الاستبداد الحميدي يلقى مصيره المحتوم 1908

عبد الله حنا قرأها 5
  

الاستبداد الحميدي يلقى مصيره المحتوم 1908

عبد الله حنا

حكم السلطان عبد الحميد الدولة العثمانية مدة تقارب الثلاثين عاماً، بالحديد والنار والتجسس والإرهاب وخنق أنفاس الناس، إضافة إلى الترغيب والترهيب وبذل الأموال الطائلة من أجل كسب الدعاة والمطبلين والمزمرين للسلطان عبد الحميد و(دولته العليّة) الإقطاعية ونصف المستعمَرة من الدول الإمبريالية الأوربية.

إن جمعية الاتحاد والترقي المؤسسة سراً في إستنبول عام 1889، التي لم يكن بإمكانها استثارة الجماهير المضَلَّلة بشعارات السلطان عبد الحميد والرازحة تحت نير عبودية الإيديولوجية الإقطاعية، والمخدوعة بشعارات الجامعة الإسلامية، والمخدّرة بمفاهيم الخنوع والخضوع التي كان ينشرها دعاة السلطان في كل مكان، لجأت إلى الطريق السهل (الوحيد) في نظرها، طريق كسب العناصر القيادية في الجيش من أجل إحداث التغيير من فوق.

في 21 تموز 1908 أعلن الضابطان أنور وحلمي، وهما من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، العصيان على السلطان عبد الحميد في مدينة سالونيك. وقد أُصيب السلطان بالذعر وخاف من الوقوف أمام الحركة الجديدة، فاضطر لإعلان دستور 1876 الذي جمّده بعد اعتلائه العرش في تلك السنة. وبموجب الدستور جرى انتخاب مجلس المبعوثان (البرلمان)، الذي افتتح أبوابه في 17 كانون الأول سنة 1908.

في نيسان 1909 قامت كتائب العاصمة (إستنبول) بتحريض من عملاء السلطان، باقتحام مجلس المبعوثان وقتل وزير العدلية وبعض النواب وعدد من (الضباط المكتبلية)، أي الضباط المتخرجين من المدارس الحديثة. وقامت على الأثر مظاهرات طلبة المدارس الدينية مناديةً بحياة السلطان خليفة المسلمين وهاتفةً مع الجنود للسلطان.

وصف ساطع الحصري الثورة المضادة في نيسان 1909 بما يلي:

"إن أبرز زعماء هذه الثورة كان يسمى (درويش وحدتي) الذي عمل تحت ستار (الغيرة على الدين)، واستطاع أن يغري الجنود السُذج، بوساطة مريديه وأعوانه من الدراويش والأئمة وسائر رجال الدين، وجعلهم يعتقدون أن المشروطية (الدستور) مخالفة للشريعة الإسلامية، وأن خليفة المسلمين مخالف للعهد الجديد كل المخالفة، أما إعلانه المشروطية فكان قد تمّ تحت الضغط والإكراه. فالواجب يقضي بإلغاء (القانون الأساسي)، أي الدستور".

ولكن جمعية الاتحاد والترقي قررت العمل بسرعة، فتقدم الجيش الموالي لها في سالونيك باتجاه إستنبول، وأعاد نفوذ جمعية الاتحاد والترقي. وبعد ثلاثة أيام قرر مجلسا الأعيان والنواب (المبعوثان) خلع السلطان عبد الحميد في 26 نيسان 1909 وتنصيب أخيه محمد رشاد سلطاناً. وكان من عادة سلاطين بني عثمان إما قتل إخوتهم حتى لا يطالبوا بالعرش أو سجنهم في (قفص ذهبي) في أحد القصور السلطانية محاطين بالجواري الحسان وما لذّ وطاب من متاع الدنيا!

وهكذا انتقل محمد رشاد من سجن أخيه عبد الحميد إلى سجن جديد يديره الحكام الجدد من جمعية الاتحاد والترقي. ولم يكن للسلطان محمد رشاد من السلطة إلا الدعاء له على المنابر كخليفة للمسلمين. كما صدرت في عهده الليرة الرشادية الذهبية، التي كان لها شأن في البيع والشراء، وبَقِيَتْ متداولة في سورية حتى أربعينيات القرن العشرين.

