصص وأشعار تتجاوز الحداثة إلى ما بعدها، واعترافات، ورسائل حب مستحيل، وشكاوى من الرفاق وإليهم ومن عقوق الزمان، وبين هذه الأوراق رواية كاملة بعنوان (عائلتان) رماها كلها في بانيو الحمام وباندفاعة جنونية أشعل النار في الأوراق فأحرقها، وكاد يحرق معها المنزل. بعد أيام وقد هدأت عاصفة الجنون، جاءني مكفهراً على غير عادة وجهه الباسم وشفتيه الساخرتين... جلس وراح يبكي".
فيما بعد يقارب دكروب صديقه كما لو أنه شخصية روائية يستبطنها ويكشف سر تمزقها: "... عنده أشياء كثيرة كثيرة ليقولها، لا تكفيها آلاف الصفحات... ولكنه يريد لها أن تتجاوز -فنياً- ما تعوَّد عليه... يريد لكتابته أن تستجيب لجديد العصر، في الحداثة الأدبية والفنية، وفي التطور العاصف لتقنيات العلم ووسائل الحياة اليومية المعاصرة معاً... وفي الوقت نفسه لا يريد لهذا الهم والاهتمام بالتقنيات الحديثة أن يبتعدا به عن عالمه وقناعاته الرسولية التي يراها للكتابة. أعاني من عجز عضوي في الكتابة -قال- وقد كنت، كما تعلم أكتب الرواية في ثلاثة أيام، الآن أشعر أنني متخلف عشرات بل مئات السنين عن زماننا، وما كتبته صار عبئاً علي... قلت لنفسي أحرق الماضي وأبدأ من جديد! ها حرقت الماضي ولا يزال العجز الفني يفتك بروحي...".. "إنني أسبح في تفاهات عمل لا أحبه ولا يحبني".
في هذا الفصل يحس دكروب أنه قد تورط في اللعبة الروائية الإبداعية أكثر مما ينبغي فيتساءل في النهاية: "... ولكن هل نحن -بهذا الحديث كله- نفتش عن حقيقة فقدان الرواية؟ أم عن قصة الرواية نفسها، أم عن قصة الراوي العيتاني بالأساس؟ وهل الرواية هي في الرواية؟ ام في قصة الرواية؟ أم في الحكاية المأسوية لكاتب الرواية محمد عيتاني، وهو الغريب بامتياز...؟".
تأريخ علاقة الأدب بالحياة
دكروب في كتابه هذا يؤرخ لتطورات علاقة الأدب العربي بالحياة، فمن خلال حديثه عن القاص المبدع يوسف إدريس يؤرخ للمؤتمر الأول للكتَّاب العرب الذي عقد في دمشق عام 1954. كما يسجل بأسلوب غاية في الإثارة والتشويق كيف أن يوسف إدريس شرع في كتابة قصة (الطابور) في مكان إلقائها قبل ساعتين من موعد بدء الحفل. لكنه لا ينسى عمله كناقد بصير، فيلقي أضواءه الكاشفة على تجربة يوسف إدريس الإبداعية ليساعدنا على التقاط جوهرها: "إنه يأتي الفن من حيث خلائق البشر واحتدام العلاقات والصراعات وتوالد الحياة والأشياء، ولا يأتيه من حيث القواعد والأشكال والمواصفات المتعارف عليها... بل لعله في مراحل لاحقة من وعيه الفني، قصد قصداً إلى تحطيم القوالب الجاهزة في القصة وفي المسرح خاصة، وراح يبحث ليكشف -في طرائق القص الشعبي، وفي حالات (التمسرح) عبر سهرات (السامر) في ساحات القرى- أشكالاً وطرائق فنية في القص وفي المسرحة طالعة من تجارب الفرجة الشعبية والمزاج الشعبي المصري العام، أو متوافقة مع جديد هذا المزاج الشعبي العام، والمعاصر"... "حتى القواعد التي كان يضعها هو نفسه لحياته، ولمطامحه الشخصية ومصالحه خارج الفن، كان هو نفسه يحطمها أو يكسر بعض حدائدها ما إن يدخل في عملية الإبداع الفني".
