جرح في اللوحة - قصة قصيرة
جرح في اللوحة
قصة قصيرة
سعيف علي الظريف
الإهداء:
الى غسان تركته منذ عهد الطلب ولقيته يوما وهو في حال غريبة. لم يعرفني وقد كان الكلام لا يستوي عنده. لقد كان رساماً حقيقياً. سخطا للحياة لا تنحت فينا الا الخبل.
الصورة على حالها لم تتغير. الشارع مليء بالحركة والحياة. يلف صياح الصبية المكان فرحاً بالبرودة والندى بينما الشمس كانت حينها قد غرقت وراء العمارات المتراصة. كنت أرى خيوط الليل المتسلل تتدافع في كل الاتجاهات تبحث عن ركن تتربص منتظرة الهجمة الكبرى للسواد. كانت كل المساحة في حركة لذيذة. كان الناس يركضون إسفلت الطريق، كانوا يسرعون بعد تعب النهار إلى البيوت المعلقة. ظلّت العمارات تبتلع سكانها كأنها لا تشبع أو عطشى لا يرويها البشر.
كان يمشي الهوينى حين رأيته أول مرة. كان يتجه نحو العمارة الصفراء. مدّ نظره إلى كل شيء. رأيته يكنس الدكاكين والكراسي المبثوثة أمام المقاهي والسيارات والناس جميعاً. مرت عيناه على شرفتي فالتهمها بسرعة ثم بصق بي خارج عينيه انقلبت الصورة فجأة. صار كل ما فيها ينبض بالغفلة والجمود. أصبح كل من فيها لا يلقي بالاً لأحد.. كان وحده يتحرك دون غفلة، يكشف المكان ويرسم خطته. شعرت بالضيق فجأة، وانقلبت أنا أيضا للسؤال. لم تعد الصورة على حالها وما عدت أنا وحدي المتربص في شرفتي أراقب تغير الألوان والظلال.
عدا عينيه، بدا لي هندامه في ذلك الغروب عادياً لا ينبه الإحساس او يحرك ماء الإرهاص في بئرها العميقة. كان يلبس قميصاً أبيض يكاد يلتصق بجذعه وبنطالاً ضيقاً، يفضح ساقيه الدقيقتين، وجسم لا يتوفر على شحمة الدعة والراحة. كان يحمل في يده حقيبة سوداء اللون بدا التآكل من بعيد وقد كسا جوانبها. لا أدري لماذا قفزتْ في تلك اللحظة لوحة غسان إلى ذهني. كان ابني سليمان قد أسقطها فهشم فيها الإطار وشوه تراسل الجمال فيها فرميتها داخل الخزانة، تركتها في غطيط النومة والنسيان. لم أزل أكره ارتداد الكمال بالنقصان والإعاقة.
ظل يتهادى حتى غاب عني وانغمس في أروقة العمارة المقابلة. أخذت فنجان القهوة من يد زوجتي ورشفت قليلاً منها وقد بدأت أعضائي في الارتخاء وقلت لزوجتي وهي تتلهى عني بالاتكاء على الحاجز الحديدي للشرفة:
- رأيت ساكناً جديداً اليوم.
- ما المهم في لأمر؟.
- لا أدري... لكنه استرعى انتباهي.
- ربما تعرفه.. لكنك نسيت ملامحه..
- أنا؟! قطعاً لا أعرفه.
- أصبح التلصّص من عاداتكَ السيئة.
....
تركتني زوجتي إلى هواجسي وانقلبتْ إلى المطبخ تعد العشاء. استبدت بي صورة الرجل وحملني التلصّص إلى أن اثبت النظر على مدخل العمارة، عسى أراه مرة أخرى. لم استطع أن أهرب من سطوة ذلك الطيف الذي ظهر أمام فزاعتي ودخل الحقل دون إذني. لم يستطع طعم القهوة السيّئ ولا مرارتها أن تصرفني عنه. كانت أصابعي تتلهف النقر على فخذي وتأخذ بين الفينة والأخرى بعض خيوط قميصي.... كنت بحق انغمس في التوجس.... أتراني أعرفه!.. أم يا ترى يشبه أحداً أعرفه!!.. لماذا أتى إلى هذه التلال الإسمنتية. ؟..انأ اعرفه...أنا قطعاً أعرفه وإلا لماذا يمسكني إليه!!!!...
