حب من قصَصِ الحلاَّج و مريدهُ أبو منصور المغربي - 1 - مرويات شعرية
حب من قصَصِ الحلاَّج ومريدهُ أبو منصور المغربي- 1
مرويات شعرية
سعيف عليالظريف
مات الحلاج وهو يمارس حبه ووجده الصوفي. وقتل وهو يعتقد بتوحده مع الذات الإلهية، وفي النص ملحمة هذا الرجل وملحمة أحد مريديه، أبي إسماعيل وهو يتوارد في الحديث بين البسيط والغريب.....
قدمٌ على باءِ الحبِّ تترنحْ، ظنَّ كثيرًا أنَّه في الحُبِّ لن يُقطَعْ،
تأْكلهُ مِقصَلةٌ، يصلبُ، يقتلهُ في الجبَّة قاضٍ وغمام إمام
لكنْ،
يسقُطْ،
يكتبُ سُلَّمْ، سجلَّ
أنَّ سبعًا في الدَّرجاتِ ا رتجَّتْ.
زَلزلةٌ..
قامتْ في الوجدِ قيامتُهُ، ظنَّ، قامتْ في الفلكِ المرسومِ على لوحةَْ.
ألوانٌ صدأٌ أحمرَ، أصفرَ ، أخضرَ او خلطٌ في اللون وفي الحبِّ.
قامت في الوجد قيامتهُ، يخرجُ من شجرِ الزيتون زهرٌ مقلوبْ،
أسودْ
لكأنهُ في الوجْهِ شجرُ ليمونْ.
زَلزلةٌ...
الباء في الحبِّ ثانيةٌ، يخلطُ نحلٌ عسلاً بالسُّكرْ.
ويجفُّ في الوجعِ الماءْ، رقراقٌ، عاد الخصْبُ في أََلَقٍ،
... لمَّا...،
نسيتْ باءٌ في الماءِ نقطتهَا، ضاعتْ،
فقدتْ سفَراً وبطاقاتِ هَويةْ
حبٌ هذا، قدرٌ لكنْ يخلطُ نحلٌ عسلاً بالسَّكر.
زلزلة،
موت زلزلة، موتٌ ودمٌ يرحل في اليوم الثامنِ من أسبوع الوجدْ.
ثم يمضي اليوم بالخبر، وتترنحُ في الإسماع أخبار الشيخ ومريديه ويختلط حق وباطل وغثٌّ بسمين وتدور القصص في الأفواه كما تدور الأسماء ولا يخبو الصوت ولكن ينطلق. وكان مما جاء في الخبر أن أبا منصور المغربي، لحق بجند المعتصم وأقام في رباط على البحر يحرس الساحل العربي وينافس على الطاعة نفسه وكان لذيذ الحديث، يحبٌُّ فيه صحْبهُ الكذب والبدعة ويغفل القائم بشأن الرباط على لوثته، وكَان ممَّا حكاَه حديثٌ غريبْ، فقد قال يقَلِّب الحديثَ ويروي كيف في الإشراق قد صنع الربيع:
جاءتني جبّة الحلاج مثل الريح، فارتفعت وكنت مثلما يكون السحاب بمُدد الماء. سارت بي الريح ردحاً من الزمن حتى بلغنا مفازة يقوم فبها جبل الفيروز كما يقوم الشيخ بين مريديه. فانفرطت عن المسير، ولبثت عنده أبكي وأسقيه دمعي، حتى صارت الدموع أنهارا تسقي وأشرق من الأرض الربيع.
(أنا الآن أرتفع...
والآن ترتفع الرقة...
أهفو وأزداد في العشق، ....
وأصفو..
ويكون في الحكايات جبة
يقع منها البكاء....
..........
..........
..........
الآن أنا مرتفعٌ والوديان...
من دمعي.......
أنهــــــار
تشرق من جبل ويكون في عين السماء ربيع
ارتفعت لتكوّن من عينيّ سحاب،
ويقع مني البكاء،
فتشرق الأنهار من جبل الفيروز ويكون في عين السماء ربيع).
ثم قال لما رأى الأفواه لا تهفو بغير البهتة: (وكانت من القصص حكايات سنحكيها عندما نفتح في الفصول الأربعة كلاماً في الحب، نزيد فيه من الوجد ونرحل الى المعنى ونلبث عند الحروف، نمارس بها الطير ونمارس بها الغريب من القول وسنحكي عما حدث لي من لوثة الجنون والاشتهاء وأنا أُرابط في رباط آخر في ساحل بعيد غرب بحر العرب وسيكون لنا فيه حديث غداً).