* * *

مع الأزمات المتلاحقة التي أصابت وتصيب العالمين العربي والإسلامي وصعود التيارات الأصولية الداعية إلى الخلاص باسم الدين. نسي أو تناسى عدد من الباحثين والمؤرخين الطبيعة الاستبدادية لحكم السلطان عبد الحميد ودوره في دفن الإصلاح وعرقلة السير في طريق الدولة الحديثة. ومع هذا النسيان أو التناسي تنتشر، وعلى نطاق واسع، المبالغات في دور يهود الدونما في إقصاء السلطان عبد الحميد بصفته (المدافع عن الإسلام) و(خليفة المسلمين). ولا شك أن يهود الدونما، الذين اعتنقوا الإسلام بعد هربهم من الاضطهاد في إسبانيا بعد سقوط غرناطة، أسهموا في عملية الانقلاب على السلطان عبد الحميد. ولكن دورهم كان سيبقى محدوداً لو لم تكن الأجواء مهيأة وناضجة لزوال حكم من استبد بالسلطة وقرّب الجهلة والمشعوذين، وأبعد رجال الفكر والإصلاح، واستغل العامة مدغدغاً أحلامها، ومهّد بسياسته إلى سكون المجتمع وركوده وعرقلة تطور آليات الدولة الحديثة. وهو بالتالي لم يفسح المجال أمام القوى الخيّرة والإصلاحية الراغبة في بناء مجتمع يسير في طريق الثورة الصناعية وإقامة دولة حديثة قوية. وهذا هو سر فشل عبد الحميد وسبب نجاح القوى المتنورة في إنهاء حكمه.

ومن يراجع مجلة (المنار) الإسلامية، الصادرة في القاهرة لصاحبها الشيخ محمد رشيد رضا، أحد دعاة الإصلاح (السلفي) والتنوير الديني، يلاحظ بوضوح ابتعاد المنار عن سياسة السلطان، بعد أن كانت تؤيدها في البدء، كما أعلنت المنار ابتهاجها بانتصار حركة (الاتحاد والترقي) وانهاء دور الاستبداد وحكم (الرجعة) على حد تعبير الشيخ عبد الحميد الزهراوي.

* * *

كان (الهروب) من البلد أو التقيّة -وهي ضرب من الكتمان- ديدن جميع العلماء وناشري المعارف العلمية في وطننا أيام الحكم العثماني. وقد أشار إلى هذا الأمر بوضوح أحد رواد النهضة في دمشق الدكتور صلاح الدين القاسمي في مقالة نشرها عام 1911 في جريدة (المقتبس) الدمشقية تحت عنوان (العلم والعامة)، قال فيها:

".. العامة حُرمت بسبب الجاهلين ما أحلّ الله من العناية بضروب العلوم الرياضية والكونية حتى الدينية كالتفسير والحديث". و "العامي لا مذهب له وإنما مذهبه قول مفتيه في الضغط الفكري على العلماء واضطرار هؤلاء لاتخاذ التقيّة شعاراً في أغلب الأحايين.. وكم كتم العالم ما يجول بخاطره من الحقائق العلمية وشُرد الآخرون إلى بلاد نائية".

وهكذا أوقف الاستبداد التقاليدي والطغيان السلطوي أيام السلطان عبد الحميد (1878-1908) التطور الحضاري أكثر من ربع قرن. وبعد زوال عبد الحميد أخذت تظهر الجمعيات والأحزاب السياسية (1908-1914)، التي وضعت اللبنات الأولى للمجتمع المدني في بلاد الشام.

إن زوال الحكم الاستبدادي للسلطان عبد الحميد وعودة الدستور ومجلس (المبعوثان) وقيام الأحزاب والحرية النسبية للصحافة كان عام 1909 خطوة تاريخية شرعت في نقل مجتمعات الدولة العثمانية من ظلمات الجهل والتأخر إلى رحاب التطور والتقدم ومواكبة العصر الحديث.

النور