دكروب في هذه الكتابة لا يكتفي برسم الآخرين بل يسمح لهم برسمه أيضاً باعتباره جزءاً حياً من اللوحة وشريكاً في صنعها فهو يورد وصف يوسف إدريس لابتسامته الدكروبية (الدائمة الخلود)... "الابتسامة التي تنفض الهموم وتملأ بالثقة وتقربك إلى النفس، ويحس الإنسان معها أنه يمكن أن يصارحك بالهواجس التي لا يصارح بها حتى نفسه، ما أجملها ابتسامة إني لفي شوق إليها...". وهذا يحيلني إلى ابتسامة أخرى هي ابتسامة سعيد مراد الذي توقعت أن يكون وجهه بين الوجوه التي رسمها دكروب بطريقته الخاصة في هذا الكتاب.
ينشئ دكروب بورتريه مقارن لكل من شيخ الساخرين السوريين حسيب كيالي، وشيخ الساخرين اللبنانيين مارون عبود، وبعد أن يتلمس أميز ملامح تجربة كيالي الإبداعية يلفت نظرنا إلى أهمية ما أنجزه الكيالي في مجال لغة القص والحوار، التي لها سلاسة العامية وسلامة الفصحى: (الإنجاز الحقيقي -على صعيد لغة القص العربي تحديداً- الذي توصل إليه حسيب الكيالي، في المتن القصصي وفي الحوار معاً... الإنجاز هو: إن اللغة هنا هي من الفصحى في صميمها). ويورد رأياً هاماً للكيالي كان قد نشر في إحدى الصحف الدمشقية عام 1955: (إنني مع الجاحظ في نقلِ أحاديث الناس، مع الحفاظ على وحدة اللغة... هات لي أي حوار، وليكن مسبات يتراشق بها كناسان أضعه لك فصيحاً يفهمه كل أبناء اللغة العربية، ولا يفقد طابع البساطة والعفوية".
نقد النقد
يمر دكروب سريعاً بلطيفة الزيات لكنه رغم ذلك يترك لنا مفاتيح شخصيتها. ".. هذا الكيان الإنساني، الشغوف بالتحرر، المجلجل بالنكتة، المشبع بالحكمة، والمتمتع بالفكر الرائي".
كذلك يدخل إلى شخصية نجيب سرور من خلال كتابه النقدي (رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ) ذلك الكتاب الذي كان ممزقاً كأوزيريس وموزعاً في عدد من الأمكنة، إلى أن جاء دكروب شخصياً فعثر على أجزائه المتناثرة وقام بتوحيدها في كتاب هو برأيه: "رحلة ماركسي مستنير إلى العالم الداخلي للثلاثية، يعرفنا على معالم وأسرار الشخصيات والأماكن والأحداث"... وهنا كما تلاحظون يمارس دكروب نقد النقد لكنه لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه لرسم بورتريه إبداعي لنجيب سرور كواحد من أهم فرسان المسرح المصري العربي في فترة الازدهار والغليان الإبداعي منذ أواسط الستينيات حتى أوائل السبعينيات.