فلما كان الموعد اجتمع كل من في الرباط إلى أبي إسماعيل ينتظرون، وقد فرغ البال والصبر منهم وتركوا النوافل بعد صلاة العشاء ليتخذوا مجلسهم بالقرب منه. فلما قام يتحدث شخصت الأبصار وأصاخوا السمع وهو يتحدث ويشير بيديه كحال أهل الساحل وقال:
(ثم كان من الحرف قصة في قبح شجر ميتٍ، وفي فضفاضة معتوهٍ إنسابت فيها الروحُ وتمرََّدتْ على هدوء الرباط.. فخرجتُ أبحث عن نفسي لنفسي بعد أن شهدت ما شهدت من بسطةٍ وهدأةٍ، وبعد أن اشتقتُ إلى النساء، ولم يفلح القتر والزهد في قتل الشهوة.. استبد بي الشوق والهيام، ورأيت من النساء، ما عَبرني في أسفاري من جوارٍ و غانياتٍ حتى كدت أطفق من الهوى.. وسكنتني جارية كنت أعرفها في الصبا حتى انخلع قلبي، ورأيتها تطوف في أرجاء الرباط وتغني من الأصوات صوتاً فريد اللحن، حتى اختلط عليّ الوهم بالحق، وتمرّغت في مكاني كأني بغل إسطبل هائج... وأصابني من اللوثة والعرقِ ما جعلني أخلع عني العباءة رغم القرّ والبرد الذي ملأ الليل وأقمت في مكاني أنظر ولا أنظر... أرى ولا أرى....
فلما فجُر الفجر، اتجهت نحو البحر، ودخلته بكل ثيابي ودعوتُ حوتَ يونسَ كي يأكلني، لكنه لم يسمع مني، وقلت أسبّ الموج تبًّا.. ثم خرجت إلى الرمال فملأتُ منها فمي وعضضت على لساني حتى دميَ، وكنت في هيئة الجنون، نفرتْ مني أسرابُ طائرِ البحرِ ثم مددتُ يدِي ورفعتها إليّ وضربت نفسي وشققت على صدري وصرت أقفز في غير رتابة.... حتى لمحني حارس الناظور القبلي، فجاءني مع العسس وقبضوا عليّ وأنا أرتعد من الهلع والخوف ومسّ الجنون ثم ربطوني إلى سارية، وأنا أنادي يا مرام... يا مرام إني بلا بصر.
ولبثت في هذه اللوثة سبعة أيام، حتى خارت من القوى وصرت أبكم من الضعف، فلما رأوني استعاذوا من الشيطان، وأطلقوني رعَوْني حتى اشتَّد عودي وانتبهت من حمَّى الهوى وقلت أحدثهم عما كنت فيه مجازاً وأخفيت عنهم ما استطعتُ وكدت أدعي الولاية لولا خوفي من الشيخ أن يعقرني وكنت لا أحب فيهم إلا هوُ وسبحتُ بهم وهم في خوفٍ مني و أخبرتهم أنَّ مرام جنُُّ من جن الهاوية وقلتُ وأنا أصف بالإشارة ما أقولُ... وأتحرك يميناً ويساراً وأهتزُّ فتهتزُّ قلوبهم وعيونهم:
اني بلا بصرٍ...
أمشِي على سجيتي..
ويشدُّني غبار الطريق إلى منعرج الهاوية..
رغم معاندتي تستطيع الهاوية أن تأكلني حتى نصفي،
وتقبض أمعائي إلى نتوء حجارتها ثم ترفسني،
أنا أهتز.............
أنا أهتز...
وأفقد إرادتي،
ويسري الصمت الوهن في ما تبقّى من نصفي،
أنا أدور..... أدور.....
أفقد الاتجاه، فأكون بلا مكان
ويختلط الارتفاع والهبوط
يكون اليمين بلا يسار،
لا يكون غير العمى.
وزدت وأنا اقلِّب الحروف َوأروي الجنونَ وهم يبهتونَ مِن حَديثي ويكادون من الشفقة على حالي ان يمسكوني مرة أخرى لكنهم لبثوا يسمعون وأنا أزيد في الغربة والمجاز المجنون وأصف من مرام الجسد والتضاريس ثم أشرت الى الأرض والى السماء وقلت:
ذات مرَّة،
سقطت كلماتي وانفرطت،
في نتوء الهاوية،
فلما التقطتها، احتجت إلى خيط وإبرة
ورأيت الطير أعمى،
مثل إثمي في سقوط.
وزدت في الإغراب حتى مَلكتْهم الطِّيرة، وخافوا، لكني لبثت أروي وأُغْرِبُ وانفرطتُ إلى الشيخ الأكبر أستأذنه الرحيل قبل أن يطردني فأذن لي، وقد رأيت تبرمه وهو صامت، وحملت زادي و انطلقت إلى الشام أبغي مرام وأشتاقها).
يتبع...
سعيف علي الظريف - كاتب من تونس
saifdrif@gmail.com