في نصٍّ من ورقِ البردِيِّ، حبٌّ من قصّ الحلاج 3
في نصٍّ من ورقِ البردِيِّ،
حبٌّ من قصّ الحلاج 3
سعيف علي الظريف
أنفق أبو منصور المغربي زمناً يجول في المفازة المحيطة بجبل الفيروز، وكان أُخِبِر أن فيها برديَّة، تفتح الكنوز وتهدي للسبيل. فطفق فيها حتى وجدها مخبّأة في قرن غزال. أخذها وجرى بها إلى شيخه ليفتحها عنده لكن الشيخ طرده وهو يقول (قد كشفت الحرف... قد كشفت الحرف... ضيعت العافية وستأكلك سباع الأرض جميعاً بعد أن تلهث في هروبك و تمزّق في الفرق والخوف كل حياتك).
اخذ البردية وفتحها لكنه لم يفهم طُلسمها، سوى أن الأفعال فيها تغيِّر كل مرة لبوسها وتغيّر فيها الزمن. عجِبَ ولم يفهم، ودعاه صوتٌ للقفز على دواة الكتابة، وان يفتح في النور مغارة الأبدية وينْظُرَ منها إلى البحْر وهو الشيخ الأكبر ابن عربي، البحر الأعظم عند المتصوّفة القدامى.
فِي نصٍّ من ورقِ البردِيِّ، علَّق فعلٌ مُضَارِعَهُ، حيناً..،
وحينا نام على الذِّكْرى.
إحتجَّ في فُصُصِ الحُكْم (1) وسبَّ يومَ ولادَتِه. أربَدَ، اسْوَدَّ منَ الغيظِ وقالْ.../...
سبَح مع حركاتِ المَاضِي المَسْكونةْ؛ فعلٌ.
رجَع. حَلُم. زَارَ. كان سَليلَ الذَّهَبِ المسكَوبِ علَى الفِضَّة...
ورقُ البَرديِّ وحبرُ الصِّين، ريشَتُهُ يصَْعدُ فِي الكلِمِ، يطير إلى العنقاء.
لا نفهَم عمرَ الحرْفْ.
لا أحَد يعرفُ منَّا، كم نصّاً في البرديَّة، نقرؤُهُ.
لا نحصي من السِّر غير مفتاحِ ال/أ/ب/د/ي/ة.
لكن نقرأ كل صباح مولدَهُ. حزْنٌ، ترَحٌ، وكتَابَةْ.
ثمة شيءٌ ينفلت في ورَقِ البردِّي. نصٌّ تسمعُهُ ومِدادُ البحْرْ.
خطٌّ، أفقٌ مرسومٌ على الشَّفة السُّفْلَى،
عيونٌ في الورق المكتوب بلا حبر. تقرأُ شفةَ البحرِ العُلْيَا.
ورق البردي وحبَّاتُ التُّوتْ،
في الكلِم المرقونِ على هدِّيتِهِ، ذاكرةٌ. فعلٌ ماضٍِ،
في نص من ورق البردي.
.................
لو تعلمُ كمْ
تعبٌ في العَين، شمسُ الصَّيفِ.
.................
طال به الطريق ولم يفهم، وعشا بصَرُه، وغاب في الحيرة ومكث عند الحروف يقلِبُها ويجعَل اليوْم أَمسَاً. وصار يحمل البردية على صدره وينفخ في قرن الغزال، وأصبح مجذوباً لا يأكل إلا الجيفة والزبالة. ويتطهّر في الأوساخ والدرن...
(1) فصوص الحكم: كتاب لابن عربي
سوسة صيف 2009
saifdrif@gmail.com