اشتد اضطرابي حتى أني تركت الأريكة والفنجان. خطوت في الشرفة وانا أتمسّح بذاكرتي عسى أظفر بسرّ ذلك التوجّس. لكن القلق كان قد أخذ بمجامعي حتى أدخلني في فراغ التفكير. غير أن شعوراً غريباً انتابني فجأة، انزاح عني الخمول الذي ينتابني عادة في مثل هذا الوقت. كان مرّ ما يدفعني إلى الخروج. كلمت زوجتي على عجل وأنا أصلح خطوطي أمام مرآة بيت الاستحمام.
- سآتي بعد قليل... لن أطيل الغياب...
أغلقت الباب مسرعاً. لم أستطع انتظار المصعد، وقفزت درجات السلم في خفّة. قفزت إلى الرصيف وأنا أتوجه إلى العمارة المقابلة. كنت بحق في لباس كلباس السحر بلا إرادة. توجهت إلى الحارس وهو ينفخ نرجيلته في استمتاع. حييته وأنا أنظر إليه في جدة.
- أهلاً عم عمار... كيف حالك...
دخل الآن رجل دقيق يلبس قميصاً أبيض... أنت قطعاً رأيته..
نظر إليّ في خمول ورد علي في جفاف:
- إنه ساكن جديد. اسمه تقريباً توفيق.. يسكن في الدور الخامس.. الشقة الرابعة.. لا أظن انه سيبيت هنا فلم يأت بالأثاث بعد.
تركت البواب ودخلت بهو العمارة. لم أكن أستطيع أن أمسك نفسي عن الصعود. كان الأمر عجيباً. أنا لا أتذكر حتى هذه اللحظة إن كنت قد صعدت السلم أو ارتقيت المصعد. كل ما أتذكره أني وقفت على باب الشقة برهة طويلة. كنت أتقدم نحو الباب ثم أعود إلى الوراء. كان فعل السحر يكاد يدخلني منطقة الهذيان كنت أتمتم كلمات مقطعة.....
استطعتُ أخيراً أن أتقدم نحو الباب. طرقته طرقات خفيفة شاحبة مثل وجهي. لم أنتظر طويلاً. فتح الباب كأنه كان ينتظرني.. نظر إليّ، قال: "مرحبا". لم استطع آن أتكلم وان أجيبه، أبلست أمامه وأنا على حال المفاجأة.. أنا لا أعرفه.. ولكني أعرف ملامحه.. انه يشدني، أنا أعرفه ولكني لا أعرف ملامحه.
كلمني مرة أخرى. أهلا سيدي هل من خدمة. لكني واصلت وجومي... كنت أريد أن أقول، اي شيء لكني لم أستطع. كان الأمر خارقاً.
تنقلب الصور وأصبح أنا اللوحة والدار ويمعن هو في مشاهدتي والتلصص على زوايا الإطار. أصبحت في لحظة جماداً يتأصل في ثباته وينادي الحركة فلا تجيبه. انقلبت الأدوار وغاص هو في المشاهدة. قال مرة أخرى:
- أرجوك سيدي كيف يمكن أن أساعدك... هل أنت بخير.
بدأت لأول مرة منذ فتح الباب ألاحظ أن جبيني قد تصبب عرقاً وأغرقت عيوني في ملوحته الحارقة لكني رأيت وجهه ورأيت تفاصيله وكان هذا نجاتي من المفاجأة ونجاته من الضيف الثقيل. استطعت أن أخرج بعض من الكلام وأنا أعتذر:
- عذراً سيدي. أخطات العنوان!..