لعل بورتريه نزار مروة الذي يصفه دكروب بأنه من أعذب أصدقاء عمره، هو أحد أكثر بورتريهات هذا الكتاب تأثيراً في النفس، لأن المرحوم نزار مروة كان، كما يصفه دكروب، (متواضعاً إلى حد ظلم الذات)، ولم يخطئ من قال إنه قد "حجب نفسه في ظلال الحضور القوي لاسم والده المفكر الشهيد حسين مروة". يرسم دكروب صورة نزار مروة، هذا المفكر الموسيقي المرهف، من خلال نقده لصورته هو بالذات فهو يصف نفسه قائلاً كنت: "...أميل أحياناً إلى الحسم وإلى نوع من الحكم الصارم وبالأخص في فترة الخمسينيات وأوائل الستينيات... فعلى ليونة ومرونة وانفتاح أفق، في ما تلا من أعوام". أما نزار مروة فكان دائماً وباستمرار... "يملك أفقاً مفتوحاً لتقبل الناس والأشياء بمختلف تلاوينهم... ودائماً كان يقول رأيه الواضح النقدي، لكن بكثير من الرهافة، بكثير من التهذيب والخفر أحياناً، وبكثير أيضاً من الدقة العلمية الصارمة". في رسمه لشخصية نزار مروة يحلو لدكروب أحياناً أن يلعب دور الروائي الذي يحلل نفسية بطله، يقول: "أعطى كثيراً وإن لم يكن له هذا الضجيج... لأن نزار هو نفسه، لا يصنع أو يصطنع لنفسه ضجيجاً... فهو يشتغل بهدوء، وبعمق وبتواضع -تواضع حقيقي، هو تواضع العالم العارف- تواضع يصل إلى درجة المبالغة في حجب نفسه وإصراره على الصوت الخفيض! قد يكون أن نزار كان يعيش عمقه مع ذاته بأكثر مما يعيش، أو يظهر، عمقه مع الآخرين، مع المحيط".
الروائي يسكت الناقد
(خطوط من صورة مهدي عامل) أعتقد أن الجرس الروائي لا يخفي نفسه في هذا العنوان. هنا يتقدم دكروب خطوة أخرى في مغامرته الإبداعية يقوم خلالها الروائي بإسكات الناقد في مواقع عديدة. لاحظوا معي وصفه الروائي لبطله: "وجهٌ ملتحٍ، ملامح فيها الرجولة والطفولة وبعض الحياء الجميل. عينان متألقتان كشَّافتان مفتوحتان على الداخل والخارج معاً.
صوتٌ خجول متردد متسائل، وواثق معاً. صوتٌ آسرٌ. وأفكار فيها الكثير من الغرابة وعناصر الإدهاش، وأشياء كثيرة مما هو غير مألوف".
من يقرأ هذا البورتريه المنسوج من التفاصيل الحياتية الحميمة يكتشف حجم الخسارة الفادحة التي لحقت بالفكر العربي بمقتل المفكر مهدي عامل، يقول: "... عبر سجالنا المتواصل والخصب هذا، كنا نكتشف أن هذا المفكر الكبير والطفل الحبيب، المحرض والمستفز والودود، البسيط حتى الشفافية والمعقد حتى درجة الغليان الداخلي المكبوت... هذا الذي يصغي بكل جوارحه ويطلق القول والحب من كل جوارحه -نكتشف أنه يعلمنا ويعودنا على توخِّي الدقة في التفكير والدقة في التعبير...".
كذلك يمضي دكروب في لعبته الفنية مع المسرحي الكبير سعد الله ونوس، فيقاربه مستخدماً شكلاً تعبيرياً من عالم المسرح، هذا الفن الكتابي الذي أبدع فيه سعد الله، ها هوذا دكروب يأخذ وضعية ممثل مسرحي ينشد مونولوجاً له أبعاده الدرامية ورنته التراجيدية:
"آه، يا لسعد الله ونوس، الصادق الودود، الجارح. مرآة للنفوس البشرية، تكشف مكامن القوة والهشاشة والضعف، الامتلاء والحيرة والخواء في الآخرين وفي الذات... تتفاعل ذاته وتتمازج مع حالات هذه النفوس وتلوناتها وتلاوينها.
عينا سعد الله ونوس الرَّائيتان. وجهه الجميل الذي يقول -ولو بتغييرات خفيفة من ملامحه- رأيه فيك، أو في السلوك الذي سمعه عنك، والكلام الذي يسمعه منك الآن.
