محمد دكروب
محمد دكروب
بقلم: عطية مسُّوح
ما يزال محمد دكروب، وهو يحمل عبء الثمانين، ذلك الأديب المبدع والباحث النشيط. ما يزال كما رآه عارفوه منذ عقود رجل الثقافة المواظب، المسكون بهاجس نشر الثقافة التقدمية والفكر التنويري العقلاني.
وحين يكرّمه المثقفون اللبنانيون والعرب، فهم يكرّمون ذلك الإنسان النبيل الذي أعطى حياته وجهده للثقافة والصحافة منذ ستين عاماً، ويكرمون فيه انفتاح العقل والتمسك بالقيم الإنسانية، والنزوع النهضوي.
محمد دكروب رجل انتماءٍ صادق ثابت، لكن انتماءه ليس انتماء المتحزّب المنغلق، الذي لا يرى ما حوله إلا من خلال زاوية الأيديولوجيا الضيّقة، بل هو انتماء للتقدم والعدالة والحرية والإنسانية، انتماء لمقاومة الظلم والتسلّط والتخلّف والماضوية، انتماء لا يقيّد العقل ولا يسدّ النوافذ ولا يقطع حبال التواصل مع الآخر المختلف.
لذلك تجد حول محمد دكروب ذلك الطيف الواسع من الأصدقاء والمحبين، من مختلف المشارب الأيديولوجية والتيارات الثقافية والفكرية، ينظرون إليه بوصفه رجل ثقافة صادقاً ثاقب النظر، وإنساناً لطيفاً مهذباً خفيف الظل، وصديقاً يحفظ المودة والأواصر.
ولعل قارئ كتبه، وخاصة تلك التي يضيء فيها رجال الفكر النهضوي ورواد الثقافة العربية في العصر الحديث، يجد أن اختياره الشخصيات التي درس حياتها وإبداعاتها، لم يكن نابعاً من موقف سياسي أو حزبي أو أيديولوجي، بل من موقف نهضوي تنويري.
فمحمد دكروب الشيوعي منذ شبابه المبكر، والمتمسك بشيوعيته إلى الآن، على طريقته الخاصة، اختار الكتابة عن أمين الريحاني وجبران خليل جبران وطه حسين وغيرهم من البعيدين عن الحركة الشيوعية، واجداً فيهم، بل مبرزاً الدعوة إلى العدل والحرية، موقظاً إحساس الأجيال بالدور الكبير الذي قام به هؤلاء الروّاد في نشر الثقافة المناهضة للرجعية والتخلف، وفي التفاعل مع قضايا عصرهم الكبرى كما ينبغي للأديب والمفكر أن يتفاعل.
إضافة إلى هؤلاء الرواد الذين خصّهم دكروب بعدد من كتبه الهامة، فقد تناول رجال ثقافة وفكر انتموا إلى الأحزاب الشيوعية، وكانوا كتاباً ومفكرين لامعين، لكنهم اختلفوا مع قيادات أحزابهم، أو مع قادة معينين، وأكد أن هذا الأمر يستوجب بحث علاقة المثقف والمفكر بالحزب وبالسياسة، وبين أن حرية المبدع والمفكر أمر مطلوب، وهو من مقومات العمل الإبداعي كما أنه من أهم علائم الديمقراطية في الحركة السياسية. ولم يفت دكروب الإشارة إلى مواقف اتخذها بعض المفكرين والمبدعين الشيوعيين كانت أكثر صواباً من مواقف قياداتهم الحزبية (موقف رئيف خوري من قرار التقسيم مثلاً)، كما لم يغفل انتقاد الكثير من ممارسات القادة الحزبيين تجاه المثقفين والمبدعين، وهي ممارسات أساسها الحد من حرية التفكير والتعبير.
إن ما كتبه محمد دكروب عن رئيف خوري في هذا المجال، يمكن أن يستخلص منه نهج في التعامل السليم بين المفكر أو الأديب والحزب الذي ينتمي إليه، فالتزام الأديب والمفكر ليس التزاماً حرفياً ضيقاً، وإنما هو التزام بالمبادئ العامة والاتجاهات العريضة دون التفاصيل، التزام بالقيم الكبرى، قيم العدل والحرية والديمقراطية والاندفاع في خدمة الشعب والوطن وتبني قضايا الكادحين وحقوقهم، مع احتفاظ المفكر والمبدع لنفسه بحرية التفكير والتعبير عما يراه في هذه القضية أو تلك، دون رقابة أو تضييق. ولعل الحزب، أي حزب، يكون أكثر جدية وقدرة على اجتذاب المثقفين والتأثير في الجماهير واتخاذ المواقف الصحيحة حين يكون حريصاً على حماية حرية المبدع والمفكر وحين لا يتوجس من أي نقد أو موقف مختلف أو رؤية غير متفقة تماماً مع هذا الموقف الحزبي أو ذاك.
هذا ما يستخلصه القارئ من مناقشة دكروب لعلاقة رئيف خوري بالحزب الشيوعي، ولعلاقة العمل الثقافي بالعمل الحزبي والمثقف بالتنظيم بوجه عام.
ولعل محمد دكروب ليس كثير الاختلاف عن رئيف خوري، فهو كاتب له آراؤه ونشاطاته التي قد لا تتفق تماماً مع تفاصيل سياسة حزبه، وقد تبتعد عن الأفكار الرسمية للقيادة الحزبية أحياناً، وهو يعطي نفسه هذا الحق من موقع الملتزم بالعدل والحرية والعلمانية والتقدم، والمدرك أن دعاة هذه القيم من شيوعيين ويساريين وتقدميين متنوعي الأفكار والتنظيمات، يفيدون من النقد ولا يفيدون من المدح والإطراء، ومن التأييد الواعي لا من الموالاة الساذجة.
أما دور محمد دكروب في الصحافة التقدمية فهو دور لا يُنسى، وستذكر الأجيال نشاطه في (الثقافة الوطنية) و(الأخبار) و(النداء)، كما سيذكر المثقفون العرب ما قام به من جهد متميز، مع رفيق عمره المفكر الماركسي كريم مروة، في مجلة (الطريق) التي نتمنى لها أن تعود.
وإذا كان الصدق هو أهم ما يميز دكروب، في حياته وعلاقاته، كما في أدبه ونقده، فإن صدقه لا يقوم على إرادة أخلاقية فقط، بل يستند إلى عمق علاقته بالواقع، فهو الرجل المثقف اللامع، انبثق من قاع المجتمع، وعاش الفقر والكدح والمعاناة، وما يزال يعتز بأنه السمكري المتوغل في عالم الثقافة والأدب، وما يزال يفخر بتمسكه بنصيحة الأديب الكبير مارون عبود، بأن يكتب عما يعرف، ويصور ما يعيشه بنفسه، مازجاً الواقع الغني بالخيال المبدع.
إليكَ يا رجل الثقافة الكبير محمد دكروب أصدق المحبة والأمل باستمرار العمل والإنتاج، فنحن في حاجة إليك.