لكني لم أخطا العنوان. تراجعت إلى السلم واختفيت عنه وهو مازال واقفاً عند بابه. نزلت الدرجات وأنا أفكر في جرح عميق كان على خده. كان غائراً وظاهراً. يشق خده كله و يعبر قليلاً إلى إذنه اليسرى.
كنت على حال المفاجأة حقاً، واصل عرقي التصبب وواصلت التوجس والخيفة. كنت أسأل نفسي عن هذا الخرق وهذا الجنون. أنا حقاً لا أعرفه، وأؤكد أني لا أعرفه، ولكن ما الذي دفعني إليه !!!. كنت أقلب دماغي علّه يسعفني بالإجابة. كيف يمكن أن يحصل هذا !!. بلغت الأربعين ولا أزال في سفه الصغر لا أستطيع إرادتي ولا سلوكي.
هل يمكن ان تكون برامج "تلفزيون الواقع" التي أدمن عليها مع زوجتي قد أصابتني بداء التلصّص والنميمة. صحيح أني تحدثت مع زوجتي مراراً حول وجوب التخلص من هذه البرامج لكننا كنا دائماً نعود إليها وقد بدأنا نغرق في خمول الحياة الزوجية وفراغ عشر سنوات من الزواج. لكن هذا الأمر لم يقنعني.. لا يمكن أن يكون الأمر عادياً.. ثمة في الأمر إرهاص وثمة سرٌّ لهذه الغواية. مازلت أقلب السؤال ومازال الجواب بعيداً. لكن ذالك الجرح استبد بي. هل كان حادثاً عابراً ولماذا لم يحاول أن يمحيه عن وجهه... تراه يكون... هل يمكن أن تكون الخدوش التي رأيتها على محفظته قد انتقلت إلى وجهه. ثمة في الأمر سرٌّ... وثمة أمرٌ وثمة سحر.
خطوت إلى الشارع وأنا لا أكاد أسمع عم عمار. كنت أفكر في أمر واحد... الجرح... غاصت كل ملامحه ولم يبق منها غير صورة الجرح... أنا الآن داخل الصورة التي كانت من شرفتي شمس غروب وكانت صياح صبْية وجبالاً صناعية. أمرّ فيها ويثقلني السؤال والجرح. لا بد أن السرّ يختبئ في هذا الجرح العميق. انه لا بد السبب الحقيقي في هذا الجنون. أنا استطيع أن أؤكد أن ذاكرتي المقعرة نسيته لكن ملامحه أكلها الجرح... ولكن أمراً ما يجري الآن ويخبئ عني شيئاً لا أعلمه... كانت دقات قلبي تتسارع وأحسست بالخوف والرهبة.... خرجت من الصورة إلى شقتي. دخلت وأنا أرى التعجب على وجه زوجتي. كنت أسرع وعيني تمارس البحث على الجدران.
- زينب.. أين اللوحة التي أنزلتها عن الحائط؟
- إنها في الدولاب...ولكن لماذا؟؟!.
لم أجبها لكني أسرعتُ إلى الدولاب.. بحثت عنها أخرجتها. نظرت إليها وقد تكسر قماشها. كانت ممزقة من الوسط بعد أن هشمها ابني سليمان. أحسست بحق برهبة وأنا أمسكها. تداخلت الأشياء وصرت أرى العوالم في امتزاج. كان الجرح على اللوحة. وكان كمالها في نقصانها وترديها. أحسست أني وجدت جواباً للجنون.
أخذت اللوحة إلى مكانها القديم على الحائط دون أن أرتبها أو أصلح اعوجاجها. هي كما هي. وكما قدِّر لها أن تكون. ولن يستطيع أحدٌ أن يرتق ذلك الجرح الذي شقها. كانت زوجتي تنظر إليّ في عجب وصمت. كانت تعرفني وتعرف أطواري الغريبة. وكنت حقا مع تلك اللوحة غريباً..
علقتُ اللوحة وأنا أريد أن أسالها: هل مرّ حقاً ذلك الرجل أمام العمارة؟؟!
سعيف علي 2009
saifdrif@gmail.com