ابتسامته الودودة غالباً، الساخرة غالباً، المتهمة أحياناً، المحبة دائماً، تهزك من الداخل، تزلزلك، أو تضفي عليك الغبطة والرضا، أو تدفع بك إلى أقاليم الحيرة والقلق... أما كلامه؟.. سعد الله هو المرآة -هذه المرآة التي تَراك وتريك ذاتك، وتقول لك بصدق وحسم وودّ ايضاً، ما تراه...".
صحيح أن دكروب يكسر مونولوجه عدة مرات بالاستشهادات والوثائق لكنه يعود إليه دائماً، كما لو أن البورتريه برمته ما هو في الحقيقة إلا مونولوج مسرحي طويل. يقول: "واسأله عن فلان وفلانة فيروي بإيجاز أحياناً وبتفصيل (حيث يتطلب المقام تفصيلاً في المقال)... واكتشف عبر الإيجاز نفسه، إن سعد الله الرائي يعرف تفاصيل التفاصيل، وأنه قارئ جيد ومخيف ومتتبع للأحداث والتفاصيل ولمعالم الوجوه، يذهب إلى الأبعد وينفذ إلى الأسباب والدوافع وما في الخفاء... يستدرج زواره بهدوء ملعون فيكتشف الأسرار، أو تنكشف له كأنه عرَّاف عتيق...".
"وأكتشف أن هذا الكاتب الفنان القاعد في بيته، لم يكن قاعداً في بيته، إن عقله المتوقد يتحرك في كل الاتجاهات".
يتهم إلياس خوري محمد دكروب بأنه (... رجل ماكر) لأنه "... يقلب المعادلة على الأدباء، يكتب عنهم كأنه يكتب عن شخصيات روائية. يذهب إلى تناقضاتهم كأنه يبني لهم شخصية مأخوذة من أعمالهم، لكنه عكس الروائيين يحيي أبطاله بدلاً من أن يميتهم..." ويعتقد خوري أن دكروب قد وصل إلى هذا الأسلوب "... حين تخلى عن وهم الكتابة. عاد سمكرياً مثلما كان في شبابه، يلحم ويفك مثل حرفيٍّ ماهر". ويعتقد إلياس أن هذا الحجب المتعمد للذات، هو ميزة الحرفيين، فالحرفي بعكس الفنان لا يوقع عمله. ودكروب "... يوحي لنا أنه ليس المؤلف وبهذا ينجح مرتين: مرة لأنه صنع الكتاب ومرة لأنه ضحك علينا وأوحى لنا أنه مجرد مؤلف".
السمكري يجيِّر مهارته
صحيح أن محمد دكروب السمكري يجير مهارته ودهاءه لصالح محمد دكروب الكاتب، لكن دكروب لا يحجب ذاته بل يستخدمها كإطار حي لجمع العناصر الأكثر حياة في تجارب المبدعين الراحلين، كي يزجّ بتلك العناصر في معركة الحياة من جديد لإزكاء روح المقاومة ومواجهة الموت الزاحف!
منذ سنوات زرت كنيسة (تمبلياكيو) في العاصمة الفنلندية هلسنكي، فأذهلتني! إنها تشبه عيناً بشرية عملاقة مزروعة في قلب صخرة أرجوانية هائلة لا يظهر عليها أي اثر للعمل البشري. غير أني اكتشفت لاحقاً أن سرّ نضارة الصخر، التي لا تزول، تكمن في وجود أنابيب شعرية ممددة داخله، تنضح ماءً باستمرار، ولها نظام تصريف دقيق ينظمه كمبيوتر في منتهى التعقيد. يومئذ توصلت إلى واحد من أهم الاستنتاجات التي تمسّ جوهر العملية الفنية من وجهة نظري، وقد صغت ذلك الاستنتاج ببضع كلمات:
"صنعة الفن صنعتان
صنعة لإنجاز العمل
وصنعة لإخفاء كل أثرٍ للصنعة!".
وقد بذل دكروب جهداً هائلاً في جمع وثائق هذا الكتاب ومعالجتها، لكنه تمكن بمعلمية واضحة أن يخفي كل أثر للصنعة فيه!